سواء فاز ماكين أو أوباما .. سيرحل بوش ..
أسابيع قليلة ونشهد نهاية حقبة حكم رئيس كاذب وقاتل ومجرم ..
لعنة العراق تلاحقهم ..
لويس ليبي .. "الدراجة" ..  مزور محترف لأدلة كاذبة ضد العراق .. لعنة! .. أم كبش فداء ..

﴿ الحلقة الخامسة ﴾

 

 

شبكة المنصور

الدكتور محمود عزام

 

يشترك  كل من دوغلاس فايث والمستشار  ريتشارد بيرل  وشخص آخر هو  لويس ليبي  مدير مكتب نائب الرئيس  ديك تشيني  ونائب الرئيس نفسه بقاسم مشترك واحد بينهم وهو تأثيرهم ونفوذهم العظيمان داخل البيت الأبيض..بإلاضافة الى ظاهرة عدم ظهورهم الإعلامي أو محدودية مسئوليتهم أمام الجمهور. ولويس ليبي احد اهم المسؤولين الذين خططوا لغزو العراق في ربيع 2003. .ولأنه كان يؤثر عدم الظهور للإعلام فقد أصابه ذلك حال خروجه عنه ( وبفعل قضية العراق! ) بمقتل أطاح به وبمصداقية إدارة المحافظين الجدد الذين سحبوا الولايات المتحدة الى الهاوية التي لم يعد  ينفع معها شيء وحتى الإنسحاب من العراق!..

 

وفي كتابه "خطة الهجوم" يقول الصحفي بوب وودورد أن مدير مكتب ديك تشيني لويس ليبي قدم خلال التحضير لحرب العراق وثيقة الى مسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية تشير الى توفر أدلة بوجود أسلحة دمار شامل واتصالات محتملة بين مسؤولين عراقيين وأحد زعماء مخططي هجمات 11 سبتمبر ايلول 2001..وكانت هذه الوثيقة واحدة من الوثائق المعتمدة لإتخاذ قرار شن الحرب على العراق.

 

عُرف ليبي منذ طفولته باسم 'سكوتر' ("Scooter") أي الدراجة نظراً إلى طاقته الكبيرة وهو من مواليد 22 آب 1950 وحصل على شهادة في القانون من جامعة كولومبيا عام1975. عمل محامياً قبل الالتحاق بالعمل الحكومي الفيدرالي عام 1981 عندما التحق بوزارة الخارجية وقد عمل مستشاراً قانونياً للكونغرس فيما يتعلق بالشؤون العسكرية وخلال رئاسة جرج بوش الأب عمل بوزارة الدفاع في القضايا الاستراتيجية ثم تم تعيينه وكيلاً لوزارة الدفاع للشئون السياسية ثمعمل كمدير مكتب نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني من عام 2001 الى عام 2005  حيث أستقال بعد فضيحة تسريب المعلومات التى أتهم فيها بعرقلة التحقيق.

 

لويس ليبي كان قوة هادئة ومؤثرة في تشكيل سياسات ادارة الرئيس جورج بوش وساعد في التهيئة لغزو العراق و يتمتع ليبي بحنكة الباحثين والنهج التحليلي الذي اكتسبه خلال عمله محاميا.وبينما قضى ساعات طوال في مكتبه بالمبنى المجاور للجناح الغربي في البيت الأبيض ادخل ليبي نفسه في مواضيع مثل مكافحة الإرهاب والدفاع ضد الأسلحة البيولوجية والطاقة.


ويشارك ليبي نائب الرئيس الأمريكي افكاره المتشددة بخصوص الأمن القومي وولعه بالعمل من وراء الكواليس.كما يعرف عن ليبي احجامه عن التحدث الى الصحف الا إن أحاديثه الخاصة مع الصحفيين جذبت إهتمام باتريك فيتزجيرالد المحقق البارز في تسريب هوية عميلة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي ايه) فاليري بليم. وقبل ان يعمل مع تشيني كان ليبي شريكا في إدارة شركة القانون الدولي (ديشيرت..برايس آند رودز).ومن بين أبرز عملاء ليبي إثارة للجدل مارك ريتش رجل المال الثري والهارب الذي أصدر الرئيس بيل كلينتون عفوا عنه في عام 2001.

 

وقضى ليبي سنوات طويلة مع خليته لجمع الأدلة الكاذبة عن العراق وقيادته وبرامجه وبعد أن غزت الولايات المتحدة الأمريكية العراق في آذار 2003 إحتفل المجرمون بنجاح مسعاهم ولم تدم مدة النشوة طويلا فسرعان ما إكتشف كل من شارك بالجريمة انه سحب بلده عنوة الى مستنقع لن تنتهي آثاره بالإنسحاب او حتى بالإعتراف بالهزيمة بل هو عار أبدي ولعنة متوارثة ..بعد أشهر قليلة مرت على العدوان على العراق وبالتحديد في تموز من نفس العام إتهم الدبلوماسي جوزيف ويلسون إدارة بوش الصغير  بالكذب بشأن محاولة العراق  شراءاليورانيوم من النيجر وما أشيع عن هذا الموضوع من ضجة واكاذيب والذي شكل إحدى أبرز الحجج لتبرير اجتياح وغزو وتدميرالعراق وإحتلاله !..

وكشفت الصحف حينها أن زوجة ويلسون فاليري بليم هي عميلة لدى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA !. وقامت الإدارة الأمريكية بترويج وإطلاق الشائعات وتسريبها على مدى أشهر الى شهر أيلول حيث إعترف مساعد وزير الخارجية السابق ريتشارد أرميتاج بأنه كان وراء تسريب هذه المعلومات السرية جدا للصحف  مشيراً إلى أنه قام بذلك عن غير قصد. وتم إتهام مجرم آخر هو كارل روف أحد أبرز مستشاري بوش بأنه المصدر الثاني للتسريب. وأتهم الدبلوماسي جوزيف ويلسون زوج بليم ادارة بوش بتسريب اسم زوجته للنيل من سمعته لاتهامه الادارة بلي معلومات المخابرات لتبرير غزو العراق وذلك في مقال رأي بصحيفة نيويورك تايمز في السادس من يوليو تموز 2003. وقال ويلسون انه يعتقد ان ليبي ربما كان جزءا من حملة للبيت الأبيض بهدف "تشويه سمعته".

 

خلال التحقيق قال ليبي بعد أن أدى قسم اليمين إنه أبدى إعجابه حين علم بهوية فاليري بليم  في تموز 2003  في حين إن الادعاء قال إنه ناقش هذا الموضوع مع تسعة أشخاص على الأقل طوال الشهر الذي سبق. لكن باتريك فيتزجيرالد القائد الرئيس في لجنة التحقيق في فضيحة التسريب أكد أنه لن تتم ملاحقة أحد عن التسريب. وتمت ملاحقة ليبي فقط لأنه قام خلال التحقيق بالكذب بشأن حديثه مع ثلاثة صحافيين في تموز 2003..وفي 28 أكتوبر 2005 بعد تحقيق إستمر قرابة عامين وجهت الى لويس ليبي في 28 تشرين أول 2005 رسمياً تهم بشأن تسريب معلومات تخص عميلة لدى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA  وإستقال على أثرها من منصبه في مكتب نائب الرئيس ديك تشيني مباشرة وقد قبلت استقالته على الفور.

 

في آخر جلسة تم الحكم عليه في يوم 5 تموز 2007  بالسجن سنتين ونصف السنة ودفع غرامة قدرها 250 ألف دولار بتهمة الإدلاء بشهادة كاذبة وعرقلة عمل القضاء في إطار فضيحة سياسية إعلامية مرتبطة بالحرب على العراق.

وقضية الفضيحة وليبي تبدو وكانها لعنة اكثر من كونها عملية مساومة أصبح ليبي فيها كبش الفداء ..وهذه القضية بدأت تفاصيلها في شباط من عام 2002 عندما توجه السفير الأمريكي جوزيف ويلسون إلى النيجر بتكليف من وكالة المخابرات الأمريكية CIA  للتأكد من تقرير إستخباراتي يزعم بقيام النيجر ببيع كميات من اليورانيوم للعراق في أواخر التسعينات لاستخدامها في إنتاج أسلحة نووية. وهو الإدعاء الذي ذكره بوش الصغير في كانون ثاني عام 2003 في خطاب "حالة الاتحاد" دون أن يشير إلى وجود تقرير ينفي وجود هذه الصفقة. وفي منتصف عام 2003 نشرت صحيفتا  نيويورك تايمز وواشنطن بوست مجموعة من التقارير الصحفية  تناولت  فيها مهمة السفير ويلسون إلى النيجر دون ذكر اسمه.. وبدوره بعث السفير ويلسون بإفادة إلى صحيفة نيويورك تايمز نشرت في يوم  6 تموز 2003  شكك فيها من إدعاء إدارة بوش بوجود صفقة اليورانيوم وأعرب فيها عن اعتقاده بأن إدارة بوش قد تلاعبت بمعلومات إمتلاك أسلحة دمار شامل لكي تبرر حربها على العراق!.

 

وفي يوم 14 من نفس الشهر كشف الكاتب روبرت  نوفاك ولأول مرة عن اسم عميلة الـ CIA فاليري بليم  زوجة السفير ويلسون!..  وذكر نوفاك في عموده الصحفي أن إثنين من كبار المسئولين في إدارة بوش هما مصدر معلوماته. وبعد ثلاثة أيام من نشر مقال نوفاك كتب الصحفي ماثيو كوبر في مجلة تايم أن مسئولين حكوميين قد زودوه بإسم زوجة السفير ويلسون بصفتها مراقبة لبرنامج أسلحة الدمار الشامل في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

 

وفي يوم 7 تشرين اول  من عام الغزو 2003 أخبر المتحدث بإسم البيت الأبيض سكوت مكليلان الصحفيين بأنه تلقى تأكيدات من كبير مستشاري بوش كارل روف ومستشار نائب الرئيس لويس ليبي بأنهما لم يقوما بأي دور في عملية التسريب. وفي يوم 29 من نفس الشهر أخبرت وزارة العدل البيت الأبيض بأن تحقيقا حول إحتمال قيام البعض بكشف هوية عميلة في وكالة المخابرات  الأمريكية بصورة غير شرعية. وفي اليوم التالي نفى الرئيس بوش أمام الصحفيين علمه بتورط أي مسئول في إدارته بتسريب أي معلومات سرية  وتعهد باتخاذ رد الفعل الملائم  تجاه أي فرد في الإدارة يثبت إدانته.وفي 30 من شهر كانون اول  عام 2003 عين باتريك فيتزجيرالد محققا في القضية لتوضيح إذا ما كانت عملية التسريب قد إنتهكت القانون بصفتها جريمة كشف هوية شخص معروف للمسربين سلفا بسرية عمله وهويته. وتواصلت الاستجوابات والتحقيقات طوال العام 2004 وكان من بين المستجوبين الرئيس بوش نفسه ونائبه تشيني. وكانت البداية الحقيقية لتفاعل فضيحة التسريب في يوم 6 من تموز 2005 عندما أصدر القاضي توماس هوغان حكما  بسجن  كاتبة نيويورك تايمز جوديث ميلر لرفضها الكشف عن مصدر معلوماتها. وفي المقابل إنصاع كاتب مجلة تايم  ماثيو كوبر لقرار المحكمة بالكشف عن مصدر معلوماته  في قضية التسريب بعد أن حصل على تصريح من مصدر المعلومات.  وأعلن كوبر بعد ذلك في مقابلة مع شبكة أخبار NBC  أن  كارل روف كبير مستشاري الرئيس بو ش هو مصدر معلوماته فيما يتعلق بهوية فاليري بليم.

 

وضع إدلاء الصحفي كوبر بهذه المعلومات أمام المحكمة ووسائل الإعلام البيت الأبيض في موقف لا يحسد عليه خاصة وأن قادة الديمقراطيين قاموا بحملة هجوم شرسة علي كارل روف وطالبوا الرئيس بوش بفصل روف من منصبه بل أن كثيرا من الجمهوريين رأوا أن القضية تمس البعد الأخلاقي وليس السياسي ولذلك طالبوا بوش بأخذ نتائج التحقيقات بجدية ومعاقبة أي شخص يثبت تورطه في هذه الفضيحة. وتم إستدعاء روف للإدلاء بشهادته مرة أخرى أمام هيئة المحلفين في يوم  15 من تموز. وفي الوقت الذي إلتزم البيت الأبيض الصمت ورفض المتحدث باسمه سكوت مكليلان التعليق على أسئلة الصحفيين فيما يتعلق بالقضية شغلت الإتهامات الموجهة لروف الرأي العام الأمريكي على نطاق واسع حيث احتلت القضية مساحات كبيرة من الصحف اليومية والبرامج الإخبارية الحوارية في شبكات الإذاعة والتلفزيون.وبعد ما يقرب من ثلاثة أشهر وراء القضبان  تم الإفراج  في يوم 29 من أيلول 2005 عن كاتبة نيويورك تايمز جوديث ميلر بعد أن وافقت على الإدلاء بشهادتها أمام هيئة المحلفين والكشف عن مصدر معلوماتها. واتضح فيما بعد أنه لويس ليبي مدير مكتب نائب الرئيس.

 

خلال شهر تشرين أول تم استدعاء كارل روف للإدلاء بشهادته أمام هيئة المحلفين  للمرة الرابعة. وبلغت حملة الهجوم ذروتها عندما إدعت صحيفة نيويورك تايمز بتورط ديك تشيني شخصيا في فضيحة التسريب وذلك إستنادا على ملاحظات حرص مدير مكتبه لويس ليبي على تدوينها تفيد بأن تشيني هو أول من كشف له عن هوية عميلة المخابرات !.

 

وحيث أن فضيحة وترغيت تعتبر من أشهر قضايا التسريبات الإعلامية في السياسة الأمريكية والتي فضحت بالأدلة التردي الأخلاقي لكل الإدارة الأمريكية بالقياس على ما نشر عن التسريبات الإعلامية في السياسة الأمريكية التي بدأت منذ إستقلال الدولة وأثناء حكم المؤسس جورج واشنطن وتوالت مع حكومات ورؤساء شتى  إلا أن أشهر قضايا التسريبات الإعلامية في تاريخ السياسة الأمريكية على الإطلاق تظل فضيحة وترغيت في عهد الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون. ففي عام 1972 تم إلقاء القبض على خمسة  أشخاص  كانوا ينصبون  أجهزة تنصت في مبنى مقر الحزب الديموقراطي بواشنطن المعروف باسم وترغيت.وأدت بعض التسريبات الإعلامية  آنذاك إلى صحافيين في واشنطن بوست عن علاقة المتهمين بالرئيس نيكسون وإعادة انتخابه إلى تشكيل مجلس الشيوخ لجنة للاستماع والتحقيق في أفعال وأنشطة الرئيس أثناء فترة حملته الانتخابية وهي ما أطلق عليها لجنة وترغيت. عقد مجلس الشيوخ الأمريكي أولى جلسات الاستماع حول الفضيحة في مارس عام 1973. وكشفت جلسات الاستماع والتحقيق عن تورط الرئيس نيكسون في الفضيحة، الأمر الذي أدى إلى اشتعال أزمة سياسية عنيفة انتهت باستقالته من منصبه بدلا من تحويله إلى المحاكمة عام 1974.وفي ظل أجواء الأزمة السياسية التي أثيرت حول موضوع صفقة النيجر الكاذبة وإفشاء سر عميلة للمخابرات وهي زوجة السفير الذي كشف كذب الإدارة الأمريكية  يحلو لبعض المعلقيين إطلاق اسم وترغيت الجديدة على فضيحة تسريب اسم عميلة الـCIA لوسائل الإعلام  ولكن الفرق هنا ان بوش لم ولن يستقيل كما فعل نيكسون!..تحت كذبة كبيرة انه حتى وإن فعل ذلك فهو يقوم بمهمة كلفه بها الله!!..

 

 وقد صدر حكم بالسجن والغرامة ضد لويس ليبي في حزيران 2007 الذي كان يعد أحد أقرب مساعدي نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني بل ربما ( حمل التهمة والعقوبة عنه وعن بوش!). وقد انتهت المحكمة إلى إدانة ليبي بالتهم الثلاث في قضية تسريب هوية بليم إنتقاما من زوجها السفير السابق جوزيف ويلسون الذي كشف عام 2003 كذب مزاعم الإدارة الأمريكية بحصول الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على اليورانيوم من النيجر لتصنيع أسلحة نووية.

 

وقال القاضي الفيدرالي ريجي والتون الذي حكم في القضية بمحكمة واشنطن الفدرالية  إن لويس ليبي المدير السابق لمكتب تشيني وجد مداناً بالحنث بالقسم حيث ادلى بمعلومات مضللة بعد القسم كما انه عرقل سير العدالة  لذلك حكم عليه بالسجن 30 شهراً وبأداء غرامة قدرها 250 الف دولار بعد انتهاء العقوبة. وقبل صدور الحكم قال ليبي مخاطباً القاضي في توسل واضح «انني آمل ان تأخذ المحكمة بعين الاعتبار  وكذلك هيئة المحلفين  سجل حياتي» لكن القاضي رفض إلتماسه.

 

وفي تموز 2007 أصدر الرئيس الأمريكي جورج بوش أمرا رئاسيا بالعفو الجزئي عن لويس سكوتر ليبي الرئيس السابق لمكتب نائب الرئيس ديك تشيني بما يعني إلغاء الحكم بالحبس لعامين ونصف العام مع الإبقاء على الغرامة التي أنزلت به وتبلغ 250 ألف دولار والخضوع للمراقبة لمدة عامين. وقد جاء ذلك بعد ساعات قليلة من رفض الاستئناف الذي تقدم به محامو ليبي لتأجيل تنفيذ الحكم بالسجن لعامين ونصف العام الصادر ضد موكلهم وساق التوضيح المرفق بالبيان الرئاسي عددا من الحيثيات التي دفعت الرئيس لاتخاذ هذا الإجراء وهو الأول له منذ رئاسته.

 

ومن ضمن هذه الحيثيات دفع العديد من المعارضين لإدانة ليبي بأنه لم يكن يجب تعيين محقق خاص للتحقيق في هذه القضية في إشارة إلى المحقق الفيدرالي باتريك فيتزجيرالد الذي عينته وزارة العدل للتحقيق في واقعة تسريب هوية عميلة المخابرات المركزية فاليري بليم والذي طالب في تقريره بإنزال هذه العقوبة على الأقل بليبي.

 

وأشار بوش إلى أن منتقدي الحكم رأوا أنه كان يجب وقف التحقيقات بعد أن تبين لوزارة العدل من الفاعل الحقيقي الذي قام بتسريب هوية بليم وذلك في إشارة إلى نائب وزير الخارجية الأسبق ريتشارد آرميتاج الذي اعترف بأنه أفصح عن هوية بليم للصحفي روبرت نوفاك ولكن دون قصد.

 

وقال الرئيس الأمريكي بوش إن هؤلاء المنتقدين أوضحوا أيضا أنه لم يكن يجب سجن سكوتر ليبي الرئيس السابق لمكتب نائب الرئيس ديك تشيني لأنه ولا أي شخص آخر أدينوا بانتهاك القانون الذي يحظر على أي مسؤول فيدرالي الكشف عن هوية أي عميل سري لدى أجهزة المخابرات الأمريكية وهي التهمة التي شكلت محور التحقيقات في القضية حيث أدين ليبي بتهم الحنث باليمين والإدلاء بشهادة كاذبة وعرقلة العدالة.

 

وأضاف بوش أنه مع احترامه لهيئة المحلفين التي انتهت إلى الحكم بسجن وتغريم ليبي فإنه يرى أن هذا الحكم مبالغ فيه وعليه فقد رأى أن يتدخل لتخفيفه بإلغاء الشق الخاص بسجنه والإبقاء على الشق المتعلق بالغرامة والمراقبة..وذكر بوش " إن تبعات هذا الحكم أنزلت بليبي عقوبة ستظل تلازمه بعد أن لطخت سمعته ودمرت تاريخه كرجل قانون ومحام وموظف عام وعانت أسرته كثيرا كما أنه سيظل تحت المراقبة إلى جانب الغرامة الكبيرة التي سيدفعها".

 

كانت الضغوط تصاعدت على بوش لاستخدام سلطة العفو الرئاسي عن ليبي بعد إصدار حكم السجن والغرامة عليه وجمع أنصاره ملايين الدولارات للدفاع عنه وشن حملة رأي عام من أجل الإفراج عنه وتتراوح جماعات الضغط هذه بين يهود وصهاينة إنبروا للدفاع عن أحد أبناء عقيدتهم وبين نشطاء رأوا أنه اتخذ ككبش فداء لإنقاذ المذنب الحقيقي وهو رئيسه تشيني.

 

وأرسل عددا من كبار المسؤولين الأمريكيين السابقين من بينهم وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر ووزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد وبعض القيادات العسكرية بالبنتاجون رسالة للقاضي مطالبين بتبرئة ساحته قبل الحكم عليه إلا أنها لم تجد لديه آذانا صاغية.

 

وفي قرار عفوه عن هذا المجرم الكاذب لم يكن بوش ليشك في الضجة التي سيثيرها لدى الديمقراطيين والجمهوريين بحمايته مجرما مدانا من السجن وهو المجرم الذي امتلك بلا شك القدرة على إحراج الإدراة الأميركية (إن لم يجعلها تزداد سوءا). غير أنه لأن معارضيه لم يمكنهم وقفه  فقد وقف بوش على باب السجن ليخرج ليبي!.. وذلك المثال له صلة وثيقة بالجدل والنقاش الذي يجرى دائما في الكونغرس بشأن العراق والمعنى الضمني الواضح في قرار العفو عن ليبي هو أنه ما لم يتمكن المعارضون من أن يجعلوا من غير مناسب سياسيا بالنسبة لبوش الحفاظ على الاتجاه الحالي في العراق فإن بوش من المحتمل أن يقاوم أي شيء يتجاوز التغيير التجميلي  بصرف النظر عن مدى تآكل دعمه وتأييده في الكونغرس وسائر الولايات المتحدة.

 

ولا أحد في الكونغرس يحتاج إلى دراسة والتفكير في تلك الرسالة أكثر من الجمهوريين غير المرتاحين لاستراتيجية بوش الخاصة بالعراق ولكنهم غير مستعدين للخلاف معه إزاءها.

 

ودرس ليبي هو أن الإجماع لا يهم كثيرا بالنسبة لبوش اليوم أكثر مما كان في أوجه وقمته. هو ما زال يستجيب للسلطة ولا جدال في ذلك فمشاهدة بوش وهو لا يبالي بغضب وحنق الديمقراطيين حيال ليبي ينبغي أن يكون واضحا للجميع وبضمنهم  الجمهوريين غير المرتاحين.

 

ومن المعروف ومن جانب آخر إن الخائن احمد الجلبي كان ولايزال متهما في الولايات المتحدة بأنه كان المصدر الأول لأغلب المعلومات "المفبركة" عن ترسانة الأسلحة العراقية المحظورة وأنه تمكن مع وكيل وزارة الدفاع السابق دوجلاس فايت ومدير طاقم تشيني السابق لويس ليبي من بناء شبكة لتقويم تلك المعلومات المفبركة. وقد ساعد في إنجاز هذه المهمة كثيرون من الإعلاميين مثل محررة نيويورك تايمز جوديث ميللر وصحف المحافظين الجدد ورجالهم في الإدارة.

 

وبينما بقي هذا الاتهام بالنسبة للجلبي في نطاق أجهزة الإعلام فإنه أدى إلى استقالة ليبي وسط تداعيات عمليات الترويج لمعلومات كاذبة ومحاولة إسكات من يحاولون تصحيحها مثل السفير السابق جوزيف ويلسون.

 

وقد أكد النائب الديمقراطي جون كونيرز ‏رئيس اللجنة القضائية في مجلس النواب الأمريكي‏  والمكلف بالتحقيق في العفو الذي أصدره الرئيس الأمريكي جورج بوش عن لويس ليبي كبير مساعدي نائبه ديك تشيني أن بوش قد يكون مدفوعا بالخوف من كشف ليبي أسماء شخصيات بارزة داخل صفوف الإدارة الأمريكية إذا دخل السجن‏.‏

 

وقال كونيرز إن الانطباع العام لدي اللجنة هو إصدار الرئيس بوش قرارا بتجنيب ليبي السجن لمدة سنتين ونصف السنة حتي لا يتكلم وذلك في إطار قضية كشف هوية عميلة المخابرات السابقة فاليري بليم..وأضاف النائب الديمقراطي أن العفو الرئاسي عن المسجونين يتم عادة بعد قضائهم فترة داخل السجن مشيرا إلي أن رفع عقوبة السجن عن ليبي يعد سابقة هي الأولي من نوعها‏.‏

 

وهكذا نرى وكأن الجميع يعرف بل ومقتنع من ان كل من بوش وتشيني هما اللذان يقفان وراء نشر إسم العميلة للإساءة الى زوجها السفير ويلسون الذي كشف كذبهم وزيفهم حول العراق بعد ان عاد من النيجر بمهمة التحقق من صحة معلومات إستخدمتها الإدارة الأمريكية كمبرر رئيسي لشن الحرب على العراق وأخبر المخابرات المركزية أن لا صحة لتلك الادعاءات إطلاقا. لكن الإدارة الأمريكية تجاهلت تقريره ومضت قدما في أكاذيبها حتى تاريخ الغزو. لكن يبدو أن البيت الأبيض كان يحضر للرد على ولسون حتى قبل أن ينشر مقالته في الصحف. وفي عرف المجتمع السياسي الأمريكي والقانون فإن هذا الفعل يعتبر خيانة عظمى بحق الأمن القومي للولايات المتحدة!.. وكان ليبى قد كشف عدة مرات عن أدلة تبين أن تشينى تولى القيام بتحرياته الخاصة عن جوزيف ويلسون قبل ذلك وبعده  وعلم بمهمة فاليرى ويلسون لدى السى آى إيه  وتقاسم المعلومات مع ليبي.. وكان تشينى على ما يبدو هو أول مسؤول بالبيت الأبيض يناقش الوضع الخاص لعمل فاليرى ويلسون. والشهادات والأدلة التي إستمعت إليها لجان التحقيق في القضية كشفت عن أنه بعد مضى أشهر ثلاثة على بداية حرب العراق وعندما لم يتم العثور عن أية أسلحة دمار شامل وأخذت الأوضاع فى العراق فى التدهور فإن نائب الرئيس أخذ على عاتقه أن يتصدى بنفسه لانتقادات جوزيف ويلسون ضد البيت الأبيض حتى قبل أن تخرج حكاية ويلسون إلى العلن. وقام تشيني نفسه بإرسال الصحافى والتر بنكوس من الـ"واشنطن بوست" إلى النيجر لغرض جمع معلومات عن مهمة ويلسون..بعدها أملى نقاطا للحديث على ليبي. ثم إن هذا الأخير سلم بنكوس خبرا نصف مقنع، مفاده: أن مساعدا لتشينى وليس نائب الرئيس هو من طالب بمزيد المعلومات الاستخبارية عن اتهام النيجر (ببيع يورانيوم للعراق) وذلك قبل عام من شن الحرب.


وبعد ما أحدثته افتتاحية ويلسون من ضجة فإن تشينى أصدر تعليماته إلى ليبى لكى يقوم بتسريب أجزاء منتقاة من تقديرات وكالة الأمن القومى عن أسلحة الدمار الشامل العراقية لتذهب إلى جوديت ميلر أثناء لقاء خاص لتناول إفطار الصباح بفندق سانت ريجيس، وذلك يوم 8 تموز 2003 وقد ذهب تشينى لمقابلة بوش للحصول على رفع السرية للتقديرات المذكورة من أجل هذا التسريب الخاص. وهذا الرفع التلقائى والتنفيذى للتصنيف "
والمعروف فقط لدى بوش وتشينى وليبي"، كان عمل غير مسبوق  مثلما ذكر ليبى لاحقا لهيئة المحلفين الكبرى. وبدلا من جعل كامل التقرير فى متناول وسائل الإعلام كافة فإن تشينى وليبى قررا العمل معا فى إنتقاء الأجزاء التى تدعم إستخدام الإدارة لاتهام النيجر وأن يتقاسما ذلك مع صحافى سبق له أن نقل أخبارا تؤيد إصرار الإدارة على أن عراق صدام كان عبارة عن مخزن لأسلحة الدمار الشامل. وهما لم يبلغا ميلر بان تقرير الاستخبارات القومية التقديرى كان يتضمن شكوى من النيجر ومن مسائل أخرى تتصل بأسلحة الدمار الشامل أو أن تشينى وليبى كانا قد تلقيا مؤخرا مذكرات من السى آى إيه تشير إلى أن مخابرات النيجر كانت مخترقة. وفى هذا الاجتماع فإن ليبى حسب ذكر جوديث ميلر أخبرها للمرة الثانية أن زوجة ويلسون كانت تعمل لدى السى آى إيه. وجوديث ميلر توقفت بعد ذلك عن الكتابة عن تقرير وكالة الأمن القومى وعن زوجة ويلسون. وحاول تشينى إلى إلقاء اللائمة على السى آى إيه عن مشاكل البيت الأبيض المتصلة بالنيجر..وهو بعمله كان يدور فى فقاعة من الهواء.. فهو كان يجهل حقيقة أن البيت الأبيض فى منتصف تموز 2003 كان قد أقر بأن السى آى إيه حذرت مرارا كتاب خطاب بوش ومجلس الأمن القومى إلى ضرورة حذف المزاعم المتعلقة بالنيجر من تصريحات بوش قبل خطابه عن حالة الاتحاد!..ورغم ذلك فقد ذكرها بسبب إلحاح تشيني وليبي!..

 

مع العرض أن مجلة إكزكتف إنتلجنس ريفيو أشارت منذ البداية إلى تورط ديك تشيني شخصيا ومساعده ليبي في الموضوع عبر ما يسمى "مجموعة العراق" وهي المجموعة المسؤولة أولا وآخرا عن التخطيط لغزو العراق وتنفيذه  وعمل كل شيء غير قانوني للوصول إلى ذلك الهدف. وتتألف من لويس ليبي (مستشار تشيني الأول) وكارل روف (مستشار بوش الرئيسي وصاحب نظرية العيش في خطر حتى يعاد انتخاب بوش مرة ثانية) بالإضافة إلى رئيس موظفي البيت الأبيض أندرو كارد ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس ونائبها ستيفن هادلي والمستشارة القانونية للبيت الأبيض كارين هيوز ونصف دزينة من موظفي البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي.

 

وهكذا سقط لويس ليبي مدير مكتب نائب الرئيس ديك تشيني وأحد أهم عتاة المحافظين الجدد  ومن قاد حملة تصنيف وجمع وترتيب وصياغة وعرض أدلة كاذبة بشان حيازة العراق لأسلحة الدمار الشامل والعلاقة مع القاعدة ..

سقط ولم ياتفت إليه أحد وهو واحد من الذين كانوا مهتمين بجمع أدلة وصياغة معلومات تبرر هجوم أمريكي على سورية!!..  

 

وفي الوقت الذي قد ثبت أيضا أن مستشار الرئيس بوش الأول كارل روف (من المحافظين الجدد أيضاً) هو الآخر قد سرب معلومات للصحفيين عن العميلة فاليري بلايم..فإن كل الدلائل تشير الى تورط بوش وتشيني شخصيا بذلك وقيادتهم لكل هذه اللعبة ..

 

ظهرت كذبة ليبي ومخادعته و(دراجته) التي كانت عجلاتها لا تكف عن الدوران وهي تأخذه لهاوية ومذلة ستظل تلازمه طيلة حياته ..عجلات ( دراجته) جلبت له العار لأنه وظفها لإدانة تغلفها الأكاذيب والإدعاءات المزورة لبلد تمتد حضارته الى آلاف السنين ..العراق الحر الأبي الذي لا تفارق أعدائه اللعنات ..

مبررات وقصص ملفقة أصاغها هذا المجرم  لإقناع الأمريكيين بضرورة (إسقاط ) النظام الوطني في العراق..

وتجيء الضربات من حيث لا يحتسب المجرم لتوشح كل تأريخه وحركته (النشطة)  بالعار الأبدي.

ويُمهل الله كثيرا.. ولكنه تعالى في علاه لا يُهمل ..

 

 

 

كيفية طباعة المقال

 

شبكة المنصور

الاربعاء  / ٢٣ شـوال ١٤٢٩ هـ

***

 الموافق ٢٢ / تشرين الاول / ٢٠٠٨ م