شبكة ذي قار
عـاجـل













منذ التسعينات القرن الماضي ونظرية الفوضى الخلاقة تحوم بشكل أقرب في المنطقة الشرق أوسطية لذلك كان لابد من إيجاد الأسس الفكرية والسياسية وزرعها بشكل جيد وهذا ما يفسر ضرورة خلق محاور رئيسة للبدء بتنفيذ الفوضى الخلاقة من قبل الغرب، بعد انتهاء الحرب الباردة، وبفعل أحداث الحادي عشر من ايلول 2001، شهدت البلدان العربية والإسلامية خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين أحداثا ساخنة بدأت ولم تنتهي. ارتفعت لافتات الحرب على الإرهاب، ونزع أسلحة الدمار الشامل، والدفاع عن حقوق الإنسان، وحرية التعبير، والمشاركة السياسية، وحق تقرير المصير .. الخ، فاشتعلت نيران الحروب الاستباقيه، ودوى قرع طبولها والتلويح بتوسيع دائرتها هنا وهناك، فتغيرت أنظمة، وعدلت دساتير وقوانين عدة، وبرزت الانقسامات السياسية، والطائفية، والمناطقيه، والمذهبية.

وعليها تبلورت مشاريع التفتيت والتجزئة داخل الوطن الواحد، ومنها ما بدأ يتجسد على الواقع العربي تحت إشراف المجتمع الدولي، وذهول الأنظمة التي يراد لها – بأي شكل من الأشكال – أن تكون جزءا من نظام دولي جديد، تتعولم فيه السياسات،والحضارات، والمعتقدات. فكيف يمكننا فهم ما حدث ولازال يحدث؟ ربط الكثير من الساسة والسياسيين تلك التطورات بنظرية "الفوضى الخلاقة" أو "البناءة" التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية كإستراتيجية شرعت بتجريبها في أقطار العرب والمسلمين، لتبدو اليوم أكثر إصرارا على الاستمرار بتنفيذها؛ بدافع أن تلك الفوضى بدأت توتي ثمارها الخلاقة. تحاول هذه الورقة الاقتراب من ماهية مفهوم "الفوضى الخلاقة" ومعرفة الأسس الفكرية والفلسفية التي استند إليها رواد هذه النظرية، والأهداف المعلنة والمستترة من ورائها، والكيفية التي اتبعتها الإدارة الأمريكية، للانتقال بتلك الإستراتيجية من إطارها النظري إلى واقع أصبح اليوم ملموسا ومشاهدا في شارعنا العربي والإسلامي، واستخلاص ما يتوجب علينا تجاه تلك الفوضى. يبدو مفهوم "الفوضى الخلاقة" اقرب إلى مفهوم "الإدارة بالأزمات" في المجال الاستراتيجي مع اختلاف الآليات والوسائل، ولعل أبسط تعريف للفوضى الخلاقة هو أنها "حالة سياسية أو إنسانية يتوقع أن تكون مريحة بعد مرحلة فوضى متعمدة الإحداث" ويذكر أن هذا المصطلح وجد في أدبيات الماسونيه القديمة، حيث ورد في أكثر من مرجع، كما أشار إليه الباحث الأمريكي "دان براون". وينسب إلى الأب "ديف فليمنج" بكنيسة المجتمع المسيحي بمدينة بتيسبرج ببنسلفانيا قوله "إن الإنجيل يؤكد لنا أن الكون خلق من فوضى وأن الرب قد اختار الفوضى ليخلق منها الكون، وعلى الرغم من عدم معرفتنا لكيفية هذا الأمر إلا أننا متيقنين أن الفوضى كانت خطوة مهمة في عملية الخلق .. ". ويؤكد "مارتن كروزرز"مؤسس مذهب جديد في علم العلاج النفسي "إن الفوضى إحدى العوامل المهمة في التدريب والعلاج النفسي، فعند الوصول بالنفس إلى حافة الفوضى يفقد الإنسان جميع ضوابطه وقوانينه، وعندها من الممكن أن تحدث المعجزات… فيصبح قادراً على خلق هوية جديدة، بقيم مبتكرة ومفاهيم حديثة، تساعده على تطوير البيئة المحيطة به.

وفي كتابه عن "الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية" يقول عالم الاقتصاد شامبيتر "ليس القديم بالرأسمالية هو الذي يفرز الجديد، بل إن إزاحته التامة هي التي تقوم بذلك" معتبرا المنافسة الهدامة تدمير يساهم في خلق ثورة داخل البنية الاقتصادية عبر التقويض المستمر للعناصر الشائخة والخلق المستمر للعناصر الجديدة. و يعد "مايكل ليدين" العضو البارز في معهد " أمريكا انتربرايز" أول من صاغ مفهوم "الفوضى الخلاقة" أو "الفوضى البناءة" أو "التدمير البناء" في معناه السياسي الحالي وهو ما عبر عنه في مشروع "التغيير الكامل في الشرق الأوسط" الذي أعد عام2003م . ارتكز المشروع على منظومة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشاملة لكل دول المنطقة وفقا لإستراتيجية جديدة تقوم على أساس الهدم ثم إعادة البناء. وركز بعض المفكرين الأمريكيين على ضرورة تبني نظرية الفوضى الخلاقة حيث أكد ذلك المفكر الأمريكي المعاصر ( شارانسكي ) : ” أنه يجب التدخل في العالم العربي من أجل نشر الديمقراطية، وأن العرب والمسلمين ليسو مهيئين للديمقراطية ، الأمر الذي يستوجب نقلهم إلى الديموقراطية” .

وكذالك ساهم المفكر الأمريكي ( جوزيف شومبيتر ) من خلال وضع كتاب يحمل عنوان ( الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية ) في وضع أسس نظرية الفوضى الخلاقة حيث ذكر في كتابة ( أن المنافسة الهدامة …. هي أيضاً تدمير هدام يساهم في خلق ثورة داخل البنية الأقتصادية عبر التقويض المستمر للعناصر الشائخة و الخلق المستمر للعناصر الجديدة ) .

وساهم أيضاً ( ناتان شرانسكي ) من خلال وضع كتاب يحمل عنوان ( قضية الديمقراطية ) حيث كان له تأثير كبير على الرئيس الأمريكي السابق ( جورج بوش الابن ) الذي اعتبر كتاباته جزءاً من السياسة الخارجية الأمريكية .

وكان أبرز ما كتب في الفترة الأخيرة عن الفوضى الخلاقة ما قدمه الكاتب الأمريكي المعاصر ( جين شارب ) ونشرته لجنة استعادة الديمقراطية في روما في بانكوك عام 1993م ، ثم صدرت له طبعة اخرى بعنوان ( المقاومة اللاعنيفة ) في شهر تموز/يوليو 2011 م ، وسعى من خلال هذا الكتاب إلى محاولة تقديم إرشادات ونصائح من أجل التفكير والتخطيط لخلق حركات تحررية أقوى لتحقيق الديمقراطية، وحسب وجهة نظرهم انه تم الأخذ بها في ثورات الربيع العربي في تونس ومصر .

وتعد نظرية الفوضى الخلاقة من الأفكار الأمريكية التي أوجدها مفكرو المحافظين الجدد، الذين سيطروا على الفكر الأمريكي خلال فترة رئاسة ( جورج بوش الأبن ) مما ساهم في اعتبار هذا المصطلح من ضمن مبادئ ومرتكزات الاستراتيجية الأمريكية ابان تلك الفترة ، وعبر عن ذلك المفكر الأمريكي ( مايكل لادين ) قائلاً: ” التدمير البناء هو أخص صفاتنا …. سواء داخل مجتمعنا أو في العالم الخارجي، فنحن نمزق النظام القديم كل يوم، من التجارة إلى العلوم، والآداب، والفنون و المعمار، والسينما إلى السياسة والقانون، وإن أعدائنا قد كرهوا منا هذه الريح الخلاقة التي تهدد تقاليدهم أياً كانت، وتشعرهم بالخزي لعدم قدرتهم على مجاراتنا، وحين يشاهدون أميركا تفكك المجتمعات التقليدية فإنهم يخافونها، لأنهم لا يرغبون في تفكيك مجتمعاتهم ولا يمكنهم الشعور بالأمن ما دمنا متأهبين من أجل وجودنا، مثلما يجب علينا أن ندمرهم من أجل دفع مهمتنا التاريخية للأمام ) .

وعلى هذا الاساس فان المفكرين الامريكيين ينظرون إلى مصطلح الفوضى الخلاقة على انه يشكل مدخلاً للعمل على تفتيت العالم العربي بالاعتماد على تعدد الأديان والثقافات واللأطياف والأعراق، لخلق حالة من الضعف تمهيداً لتقسيمه إلى دويلات صغيرة وضعيفة يسهل السيطرة عليها. حيث كان من الضروري إيجاد دولة في المنطقة لتكون الراعي الفكري من خلال إنشاء مسارات إعلامية وأكاديمية تمهد للفوضى الخلاقة ، وتم اختيار (( ايران )) وميليشياتها المتزايدة لتكون هي الدولة الراعية ل ( ( فوضى الخلاقة ) ) واختيار التنظيم السياسي المناسب لتنفيذ الشق الأهم وهو تنفيذ الفوضى الخلاقة، والتهيئة الدولية إعلامياً وسياسياً لإطلاق فكرة الشرق الأوسط الجديد ونشر هذه الفكرة بين الشعوب عبر استغلال التحول الديمقراطي. من المؤكد أن نقص الوعي السياسي هو الذي جعل احزاب الاسلام السياسي تحتل المركز الأول في الاختيارات التي وضعها الغرب لتنفيذ نظرية الشرق الأوسط ولعل الأسباب لذلك كثير ومنها: -- تعطش هذه الاحزاب للحكم يجعل منها مستعداً للموافقة على جميع التنازلات السياسية وهذا ما حدث، فعلى سبيل المثال قامت جماعة الاخوان وقبل أن تصل لحكم مصر بعشر سنوات تقريباً ومن خلال مرشدها في ذلك الوقت مهدي عاكف الذي صرح لوكالة "الاسوشيتدبرس" أن الجماعة ملتزمة باتفاقية السلام مع إسرائيل في حال وصولها للحكم، وهذا ما شرحته لاحقاً الرسالة الشهيرة للرئيس المصري المعزول محمد مرسي في 19 يوليو2012 م والتي وجهها إلى الرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز وعنونها بقوله ( عزيزي وصديقي العظيم ) .

ستراتيجية الحروب الاهلية
باتت احزاب الاسلام السياسي الخيار الأنسب لتحقيق الفوضى الخلاقة بالنسبة للغرب والتي كشفت ضعفاً فكرياً ساهمت فيه السياسية العربية والتي تعتقد أن تدين الشعوب الجاهلة هو المسار الوحيد للسيطرة عليها، وهذا خطأ استراتيجي يصعب الخلاص منه اليوم فالشعوب العربية التي سمحت بالفوضى الخلاقة تحت عنوان ما يسمى بـ"الربيع" بحاجة إلى أن تدرك الخطر الذي يمكن أن تواجهه في أمنها واستقرارها ليس من خلال عدو بعيد ولكن من خلال استغلال الدين ذاته. كان وصول الإخوان في مصر وحزب الدعوة ومعه بعض الاحزاب الدينية و إلى سدة الحكم ومن ثم إسقاطهم لا يخلو من أن يكون جزءاً من المخطط الذي يفضي إلى حمل السلاح والانزلاق نحو حرب أهلية تشبه تلك التي حدثت في الجزائر عندما وصل الإسلاميون ممثلين بجبهة الانقاذ إلى الحكم هناك، ومن ثم اقصاؤهم وما ترتب على ذلك من حرب أهلية مدمرة دامت عدة سنوات.

ولكن المثل المصري يقول "ضربتين في الرأس توجع"، فالمعروف أن احزاب الاسلام السياسي تلقوا أكثر من ضربة خاصة في مصر بعد أن جربوا حظهم في الحكم وفشلوا فشل ذريع ومروع في الدول التي صنع فيها الربيع العربي بمواصفات غربية أمريكية والإخوان المسلمين الذين كانوا قد أعدوا العدة لتولي زمام الأمور في البلدان العربية بتكوين "خلافة إسلامية" على رأس المشهد تونس ومصر واليمن. تلقى الإخوان أكثر من ضربة أولها انهيار حكمهم في مصر وهي الدولة التي استلموا الاخوان الحكم فيها اكثر من العام، ولكن تنبه لهم الشعب المصري حتى رفض حكمهم بخروج الشعب إلى ساحة الميدان بثورة تصحيحية أدت النتيجة إلى خلع الاخوان وحظرهم نهائياً بتحويلهم إلى منظمة ارهابية يمنع التعامل معهم.

في النهاية .. بعد أن فشلت واشنطن فى تحقيق خارطة الشرق الأوسط الجديد وتمكين احزاب الاسلام السياسي ، للعبث بالمنطقة، وبعد كل هذه الهزائم المتتالية التى مُنيت بها فى العراق ولبنان وسوريا وتونس واليمن وليبيا ومصر، خططت لمؤامرة جديدة، عن طريق لعبة التكفير والخيانة، وجماعات "الارهابية " التى تدعى الإسلام، ليبدأ فصل جديد من المؤامرة سنتناوله تفصيليا في الحلقة الثالثة .





الجمعة ٧ ربيع الاول ١٤٣٧ هـ   ۞۞۞  الموافق  ١٨ / كانون الاول / ٢٠١٥ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب داود الجنابي نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة