الرئيسية

من نحن

للاتصال بنا

إبحث في شبكة المنصور

 

 

 

 

 

الفساد المالي والإداري من ثمار الديمقراطية الأمريكية في العراق الجديد

﴿ الحلقة الاولى ﴾

 

 

شبكة المنصور

علي الكاش / كاتب ومفكر عراقي

 

يحكى أن احد الأمراء ذكر لأحد الأباطرة (يعتقد انه الاسكندر المقدوني) بأن الفساد قد استشرى في مفاصل الإمبراطورية, فسأله الإمبراطور وهل وصل إلى التعليم والقضاء, فأجاب الأمير :- كلا لم يصلا بعد, عندئذ أجابه الإمبراطور:-

إذن مازلنا في خير. فما بالك في دولة غطى الفساد كل مفاصلها بما فيها القضاء والتعليم. والأكثر خطورة في هذا الفساد كما يحدنا رئيس لجنة النزاهة السابق راضي الراضي" لقد تسربت الأموال المخصصة لمصالح الدولة كالأمن العام والصحة والتربية والتعليم والبنى التحتية إلى جيوب فاسدة مولت بها عمليات إرهابية"!


الفساد المالي والإداري يتشعب إلى العديد من المظاهر التي تنتشر كالسرطان مخلفة ورائها الموت والدمار ومن أشكاله السرقة والاختلاس والرشوة والتزوير والتضحية بالمصالحة العامة على حساب المصالح الشخصية والتهريب والتخريب والتهرب من تنفيذ القوانين أو التغاضي عن المفسدين لأسباب مختلفة وسوء الإدارة وتغليب العلاقات الشخصية و التعيين على أساس القرابة ومنح العقود لمن لا يستحقها أو عقد عقود وهمية, والمبالغة في النفقات, وهدر المال العام وطمس الحقائق وحجب المعلومات بسبب بالمحسوبية والمنسوبية والتلاعب بأموال الدولة والاحتكار أو لجم المنافسة الشريفة وغيرها من المظاهر.


انتشر الفساد الإداري والمالي في العراق منذ دنست أقدام الغزاة أرض العراق الطاهرة وبدأت تنفث سمومها داخل كل مفاصل الدولة العراقية بعد أن دمرت وزاراتها ومؤسستها ومصانعها ومزارعها وسرقت ثرواتها وشلت كل قطاعاتها الاقتصادية والخدمية والإنسانية, وفتحت أبواب مؤسسات الدولة والبنوك للمواطنين لقطاع الطرق والعصابات الإجرامية لتسرق المال العام دون أن تعي بأن هذه الأموال لا تخصهم فحسب وإنما هي العراقيين جميعاً وهي ليست تركة من النظام السابق إلى قوات الاحتلال وإتباعها فهي ملك الشعب والشعب وحده.


مع بداية الغزو الأمريكي للعراق يتحدث تقرير نشر في مجلة ريفيو الهولندية عم مبلغ(12) مليار تم العثور عليها في صناديق خشبية مغلقة داخل مؤسسات الحكومة العراقية والقصور الرئاسية وتم شحنها بطريقة خفية إلى واشنطن في اكبر سرقة يقوم بها الجيش الأمريكي في التأريخ.


مع تسلم بول بريمر مهمته كمندوب غير سامي للعراق, بدأت مظاهر الفساد الإداري تستشري من خلال الأخذ بنظام المحاصصة الطائفية وهو مبدأ يتناقض مع شعار" الشخص المناسب في المكان المناسب" فوزعت الوزارات ومؤسسات الدولة على حفنة من العملاء لا يربطهم بالعراق سوى خيوط ضعيفة أوهى من خيوط العنكبوت, وتم الاستغناء عن الكفاءات والخبرات العراقية المتراكمة بحل بعض الوزارات والهيئات وتغيير رؤسائها وكوادرها وخبرائها تحت يافطة قانون " اجتثاث البعث" سيء الصيت والذي تزعمه لص البتراء الجلبي. وقد اختفى مبلغ (8,8) مليار دولار في عهد بريمر المظلم وتبين انه فقد ما بين نهب الاحتلال وحكومة الذل عن طريق صرفه كرواتب ومخصصات للوزارات العراقية, وتشير مجلة تريفيو بأن إحدى الوزارات العراقية ادعت استخدام (8206) حارس لحمايتها وتبين بعدها أن عدد الحراس الحقيقي (602) حارس فقط, كما تم العثور على (200) مليون دولار في إحدى القصور الرئاسية نهبها الجنود الأمريكان.


من أشكال الفساد المالي والإداري لقوات الاحتلال هو عمليات بيع المشاريع من شركة لأخرى لقاء عمولات قد تصل نسبتها إلى نصف قيمة المشاريع المزمع إقامتها, ومعظمها مشاريع أمريكية ومن المعروف إن المناطق الملتهبة لا تصلح للاستثمار حيث يصف الاقتصاديون رأس المال بأنه جبان لا يجرؤ على الدخول إلى المناطق الحمراء, وهذه حقيقة اقتصادية لا يمكن إنكارها, ومع هذا فأن الشركات الأمريكية تتكالب على الاستثمار في العراق! لسبب بسيط هو أمكانية إقامة تحقيق أرباح خيالية منها أو إقامتها خارج المواصفات المطلوبة أو إنهاء جزء وترك الباقي, سيما أن معظم العقود خلت من ضوابط مشددة تجاه الشركات التي تتقاعس أو تنفذ المشاريع خارج المواصفات المطلوبة كما سنلاحظ لاحقا. فالرجل المقرب من الرئيس الأمريكي جورج بوش( جيم اوبراين ) المسئول عن العقود وعن تعيين الموظفين الذاهبين إلى العراق وهو مسئول كذلك عن تعيين رجال الشركات الأمنية يتساءل " لماذا نرسل الرجال الأكفاء إلى العراق إذا كنا تستطيع إرسال شباب ذوي دون خبرة اقتصادية إلى العراق لزرع الأوهام هناك".


يحدثنا(بارتاب جانتيري) وهو من فرق ملاحقة الفساد عمل طويلا في منطقة الشرق الأوسط في كتابه (بونانزا بغداد) بأن شركة ( بارسونس) الأمريكية حصلت على عقد لإنشاء معسكر لإطفاء الحرائق في قضاء عينكاوة وهو مشروع غريب لم تكن هناك حاجة ماسة إليه رغم أن كلفته عشرات الملايين من الدولارات, وباعت الشركة المقاولة إلى شركة أخرى, وهذه الأخرى باعت المقاولة إلى شركة عراقية, وبعد (18) شهرا, كان في المعسكر حفرة كبيرة وجدران متباعدة مبنية بطريقة مضحكة " تحتوي على فتحات تتخللها الكلاب والقطط" بسهولة! كما حصلت شركة( كوستر باتلس) على عقد لتأمين حماية مطار بغداد بمئات الملايين من الدولارات بغية شراء أجهزة كاشفة للمفجرات وكلاب مدربة على كشفها, ويعلق الكولونيل( ريتشارد بالرد) كبير مفتشي الجيش الأمريكي بأن الأجهزة لم تشترى بالطبع, وفي النهاية " تمكنت أن أرى كلبا واحدا فقط وتبين لي في النهاية انه كلب عادي وغير مدرب وفي وقت اختباره خلد للنوم أمام العربة التي من المفترض إنها مليئة بالمتفجرات". ومن المصائب الكبرى أن يتم حرق عجلة بسبب عدم وجود مفتاح لفل لوالب الإطارات, ويذكر ريتشارد مورفي بأن العجلات لتي زودتها شركة(كيلوغ براون روت) للدوريات لم ينص العقد على تزويد الجهة المستوردة بهذه المفاتيح وبسبب حصول ثقب في احد الإطارات لم يتمكن الجنود من إستبدال فأضرموا النيران في العجلة! ومن البلايا أن إحدى الشركات الأمريكية دفنت(25000) كغم من المسامير الحديدية في الصحراء الغربية لأن نوعيتها رديئة, وعند ملاحقة صاحب الشركة قضائيا أكد بأن شركته لم تسرق شيئا وان ما حصل كان بعلم الحكومة الأمريكية وموافقتها!


في مكان آخر يحدثنا الكتاب عن مقاولة لناء مستشفى في البصرة متخصص لمن عانون من ضيق التنفس والربو بمبل(50) مليون دولار, حصلت عليه شركة بيكتل, وارتفع التكلفة تحت حجج واهية الى(169) مليون دولار, وبعدة مدة تركت الشركة العمل ولم يكتمل بعد بناء المستشفى ولم تزود المستشفى بسرير واحد بحجة انتهاء مدة العقد! كما أن شركة بلاك ووتر الأمنية حصلت على أكثر من مليار دولار بعقود مع الجهات العراقية بالرغم من أنها مسئولة عن (200) حادث إطلاق نار, منها قتل(17) عراقي مدني في منطقة الكرادة نتيجة خطأ, وقنص أحد أفراد حماية نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي.


كما كشف تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية أجري بعد عمليات تدقيق ومراجعة للحسابات عن أن "مبالغ مالية تفوق قيمتها 8 مليارات دولار صرفت للمتعاقدين الأمريكيين والعراقيين دون الالتزام بالقوانين الفيدرالية المتعلقة بمحاربة التدليس" ووجدت عملية التدقيق الحسابي مثلاً أن شركة أمريكية حصلت على 11 مليون دولار دون أي سجل بالمواد والخدمات التي وفرتها في المقابل. كما كشف التقرير عن منح ما قيمته 320 مليون دولار بالعملة العراقية لموظف عراقي في شكل راتب شهري.


واستمر مسلسل النهب والسلب من الغزو لحد هذه اللحظة, ويشير التقرير السنوي لمنظمة الشفافية العالمية لعام 2007 بأن العراق يأتي في المرتبة الثالثة من بين (60) دولة على المستوى العالمي بسبب الفساد المالي والإداري الذي تجاوز(18) مليار دولار منذ الغزو, إلى جانب هاييتي وبورما, وتعتبر هذه النتيجة بحق من أكبر منجزات قوات الاحتلال وحكوماته المتعاقبة في العراق, باعتراف بوتس بوليكين مدير مكتب المحاسبة والشفافية الأمريكي الذي وصف العراق بأنه " أحد أكثر بلدان العالم فسادا في العالم". كما اعترف نائب رئيس الوزراء العراقي برهم صالح بأن" الفساد الإداري الذي تواجهه الحكومة هو التحدي الأكبر والخطير الذي يهدد الجميع" معزيا انتشاره بسبب التجاذبات السياسية والانقسامات الطائفية التي وفرت مرتعا خصبا لتثبيت المحاصصة والمحسوبية الحزبية وتسييس ملفات الفساد.


قال السيناتوران بايرون دروغان وشيلدون وايتهاوس" إن مدى الفساد في الحكومة العراقية صاعق. وشددا على وجوب أن يحقق مكتب ليفي في وجود حسابات مصرفية خارج العراق لمسئولين عراقيين ربما تكشف عن حصولهم على أموال بطريقة غير شرعية.


يبدو أن الفساد المالي والإداري هو القاسم المشترك بين حكومتي الاحتلال وربيبتها الحكومة العراقية, وهو أيضا القاسم المشترك بين مجلس النواب وجميع الوزارات والمؤسسات الحكومية ولا تخلو وزارة منه, وقد نقل عن رئيس هيئة النزاهة بأن الموقف من قضايا الفساد لغاية 14/11/2006 هو (14) قضية تعود إلى وزراء ونواب ممن صدر بحقهم أمر قبض أو استقدام و(43) قضية تخص وكلاء وزارات ومستشارين و(40) قضية تخص ومدراء عاميين ناهيك عن(300) قضية تخص بقية الموظفين.


ومن المفيد الإشارة إلى هوامش بسيطة عن هذا الوباء المستشري في العراق الجديد, رغم مرارة الحديث وصعوبة العثور على تفاصيل دقيقة بشأن حجم الفساد وقيمته المادية بسبب تعمد إخفاء المعلومات من قبل قوات الاحتلال والمسئولين العراقيين من جهة, علاوة على حمايتهم للمفسدين من جهة ثانية, فالقانون رقم (117) الذي سنه بريمر عام 2003 أعطى حصانة شاذة للمسئولين الأمريكان وقواتهم العسكرية والمدنيين من ملاحقة القضاء العراقي عن الجرائم التي يرتكبوها داخل العراق, كما أن المادة (136) من الدستور العراقي المسخ تنص على عدم إحالة المتهم إلى المحاكم إلا بموافقة المرجع أي الوزير المختص. ولا يحال الوزير إلا بموافقة رئيس الوزراء, ولم تعالج المادة فقرة فيما إذا كان الوزير نفسه متورطا في الفساد! وهل سيسمح على سبيل المثال بفتح تحقيق أو إحالة شريكه المتهم إلى المحاكم ! وكيف سيكون الموقف إذا كان رئيس الوزراء نفسه يحمي أو يتستر على وزرائه وأقاربه وهنا يظهر العجز في حل المشكلة الأبدية وهي " كيف نمسك برأس الشليلة" . فقد جاء في تقرير أمريكي سربته السفارة الأمريكية حمل عنوان" مسودة عمل" بأن " المالكي ومكتبه يتعامل بعدائية مع فكرة تأسيس وكالة مستقلة للتحقيق في حالات الفساد المالي والإداري في البلاد". كما جاء في تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية بأن " الفساد في العراق مشكلة مستوطنة وفتاكة", ومن الجدير بالذكر إن قيمة الأموال التي أهدرت بسبب هذه المادة المريعة تبلغ سبعين مليار دينار عراقي أي (55 مليون دولار) كما أفصح راضي الراضي رئيس لجنة النزاهة.


وفي تصريح للراضي ذكر بأن القيمة التقديرية للمبالغ المهدورة بسبب الفساد المالي والإداري بلغت منذ الغزو ولما قبل نهاية العام الماضي(18) مليار دولار." لقد نجحنا في التحقيق بأكثر من 3000 قضية للفساد وإحالتها إلى المحاكم للفصل فيها، ووفقا لسجلات المفوضية فإن 241 فقط حالة تم الفصل فيها حتى الآن". وأضاف خلال جلسة الاستماع الثانية له أمام الكونغرس الأمريكي :"ان تكلفة الفساد التي كشفت عنها اللجنة حتى الآن عبر جميع الوزارات في العراق ، قُدرت بحوالي( 18) مليار دولار وتقف على رأسها وزارة الدفاع حيث بلغ حجم الفساد( 5) مليارات دولار، ثم التجارة( 3) مليارات، فالكهرباء( 3( مليارات، تليها النقل(2) ملياري دولار، فالصحة(2) ملياري دولار تليها الداخلية(1) مليار دولار فالاتصالات( مليار) دولار فالإسكان (1)مليار دولار ، ثم المالية( 500) مليون دولار والنفط(500) مليون دولار.


وأكد الراضي أن تلك البيانات لم تستوعب قضايا الفساد جميعها فهناك قضايا كثيرة لم يتم إدراجها لأسباب متعددة منها عدم اكتمال الأدلة و اختفاء الملفات, كما أن التقرير لا يعكس حجم الفساد الحقيقي في وزارة النفط.
أما نائب رئيس هيئة النزاهة القاضي موسى فرج فأن يعرض الموضوع بطريقة أشد خطورة فقد أكد بأن قيمة الفساد المالي والإداري بلغت(250) بليون دولار, وان قيمة النفط المهرب تتجاوز(45) بليون دولار لحساب ميليشيات شيعية في الجنوب, واعتبر الأمانة العامة لمجلس الوزراء هي البؤرة الأخطر للفساد,بعد إلغاء اللجنة الاقتصادية التي كان يترأسها نائب رئيس الوزراء وتم نقل صلاحياتها إلى الأمانة العامة,وتليها وزارة الدفاع.


مع تسلم بريمر مسئوليته في العراق اختفى مبلغ يعادل (11) مليار دولار وهو مايعادل ميزانية عدة دول في إفريقيا أو مجموعة دول المنطقة العربية وقد تسربت أنباء بان المبلغ المذكور تقاسمه بريمر مع لص البتراء الشهير احمد الجلبي وبقية عصابة مجلس الحكم, من العجائب أن هذه السرقات لم تقتصر على العراق فحسب بل تعدته إلى مخصصات دولة الاحتلال في العراق أيضا, فقد ذكر ستيوارت برين المفتش العام لإعادة أعمار العراق بأنه على الرغم من تخصيص مبلغ(100) مليار دولار من إيرادات دافعي الضرائب الأمريكية مضافا إليه إيراد نفط العراق المخصصة لأعمار فأن النتيجة تعتبر لا شيء ؟

 

 

 

كيفية طباعة المقال

 

شبكة المنصور

الجمعة  / ٢٦ رمضــان ١٤٢٩ هـ

***

 الموافق ٢٦ / أيلول / ٢٠٠٨ م