الرئيسية

من نحن

للاتصال بنا

إبحث في شبكة المنصور

 

 

 

 

 

ما تجتره الذاكرة وما يتناساه الظالم
مناظرة مع هنري كيسنجر !

 

 

شبكة المنصور

الدكتور محمود عزام

 

بضوء المقال الذي كتبه هنري كيسنجر عراب المكاسب الصهيونية ومهندس سبل إيهام القادة العرب ومروج الإنزلاقات الأمريكية وصانع المعاضل والخلافات وشق الصف العربي والذي نشرته عدد من وسائل الإعلام والذي يحمل عنوان " الحقيقة الجديدة في العراق يواجهها الخلاف القديم" والذي تطرق فيه إلى موضوع مهم يشغل بال السياسيين والعسكريين الأمريكان وهو موضوع انسحاب القوات الأمريكية من العراق.. وكعادة الظالم والكاذب فهو دائما  يبتعد عن الحقيقة متناسيا إما عمدا أو سهوا لان الكاذب ينسى كذبه..إلا أن ذاكرة الشعوب وخاصة تلك التي ابتلت بعنجهية وصلف وعداء الولايات المتحدة تتميز دائما بذاكرة قوية وقدرة على الدفاع دوما عن مصالحها..ومن أهم المحطات التي يجب الوقوف عندها في هذا المقال مايلي:

 

-    أمريكا خسرت الحرب في العراق.. يعترف كيسنجر بوضوح بقوله رابطا الانسحاب من العراق بنتيجة ماأقدمت عليه الإدارة الأمريكية من حماقة بقوله : " وإننا فوق كل هذا خسرنا الحرب وأن الانسحاب يمثل أقل الخسائر التي يمكننا الخروج بها من الهزيمة"

 

-    ولكنه يربط  بين تلك النتيجة وما تحقق من "انجازات في الساحة العراقية " والتي تمثل "انتصارات للسياسة الأمريكية" والتي تتمحور بثلاث محاور حددها بوضوح وهي : " هرب مقاتلي القاعدة من العراق، انتهاء التمرد المسلح الذي كان يقوم به السنة العراقيون الذين يحاولون استعادة سيادتهم، وقدرة الحكومة التي تسودها أغلبية شيعية في بغداد وتغلبها، على الأقل مؤقتا، على الميليشيات الشيعية التي كانت تتحدى سلطتها"..ليستخدم هذه "الانجازات" لتحقيق تقدم يعتمد كما يقول على " تغيير أسلوب تفكيرنا فيما يتعلق باحتمالات النجاح".

 

نقول للسيد كيسنجر:

 

أن النظرية لا تصح إلا في ميدان التطبيق وان انجازات الحكومة وانتصارات الأمريكان المزعومة ما هي إلا جزء صغير من  الحقيقة التي تقول بتراجع هجمات القاعدة وتحجيم ميليشيا جيش المهدي ..أما الكم الكبير من الحقائق والتي حجبتها يا سيدي متقصدا أو متناسيا وهي أن المقاومة العراقية التي أجبرت الأمريكان على التفكير الجدي بإنقاذ ما تبقى لهم من قوات في العراق موجودة في كل مفصل من مفاصل الشعب ومدنه ..وان أي حسابات وخطط يتم اقتراحها بعيدا عن هذه الحقيقة ستزيد من غوص الوجود الأمريكي في العراق ولا تنقذه..وهذه المقاومة لا تنتمي لطائفة أو دين وقومية وتقاتل فصائلها كل القوات المحتلة والغازية وأذنابها وبوجود هذه المقاومة الشرعية والشعبية لن يجد الأمريكان والسلطة المنصبة منهم وقتا لتدارس الخطط أو التفكير بحل يؤمن انسحابا إستراتيجيا لهذه القوات إنقاذا لحياتها..

 

أما انتهاء التمرد الذي وصفته "بالسني" فلا نعرف ما المقصود بهذا التوصيف؟!..فهل هو تمرد جبهة التوافق وإحجامها عن العودة إلى العملية السياسية أم أنك تقصد أن المقاومة "السنية " حققت أهدافها وألقت سلاحها؟..وعن أي ميدان تتحدث ؟..فلا يوجد في  الميدان العراقي وفي ساحات المواجهة مقاومة سنية رفعت السلاح بوجه المحتل أو السلطة من اجل استعادة سيادتها لان هذا التوصيف فيه اهانة كبيرة للسنة ولشعب العراق ..ومن الخطأ أن يوصف شخص مثلكم  مقاومة الشعب بأنها تمرد من اجل المنصب والجاه والمال كما تدعي ..

 

هنالك مقاومة عراقية شاملة هدفها طرد المحتل وتحرير العراق وهذا ما خلا منه المقال عابرا أو متجاوزا..جهلا أم عن قصد..وفي ابلغ التعابير أنها ديدن الظالم والمعتدي عندما يتناسى لما أقدم عليه وما يمكن أن ينتج من ظلمه وعدوانه..فهل أن ذاكرتكم ياسيدي  تحتاج لمن ينشطها ويذكرها بأحقية الشعوب بالمقاومة ؟!..أم انك تستكثر انطلاق المقاومة الشعبية المسلحة على شعب العراق وهو بهذا العمق ألتأريخي والحضاري ؟!..وشعب مثل الشعب العراقي وهو يتعرض إلى عدوان واحتلال من قبل قوة عظمى كالولايات المتحدة لا يمكن أن يبقى بدون انفجار ثورة المقاومة الوطنية الشعبية وبعكسه سيكون هنالك خلل في كل الحياة الإنسانية وتجاوز هذه الحقيقة سوف لن يمكن الإدارة الأمريكية من حل معضلة تورطها في العراق .

 

-    ويؤكد السيد كيسنجر على ضرورة تغيير أسلوب التفكير ولكنه لا يوظف نتائج هذا التفكير الجديد لخدمة الهدف بل يستبق للحالة هذه منذ البداية عندما  يضع وكالعادة مساحات ونهايات سائبة ومرنة لهذه " التغيرات المطلوبة" والتي تتركز على استباق "عدم المعرفة " على كونها : " تغيرات دائمة ومدى كونها تغيرات تعكس قرار الخصوم للإدارة والسياسة الأمريكية ومنها إيران" ..

 

السيد كيسنجر:

 

مرة أخرى أنت تنكر وتتجاوز حقيقة وجود المقاومة الوطنية وتأثيرها..ثم تطالب بضرورة إعادة أساليب التفكير بالحالة باستخدام تغيرات مطلوبة ثم تعود لتجعل هذه التغييرات وليدة الظرف وديمومتها تتعلق بما يفكر به الخصم لا بما يحقق مصالحهم في إشارة واضحة إلى وجود هاجس لدى الإدارة الأمريكية يتعلق بالخوف من تفسير الخصم لخطوة محسوبة بدقة من قبلكم !..فهل الغاية هي إيهام الخصم أم تطبيق الإستراتيجية وإذا كان إيهام ومنع قيام العدو باستثمار الخطوة هو جزء من الإستراتيجية فهذا يتطلب أن نعرف ما هو الهدف أولا..فإذا كان الهدف دعائي فستكون مفردات الخطة مرهونة بمراحلها التي تحقق أكبر نصر دعائي يؤثر على العدو فقط بدون حساب لما تخسرونه يوميا وما يمكن أن يكون رد فعل المقابل وما ستؤول إليه الأمور لاحقا..أما إذا كان الهدف هو الحفاظ على ما تبقى من ماء الوجه بعد الإقرار بالخسارة فهذا يتطلب قرارا شجاعا وليس خطوات مخادعة تعيد الإدارة الأمريكية إلى مربع الكذب والحيلة وحياكة التبريرات والتي أوصلت الحال إلى ما هو عليه الآن في العراق!..

 

-    يوصي كيسنجر ويؤكد على النظر من فوق للمشكلة بقوله: "  إن أي مظهر يدل على أن القوات الإسلامية المتطرفة تسببت في هزيمة الولايات المتحدة ستكون له عواقب وخيمة تتعدى حدود المنطقة"..

 

السيد كيسنجر:

 

انك ترفض أي نتيجة سواء كانت متحققة على الأرض أو يدعى المقابل بها..وفي استنتاجك هذا فأنت تختزل كل الصراع وأصل المشكلة وسبب وجود القوات الأمريكية وما خاضته من معارك وما تفكر به اليوم من ضرورة الانسحاب أو جدولته وإعادة الانتشار بموضوع واحد وهو قيامكم بجمع كل أشكال وتعدد نوعيات خصومكم في الميدان العراقي بما أسميته"الجماعات الإسلامية المتطرفة" وتقصد تنظيمات القاعدة وما يرتبط بها وربما بعض المتبجحين من الجماعات الإسلامية الطائفية بذلك..وهذه مفارقة إستراتيجية وخطأ كبير عندما تتعمد عدم الإشارة إلى المقاومة الوطنية العراقية ودورها المتنامي وحقها المشروع للقيام بذلك..ولأنك استنتجت من أن تنظيم القاعدة على وشك الانهيار التام وان انسحاب قواتكم من العراق سيكون مظهر من مظاهر انتصار هذه القوى عليكم قد يعيد الثقة إليها وهي في آخر أنفاسها فهذا يعني أن لا توصية بالانسحاب لحين القضاء عليها نهائيا!..والسؤال هو إلى متى؟!..متناسيا أن هدف القاعدة ليس انسحابكم بل إيقاع اكبر الخسائر بكم وهذا لا يتحقق إلا باستمرار وجودكم في العراق بينما يتركز هدف المقاومة العراقية على إخراجكم من العراق وهنا يكمن ازدواج وتداخل النظرة للموضوع..فمن هو خصمكم وما هي استراتجياته ؟ ..

 

ومرة أخرى تهتم بالإيهام أكثر من اهتمامك بالواقعية والعلمية بالتفكير والتخطيط والتنفيذ..فلو أن القائد العسكري في معركة ما من معارك الدبابات كان قد تم تطويق كتيبة دباباته وبظرف عدم وجود غطاء جوي أو إسناد مدفعي وكان لديه مسلك واحد للمناورة والتراجع والانسحاب سالما فهل من الصحيح أن عليه أن يفكر " قبل إنقاذ طواقمه!!": هل أن استخدام هذا المسلك للانسحاب سيفهمه العدو بأنه تراجع وخسارة وهزيمة فإذا كان نعم فعليه أن يتوقف عن الانسحاب ويضحي بجنوده من اجل "أن لا تسبب هذه الخطوة عواقب سياسية وخيمة وخطيرة !!"..

 

-    ويبدأ هنا متوجسا ومناورا بدهاء لإيجاد الوسيلة المناسبة للانسحاب الذي لا يستخدمه العدو ويوظفه لصالحه كنصر بقوله: " لذلك، يعتبر تحديد كيفية مغادرة العراق وموعدها أحد أهم القرارات التي على الرئيس القادم اتخاذها"..

 

نقول للسيد كيسنجر:

 

انك تريد أن تقول أن على الولايات المتحدة أن لا تشعر العدو بأنها هزمت لان ذلك سيعني أنها خسرت الحرب..ولماذا قلت إذا في بداية حديثك " أننا خسرنا الحرب"..هل كانت تلك محاولة لإيهام الذات بأنكم وان خسرتم الحرب فقد "ربحتم كيفية إنهائها" وبذلك سنتحول إلى مفهوم جديد للخسارة والربح ..

-    ويتحول كيسنجر إلى موضوع المصالحة بين القوى العراقية ليبين للقارئ عمق الفجوة بين الحقيقة في الميدان وبين النظرة التحليلية النظرية التي تستمع وتحلل بموجب ما يدخل لها من معلومات وليس باعتمادها على الحقائق الفعلية على الأرض واصفا المصالحة الوطنية بأنها "  المصالحة الوطنية بين الأطراف الثلاثة في البلاد: الأكراد والشيعة والسنة"..

 

السيد كيسنجر:

 

انك بهذا التبسيط السطحي تحول أصل الصراع الجاري اليوم على أرض العراق من صراع بين الإرادة الوطنية وحق الشعب العراقي وبين المحتل ومن يقف أو جاء معه.. إلى صراع داخلي بين مكونات الشعب العراقي من عرب وكرد وشيعة وسنة..ونقول لك بصراحة إن مثل هذا التوصيف قد يفيدكم تكتيكيا وإعلاميا وقد يمكنكم جهل المستمع العراقي والعربي أو العالمي  من أن تستثمروا ذلك لإطالة أمد احتلالكم للعراق ولكنه سوف لن يفيدكم في إيجاد حل جذري للمشكلة وأنت تناقش موضوع ضرورة انسحاب القوات الأمريكية من العراق..لسبب بسيط وهو إن من واجبكم أن تطلعوا الشعب الأمريكي والإدارة الأمريكية على الحقيقة وان لا تأخذكم قدرتكم على المناورة وخداع الشعب العراقي والعربي وربما الكثير من دول العالم بالاستمرار حتى في خداع الشعب الأمريكي ..وسيكون إصراركم على المضي بهذه الخدعة سببا رئيسيا لضياع الكثير من الفرص التاريخية التي تتوفر لكم لإنقاذ ما تبقى من ماء الوجه والتي بدأت تتضاءل فرص ظهورها مع مرور الزمن..

 

إن قيامك بوضع الأسباب التي تحتمها حاجتك للوصول إلى ما ترغب من استنتاجات هو ليس قفزا فوق الواقع بل هو مغالطة تاريخية مكلفة ومجحفة بحق جنودكم واقتصادكم وسمعتكم الدولية وتاريخكم ..والموازنات السياسية التي يتوجب إحداث تقارب بينها تشمل فقط القوى التي جاءت معكم واحتمت بدباباتكم وظهرت من تحت الأرض بعد أن سقيتموها ووفرتم الظروف الملائمة لنموها ..أما وضعك لاستنتاج استباقي من إن  وجود القوات الأمريكية في العراق سيتحول " ومع تضاؤل الحاجة إلى تعامل القوات الأميركية مع قوات كبيرة من المتمردين المسلحين" وقيامها بتوجيه " تركيز متزايد إلى مساعدة الحكومة العراقية على مقاومة ضغوط دول الجوار، والهجمات الإرهابية المفاجئة التي تشنها القاعدة أو الميليشيات التي تساندها إيران "..إنما هو استنتاج تم وضعه ليلاءم حالة مرغوبة واستنادا لمعلومات غير دقيقة وغير صحيحة وناقصة ..لأن كلمة "المتمردين المسلحين" كلمة وان كانت شاملة فهي لا تنطبق على المقاومة الوطنية وأغلب الظن " إذا أردنا أن نفترض من إنك دقيق في التوصيف الخاص بهؤلاء المتمردين !" باعتبارهم الميليشيات التي تقول الحكومة إنها قضت عليها في عمليات البصرة وبغداد والنجف والديوانية وغيرها من مدن الجنوب والفرات الأوسط فذلك ممكن ولكن نسال : متى كانت هذه الميليشيات وقوتها هي التي تحدد عدد القوات الأمريكية في العراق ؟!..وإذا كانت القاعدة قد شكلت سببا من أسباب استمرار وجود هذه القوات وتضاءل نشاطها اليوم فذلك لا يعني أن قوة المقاومة العراقية قد تضاءلت أيضا ومعطيات الميدان شاهد ودليل على ذلك..

 

بهذه النظرة المجتزأة سوف لن تتمكن الولايات المتحدة من اعادة نشر قواتها ( أي البدء بانسحابات متدرجة من العراق إلى أفغانستان والى الولايات المتحدة ) ..وسوف لن يصبح من الممكن إطلاقا  جعل هذه الانسحابات " وان تحققت جزئيا" عملية نشر سياسي وجغرافي للقوات المتواجدة بالعراق لكي تتمكن الولايات المتحدة في النهاية من الحصول  كنتيجة لهذا الانتشار على : " احتياطي استراتيجي" وربط كل هذه الخطوات بما وصفته في مقالتك بضرورة  " التخطيط لعقد مؤتمر دبلوماسي يتولى التوصل إلى تسوية سلمية رسمية" يتم من خلاله تطبيق هذه السياسة!..

 

-    ويشير كيسنجر إلى طبيعة هذا المؤتمر بقوله : " وقد عقد مثل هذا المؤتمر منذ عامين على مستوى وزراء الخارجية. وحضره جميع دول جوار العراق، ومن بينهم إيران وسورية، ومصر والأعضاء الدائمون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. لذا يجب أن يعاد عقد مثل هذا المؤتمر، وأن يتولى تعريف المكانة الدولية للعراق والضمانات التي تمنحه هذا الوضع"..

 

نقول للسيد كيسنجر:

 

لماذا تتوقعون دائما أن "طبخة أي موضوع لكم فيه مصلحة " يجب أن تتم من خلال إقرار مؤتمر يجري الإعداد إليه والتثقيف على مجرياته ووضع وصياغة قراراته قبل أن يعقد؟!..ومن حيث المبدأ عندما تبحث عن "تسوية سلمية رسمية" فكيف يتم استبعاد أحد أهم مكونات هذه التسوية وهي المقاومة الوطنية ليتحول موضوع " تأطير عملية إنهاء الصراع عسكريا" إلى " عملية شرعنة إجراءات تؤمن انسحاب جزئي للقوات الأمريكية ولا تفسر بأنها هزيمة بل إعادة انتشار!!".. أي بمعنى آخر : الحصول على غطاء دولي ودبلوماسي لعملية " انتصار أمريكي من خلال انسحاب القوات!!" مع التحديد على إن هذا المؤتمر يجب أن يتزامن مع : " مبادرات إقليمية لتحقيق استقرار الأوضاع في الشرق الأوسط." لضمان مناخ ولو مؤقت يسهل تمرير ما يتم التصديق عليه وليس ما يتم الاتفاق اليه ! حيث لن تكون هنالك مواضيع للمناقشة والاختلاف فالحكومة العراقية ستستمر في سلطتها وتبعيتها بحماية الامريكان وسيهيا لها الجو لتتحدث بصوت اكثر حدية مع من يتهمها بعدم الشرعية ! وستكون لها القدرة على المناورة في العلاقة مع ايران بضوء المستجدات.. وفي الوقت الذي يفسر كيسنجر هذه المبادرات  التي تحقق الاستقرار في المنطقة من خلال " مسعى تركيا بالتوسط بين إسرائيل وسورية" و " المبادرة القطرية لوقف مؤقت على الأقل للقتال في لبنان"..لم يتطرق إلى الصراع الأمريكي الإيراني ! ..

 

فهل إن أهمية هذا الصراع والوتيرة المتصاعدة لحدة التوتر الذي يخيم على منطقة الخليج العربي والتهديد بإغلاق مضيق هرمز وإصرار إيران على عدم تقديم أي تنازلات تخص برنامجها النووي والسعي المحموم للإدارة الأمريكية لتضخيم هذا الموضوع وتطويره ليصل إلى حال استخدام القوة العسكرية وضرب إيران ..نقول هل تأثيرات وظواهر هذا الصراع تراجعت الآن إلى الدرجة التي يتحدث فيها كيسنجر عن استراتيجة انسحاب القوات الأمريكية من العراق في ظل التهديد الإيراني وتحديات هذا التهديد لمصداقية وعنجهية وشعارات الولايات المتحدة ؟..أليس التهديد الإيراني للولايات المتحدة بدا وتزايد من يوم الاحتلال في 9 نيسان ولحد الآن إلى أن وصل الضعف الأمريكي حدا لم تعد تقوى به على الرد على استفزازات إيران العسكرية في مياه الخليج العربي ومن خلال مناوراتها العسكرية وتجارب الصواريخ الجديدة والتهديد بضرب إسرائيل والمصالح الأمريكية وإحراق كل آبار البترول في حالة وجود أي رد فعل أمريكي؟!!..فهل ستشمل هذه المبادرات ضمنا تطبيعا للعلاقة مع إيران ليتسنى اتخاذ قرار استراتيجي واحد يشمل جميع الأطراف؟..ولكن الغريب أيضا انك تستنتج فورا بعد كل الذي قلناه : " إن وضع موعد أخير لسحب القوات الأميركية من العراق هو الطريق المؤكد لتقويض هذه الاحتمالات المأمولة. وسوف يشجع الجماعات الداخلية التي لحقت بها هزائم كبرى إلى العمل تحت السطح حتى يصبح الوضع ملائما لعودتها مجددا مع رحيل القوات الأميركية. وسيصبح لدى القاعدة موعد نهائي تخطط من أجله عودة عملياتها على مستوى واسع. وسيمنح فرصة لإيران لتقوية مؤيديها في المجتمع الشيعي خلال فترة من الوقت بعد الانسحاب الأميركي. إن وضع موعد نهائي ثابت سيبدد الجهود التي نحتاجها في المرحلة الدبلوماسية الأخيرة. وتضاعف التــــناقضات المتأصلة في الانسحاب المقترح من الصعوبات"..ثم تستنتج أيضا:" أن الانسحاب من العراق غير ضروري لإرسال قوات للقيام بعمليات في أفغانستان. فلا داعي للمخاطرة بالجهود المبذولة في العراق من أجل إرسال فرقتين أو ثلاث إلى أفغانستان (وهي الأرقام التي يتحدثون عنها)، وهو ما سيكون متاحا حتى إذا لم يكن هناك موعد نهائي للانسحاب. "..

 

وهذا يوضح الغاية من المراوغة بعدم الاعتراف بالهزيمة من خلال تعظيم فرصة استثمار ( القوى المضادة للمشروع الأمريكي) لإعلان جدول للانسحاب باعتبار إن الإعلان عن ذلك هو اعتراف أمريكي بالهزيمة وستكون هذه الخطوة بمثابة إحياء لكل الخلايا والتيارات التي يتوقع الأمريكان انه تم القضاء عليها وسيتم الاستعاضة عن هذه الجدولة بمناقشة شروط الانسحاب بدلا من توقيتاته  في إشارة واضحة للتخبط الفكري والعملياتي الناتج من عدم الإفصاح عن الأهداف الحقيقية لمن خطط ونفذ للعدوان واحتلال العراق ..

 

فمن غير المنطقي أن نتخذ موقفا من فعل لم ولن نفهم دوافعه!..

 

إن القوات العسكرية الأمريكية في الأرض العراقية تنفذ السياسة الأمريكية وكأي قوة عسكرية تلتزم بتطبيق توجيهات قيادتها من خلال قيامها بالمهمات التي توكل إليها وهي غير معنية بمناقشة دهاليز السياسة وأساليبها..  

 

والضابط والجندي الأمريكي المنضبط في الميدان سينفذ هذه الأوامر اليوم وغدا ولكن بعد خمس سنوات سيبدأ يتساءل مع نفسه وهو هدف دائم للقتل يوميا وفي كل خطوة يخطيها:

 

- ما هو هدف وجودي في العراق ؟..

 

- وإذا كان وجودي لكل هذه الفترة وتضحياتي في العراق  تخدم الولايات المتحدة فما هي الفائدة التي ستجنيها بلدي من ذلك وما هي الفوائد التي جنتها ونحن ندخل في السنة السادسة من حرب لم نكسب فيها هدفا في الصباح إلا وخسرناه في المساء وتضيق بنا اليوم الأزقة والمسارات بعد أن كانت كلها لنا في بداية دخولنا؟..

 

- هل كان الذي فعلناه هو من اجل حماية أطفالنا وعوائلنا من خطر حصول القاعدة على أسلحة الدمار الشامل التي ادعينا بامتلاك النظام العراقي لها وثبت بطلانها؟..

 

- أم من اجل معاقبة شعب تخيلنا واختلقنا عذرا لتعاون حكومته مع القاعدة والذي ثبت بطلانه أيضا وعلى يد مخابراتنا وباعترافها؟..

 

- وهل إن ما نعانيه هنا في العراق كان وسيستمر من اجل إشاعة الديمقراطية في هذا البلد؟..

 

- وهل هذه هي الديمقراطية التي نريدها والتي جعلت إيران تحتل العراق ونحن على أرضه ونسيطر على مياهه وسماءه؟..

 

- وإذا كان وجودنا هنا مطلوب منه أن يكون دائميا من اجل إسرائيل والنفط !.. وخروجنا من هذا البلد مرهون بهزيمتنا في السياسة وبخسارتنا في الميدان..وليس باختياراتنا !..

 

فلماذا تتحدثون إذا عن استراتيجيات الانسحاب ؟

 

 

 

كيفية طباعة المقال

 

شبكة المنصور

الاثنين / ١٦ شعبان ١٤٢٩ هـ

***

 الموافق ١٨ أب / ٢٠٠٨ م