شبكة ذي قار
عـاجـل













في خضم الاحداث التي تجري في العالم، وخاصة التطورات التي احدثت تحولاً واضحاً في ادوات التغيير، باتت اشياء، في الوقت ذاته، لا جدوى فيها واخرى مكلفة وباهظة لا تتوازى وقيمها السوقية، واخرى مثيرة للجدل وانعكاساتها الداخلية اكثر ضجيجاً وتجريحاً من خارجها .. إلخ .

إذن .. هناك مؤشرات : ١ - الكلف الباهظة ٢ - تغيير الادوات ٣ - محددات باتت لا تتناسب مع القيم السوقية ٤ - تزايد انعكاسات الداخل والخارج السلبية ٥ - المناورة في مسألة الانسحاب والانتشار والتموضع في الفضاءات الخلفية الحيوية ٦ - زرع طرق الانسحاب ومسالكه وتقاطعاته بألغام الفوضى ٧ - تفعيل ادوات منع التمدد الصيني الى مناطق النفوذ الحيوية ، ومنع روسيا من احياء امبراطوريتها ٨ - تسريع تسويات الشرق الاوسط وتكريس الوجود الإسرائيلي ٩ - ولإيران حسابات خاصة في مشروع الشرق الاوسط الجديد في احتمالين أ ولاً - تفجيرها كحريق بوجه التمدد الصيني ثانياً - وضعها بين خيارين : قبولها التراجع خلف حدودها كدولة مدنية غير نووية ومشاركتها في نظام الأمن الأقليمي في المنطقة أو تفكيكها على وفق واقعها العرقي.!!

اولاً - الحروب الاستعمارية المباشرة ( احتلال بجيوش ودبابات وطائرات حربية وصواريخ باليستية وغواصات وإنزالات جوية ) هذه الحروب الكلاسيكية باتت مكلفة ومرهقة اقتصادياً ولا احد يضمن نتائجها وانعكاساتها السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وغيرها.التحول الجذري في استراتيجية محاربة الارهاب الدولي المُصَنعْ في الحادي عشر من سبتمبر - ايلول عام ٢٠٠١ ، كان احد أهم هذه الادوات لغرض التمدد الامبريالي الامريكي صوب العمق الاسيوي ١ - فقد ضربت افغانستان واحتلته لأن نظام كابل، حسب زعمها، كان يحتضن منظمة طالبان الارهابية، وكما قصفت كابل واسقطت نظامها ونصبت حكومة عميلة، طاردت طالبان حتى في جبال تورابورا الشاهقة طيلة عشرون عاماً، فأربكت حسابات الصين وروسيا وباكستان والهند واعادت حسابات التحالفات في المنطقة ٢ - كما ضربت العراق وأسقطت نظامه الوطني واحتلته بدعم ايراني، ونصبت حكومة عميلة في بغداد، بهدف حماية الكيان الصهيوني اولاً : وتمكين تنفيذ مشروع الشرق الاوسط الجديد ثانياً : بأداة اسلاموية متطرفة ثبتت فعالياتها سابقا بطرد الجيش السوفياتي من افغانستان الشاهد هو، مكتب مدينة كابل الذي مول عربياً دفعة واحدة بـ ( ٥٠٠ ) مليون دولار لأستقطاب الاسلامويين وما يسمى آنذاك بـ ( الأفغان العرب ).

اندحار الجيش السوفياتي وانسحابه من افغانستان شجع الامبريالية الامريكية على اعتماد الخط ( الاسلاموي المتطرف ) بتغيير نظام شاه ايران وتبديله بنظام خميني .. وكانت فرنسا وبريطانيا هما اللتان لعبتا دوراً مركزيا في شل جنرالات الجيش الايراني الموالي للشاه وتسهيل وصول ملالي قم وطهران الى رأس السلطة واستقبالهم خميني بطائرة فرنسية من العاصمة باريس.

ثانياً - النظام الليبرالي يتآكل وأدوات التغيير بآليات حديثة ومتطورة هي التي ستحدد طبيعة الصراعات المستقبلية ومنها ١ - الفضاء الألكتروني ( السيبراني ) الذي يؤثر على منظومات وسائل الردع لأغراض الارباك والتجميد ، وتعد أهم الادوات المتطورة التي دخلت الخدمة لتدمير مرتكزات الخصوم الأمنية والعملياتية والألكترونية وقواعد تشغيل الطاقة ومحركات تفعيل المفاعلات وشبكات الميديا وغيرها وخاصة شبكات رادارات قواعد اطلاق الصواريخ وإيقاف حركة الطائرات الحربية والمدنية.

ومن الأمور المشخصة في تاريخ الفكر السياسي الأمريكي : أن الولايات المتحدة تعيش حالتين متعارضتين عبر سياساتها الخارجية والداخلية.فمنذ نشأتها تجد نفسها بين ان تخرج لكي تسيطر على العالم وتقود وبين ان تتراجع وتنكفأ الى الداخل لكي تقوم بترميمه وإعادة بناءه .. والحالة هذه تظل ( متلازمة ) ترقى احياناً الى مستوى الإشكالية تحدث عنها هنري كيسنجر ووصفها ( بالتردد بين الإندماج والإنعزالية ).!!

ثالثاً - فمنذ انتهاء الحرب الباردة كشف الواقع الدولي عن حقيقة ضمور المؤسسات الأممية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات المتخصصة التابعة للتنظيم الدولي، إذ لم تعد لهذه المؤسسات من قيمة فعلية مادية واعتبارية تؤكد عملها في الحرص على استتباب الأمن والسلم الدوليين .. فالأمم المتحدة باتت مجرد تجمعات عامة، فيما بات مجلس الأمن مشلول الإرادة بالفيتو والفيتو المزدوج في مناخ دولي مشحون بالتوترات والتهديدات والاغتصابات والحروب ، الأمر الذي يستوجب ولادة مؤسسات ( نخبوية ) ذات صلاحيات وانظمة وآليات فعالة تستطيع ان تحسم أية مشكلة او تتوصل الى حلول لأية إشكاليات وتمنع الحروب قبل وقوعها وتؤكد مبدأ السيادة والاستقلال الوطني وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى واحترام خياراتها .. هذه المؤسسات النخبوية لا توجد إلا في نظام دولي جديد متعدد الأقطاب تشارك فيه كل الدول الكبرى والعظمي التي تمتلك مقومات القطبية على النحو المتعارف عليه.

رابعاً - هل سيفرز نظام العولمة آليات من هذا النوع؟ والإجابة : كلا ، لأن العولمة بمراتبها المختلفة ( الاقتصادية والثقافية والنظمية ) هي من أدوات النظام الدولي الأحادي الذي جاء في اعقاب تفرد القطبية الاحادية الامريكية، التي وصلت الى طريق مسدود واستنفدت زخمها وتراجعت ثم تقهقرت وانكفأت لتعيد تقييم حساباتها وتجدد آلياتها وترمم بنيتها التحتية، بطريقة تخدم تطلعاتها الأمبريالية .. وفي مقدمة تخطيطها الجيو - استراتيجي ( منع ) الصين من تشكيل قطبيتها وكذلك منع إستعادة القطبية الروسية وبلوغ مرحلة النضج والتكامل على مستوى الاقتصاد وعناصر القوة الاخرى والنفوذ.

خامساً - الملمح الأشد ظهوراً في عالم تشكيل النظام الدولي الذي يعيش مخاضاً عسيراً ، يرصد بإستيقاظ نهج القوميات مرفوقاً بإنحسار التأثيرات الدينية في مجريات السياسة الدولية، الأمر الذي يجعل روسيا الاتحادية تتمسك بالنهج القومي القاري مع آلية نهج الكنيسة الارثودوكسية في عملها السياسي المزدوج، الذي تواجه فيه اوربا ويفتح لها ابواب الداخل للتأثير في سير الانتخابات وتحريك بعض القوى الاوربية في اطار يسمونه الخط الشعبوي.

سادساً - وقد زادت جائحة كورونا كوفد - ١٩ واقع العزلة بين الدول وخاصة الاوربية والامريكية واربكت الاتصالات والعلاقات بكل اشكالها ومنها غلق الحدود بين بعض الوحدات السياسية الاوربية بعد ان وضعت اقتصاداتها في دائرة مخيفة من الكساد والتدهور.!!

سابعاً - اتخذت امريكا من استراتيجية الخط الاسلاموي منهجاً في صراعاتها مع الصين وروسيا الاتحادية، ومشاريعهما في التمدد الاقتصادي والعسكري .. فيما تظهر ايران منهجاً اسلاموياً مزدوجاً يجمع بين التمدد الايديولوجي المذهبي المغاير للأسلام وبين التوسع العسكري المليشياوي، ليشكل معولاً هداماً ينفذ المخطط الامريكي - الاسرائيلي الذي يرمي الى تفكيك الدول العربية وإعادة تشكيلها على اساس الشرق الاوسط الجديد.

ثامناً - لم يستنفد التخطيط الاستراتيجي الامريكي مهماته بَعدْ مع الخط الاسلاموي ( يتعامل التخطيط الامريكي مع تركيا ومع ايران ومع فلول الأخوان المسلمين، ويبدى دعمه للغنوشي وحزبه الاخواني في تونس، ويعلن تحفظه المخزي بهزيمة الأخوان في المغرب .. وهكذا يتم الامر حسب المصالح الامريكية والذين يخدمون هذه المصالح ) .. هذا الخط ، في معظمه بات ينحسر وخاصة بعد هزيمة الأخوان في مصر والسودان والمغرب وهزائم من نوع آخر في ليبيا وتونس وتشرذمهم في قطر وبعض دول الخليج كالكويت وطردهم من تركيا وعدم قبولهم في ايران إلا مع اموالهم وارصدتهم.

تاسعاً - وعلى هذا الأساس لم يعد الخط الاسلاموي قادراً على استيعاب متطلبات التحولات الجديدة من جهة، وعزوف الشعوب عنه من جهة ثانية، فضلاً عن عدم قدرته على البناء ومتطلباته، حيث تختلف متطلبات شكل الصراع في المنطقة عن شكل الصراع في العمق الآسيوي بعد الانسحاب من افغانستان.

عاشراً - التوجه الامريكي الراهن في جزءه المهم يتكرس نحو تقويض جهود الصين وروسيا بسياسة محاربة الارهاب. وتتربع سياسة ( محاربة الإرهاب الدولي ) احد ابرز هذه الأدوات التي تضمنها ( الانسحاب الامريكي من افغانستان ) .. ففي الصين ( ٢٣ ) مليون مسلم ، وفي روسيا ( ٤٨ ) مليون مسلم، اضافة الى وجود جماعات مسلمة منتشرة على طريق النفوذ الصيني والروسي قد تستخدم كأدوات في مجال تقويض التوجهات الصينية والروسية من اجل منعهما من الوصول الى اهدافهما ، وهو الأمر الذي يجعل امريكا تطيل من بقائها على رأس الهرم اعتقادا منها بانها قادرة على التفاعل مع معطيات المشكلات والاحداث الاقليمية والدولية.

فهل ستنجح امريكا في البقاء على :

١ - رأس قمة الهرم السياسي الدولي.؟

٢ - هل ستحاول كما في الأزمات الاقتصادية السابقة واختناقاتها ان تكيف نفسها وتجد لها ادوات جديدة لتبرز بمظهر المعالج لقضايا العالم والمنقذ له بعد ان تشعل الصراعات والمشكلات وتتركها ومن ثم تطرح نفسها كمنقذ ؟

٣ - وهل ستستبقي امريكا بعضاً من هياكل التنظيم الدولي لتبني عليه نظاماً ترقيعياً وبآليات مشتركة وقرار مشترك.؟

٤ - وهل ستدرك امريكا ان نظاماً دولياً احادياً لا يمكن القبول به ؟ وإن نظاماً ثنائياً يصعب تحقيقه لعدم توفر مقومات التشكيل والتكوين وتوازن القوى؟ وإن نظاماً متعدداً هو الارجح الذي يرسي دعائم النظام الدولي الجديد يقوم على مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة الدول وخياراتها السياسية والاقتصادية؟

ستظل الولايات المتحدة الامريكية كما وصفها " هنري كيسنجر " منذ نشأتها وحتى الآن مترددة بين الإندماج والإنعزالية .. وهذا ما تفصح عنه الافكار التي ظهرت فيها فلسفات السياسة الامريكية، من فكرة الاقتصاد الحر والتجارة المعززة بالقوة " هاملتون " ، الى نشر القيم والثقافة الامريكية على العالم بما فيها الديمقراطية وحقوق الانسان " ويدرو ويلسون " ، إلى أهمية الإنعزال والجلوس على التل، وإقامة علاقات من شأنها ان تحقق مصلحة الشركات الامريكية والامتناع عن التدخل الخارجي " جيكسون ".

والمحصلة في سياسة امريكا الخارجية هي خليط متناقض ومتعارض ومرتبك وفاشل ولم يحقق غير الفوضى التي اعتمدتها امريكا الآن في نظرية ( الفوضى الخلاقة ) .. فمتى تستقيم هذه القوة في المشاركة في بناء نظام دولي يخلو من التدخل الخارجي والحروب ويمنع وقوعها من خلال أليات دولية صارمة متفق عليها في إدارة التنظيم الدولي المتعدد القوى.؟






الجمعة ١٧ صفر ١٤٤٣ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٢٤ / أيلول / ٢٠٢١ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب د. أبا الحكم نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة