لا سياسة ذكية مع إيران على حساب العراق المُحتل

 

 

شبكة المنصور

أمير المفرجي

 

لم يكن انهيارالامبراطورية الأمريكية وسقوطها في مستنقع العراق حدثاً عراقيا فقط ، بقدر ما كان بداية تحول نوعي في مسار التطور العام للبشرية ، وقد عملت الكثير من الدول العظمى على إنضاج وتفعيل تراكماته الداخلية والخارجية ، تمهيداً لإعلان صريح للدور الذي وجب عليها أن تمارسه اليوم كأقطاب متعددة تتولى إدارة ما يسمى بالنظام المتعدد الأقطاب. وفي سياق هذا التحول السياسي والاقتصادي الهائل الذي بدأ انتشار تأثيره في كافة أرجاء العالم بعد أن تحررت العديد من هذه الدول من كل قيود المارد الأمريكي اللا محدودة ، كان لابد من تطوير بل وإنتاج النظم المعرفية ، السياسية والاقتصادية التي تبرر وتعزز هذا النظام العالمي المتعدد ، خاصة وأن المناخ العام المقاوم في العراق وبلدان العالم الأخرى قد أصبح جاهزاً لاستقبال المعطيات الاستقلالية الجديدة، بعد أن فقدت بعض دول العالم الثالث وعيها الوطني أو كادت ، وقامت بتمهيد تربة بلادها للبذور التي استنبتها النظام العالمي " الجديد " تحت عناوين تحرير التكيف والخصخصة، أو ما يسمى بالعولمة Globalization باعتبارها أحد الركائز الضرورية اللازمة لتوليد وتفعيل آليات النظام الامبريالي.

 

وكان دور العراق المقاوم كبيرا في إفشال هذه الاهداف الامريكية بعد أن وظفت الولايات المتحدة قوتها العسكرية الاستثنائية من اجل إخضاع الجميع لمقتضيات ديمومة مشروعها للسيادة العالمية، بمعنى آخر لن تكون هناك "عولمة" دون إمبراطورية عسكرية أمريكية، تقوم على المبادئ الرئيسية كتهميش الدور المحوري للأمم المتحدة وتحجيمها وبالتالي إبدالها بالحلف الأطلسي في إدارة السياسة العالمية ناهيك عن تكريس المنهج العسكري والديمقراطي المُزيف في أن واحد كأداة رئيسية للسيطرة وكما حدث في العراق حيث تم احتلال هذا البلد وتدميره في الوقت الذي كان الخطاب الديمقراطي الموجه للرأي العام العالمي والعراقي  يساهم في تخفيض حقيقة النوايا الأمريكية في نيتها لقيادة العالم .

 

ولكن لم تنجح الإدارة الأمريكية في تحقيق أهدافها هذه كون أن العالم بصورة عامة والعراق ومنطقة الشرق ألأوسط بصورة خاصة هما على درجة من التعقيد بما لا يسمح بسيطرة دولة واحدة، وأن الولايات المتحدة وباستثناء التفوق العسكري، فهي تحتاج للنفط الذي ينقص أو في طريقه إلى النقصان. لا ننسى أن طاقات أمريكا أقل من طموحاتها. ونظراً لإدراكها التام لذلك ، فإنها تسعى بدأب إلى تعويض ضعفها الاقتصادي باستغلال تفوقها العسكري ، وذلك من خلال إقناع شركائها في بضرورة تسليم زمام إدارة العالم لحلف شمال الأطلسي، دونما أي اعتبار لمؤسسات الأمم المتحدة ووثائقها وقراراتها، يؤكد على ذلك استفراد الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين عموماً، خصوصاً في استمرار الحالة الغير عادلة في العراق وفلسطين في محاولة يائسة لإخضاعها للشروط والسياسات الأمريكية في إطار ما يسمى ب "الشرق الأوسط الجديد". ولا بد من الاستنتاج أن هذه الأداره وباحتلالها للعراق قد استعملت معظم أوراقها السياسية،. إن الهدف الأساسي من الهجوم على والعراق واحتلاله كان هدفه إعادة صياغة شاملة لمجمل  الإستراتيجية في الشرق الأوسط .

 

أن المعركة التي يخوضها الشعب العراقي من أجل الدفاع عن الوطن هي بدون شك معركة طبيعية بل حتمية بين إنسان قد سلبت حريته وهتكت أعراضه , إنها رأس حربة في معركة الحسم ضد الامبريالية وعالم احادية القطب المتسلط على رقبة العالم ومستقبل الشعوب. ولكن هي بدون شك أيضا معركة التحرر للقوى التقدمية المؤمنة بحق كل دوله وشعب من أن يكون حرا وسيدا على أرضة وخيراته. أن الحلم الإمبراطوري لم يكن في أي لحظة قد فكر بالسيطرة على منطقه وترك المناطق الأخرى. إن ما يريده هو السيطرة على العالم وخيراته وإخضاع دول العالم صغيره كانت أم عظمى أوروبية كانت أم أخرى. وبهذا فأن بغـداد كانت ليس إلا خطوه مهمة للوصول إلى الهدف.

 

من هذا المنطق ومن هذه الحقائق الدولية دفع العراق ألأبي الثمن من هذا العدوان وهو يدافع عن سيادته واستقلاله ليفشل في نفس الوقت الهيمنة الأمريكية واحتمال اندثار مناطق النفوذ للدول الكبرى الأخرى كفرنسا والصين وروسيا. من هذا المنطق أيضا دفع العراق العربي الثمن وبغياب عناصر سيادته واستقلاله نتيجة للوجود والتدخل الإيراني الخطير في شؤونه الداخلية بعد أن شرذمت القيادة الإيرانية وبوجود المُحتل الأمريكي الساحة السياسية العراقية وربطتها بنظام العمائم في قم وطهران وكان الثمن مئات الآلاف من الشهداء من نخبته  الوطنية .

 

السؤال الذي نطرحه هنا ونطلب من بعض ( المسئولين الغربيين ) الإجابة عليه .هو هل سيكافأ العراق المقاوم الذي أوقف الزحف الإمبراطوري الأمريكي من بسط هيمنته على العالم وثرواته أم سيكافأ من استغل الظروف لبسط نفوذه وتدمير المجتمع العراقي واحتلاله سياسيا وطائفيا؟ ماذا تعني مكافأة السيد رئيس الوزراء الفرنسي السابق (دومينيك دو فيل بان) للمجرم أحمدي نجاه في الزيارة الأخيرة لهذا المسئول الفرنسي السابق وهو في أحضان العمائم وحرس الثورة الإيراني وهو الذي دافع عن العراق وعالم متعدد الأقطاب (انقر هذا الرابط)

 

لقد كانت مقاومة الشعب العراقي وتضحياته البشرية بإفشالها للمخطط الأمريكي الزاحف إلى العالم عبر البوابة العراقية مؤشرا لمكانة العراق وأهميته كدولة قوية ومستقلة بعيدة كل البعد عن النفوذ الإيراني الاستعماري . لا أحد يستطيع أن ينكر عن العراق دوره في إرجاع التوازن السياسي والإستراتيجي في الشرق الأوسط والعالم. لقد أن الأوان من أن تعمل الدول العظمى في هذا العالم الجديد لصالح إرجاع السيادة لهذا البلد المهم عن طريق الضغط على الإدارة الأمريكية الجديدة والرئيس اوباما من أجل إيجاد خروج مسئول للقوات الغازية من الأراضي العراقية ومعاقبة النظام الإيراني المسئول عن الجرائم الطائفية ومشاركته في تدمير المجتمع المدني العراقي وشرذمته سياسيا. أن أي تقارب أمريكي ـ أوروبي مع النظام الإيراني وجب أن لايكون على حساب سيادة العراق ووحدة أرضه وشعبه. لقد تفاجأ كل ذي عقل وبصيرة وكل متابع للملف العراقي زيارة السيد دو فيلبان ألاخيره إلى إيران وما تحمله من رموز في القواميس السياسية ومعاني نابعة من حقيقة السياسة وكما يطلق عليها باللغة الفرنسية  (Real politique) أي أنها مصالح الوضع الحالي للعلاقات ولأن هذه السياسة في تحليلها الأخير هي ليست إلا علاقات مصالح بين الدول. انه بدون شك تغير خطير في موقف (المحور الفرنسي المستفيد من ثروات عراق في فترة ما قبل الاحتلال) من الملف العراقي وانحيازه لنظام العمائم والمتمثل في الزيارة الأخيرة للسيد (دو فيل بان) بالإضافة إلى تصريحات الوزير السابق للدفاع السيد (شوفينما) الأسبوع الماضي في مجلس الشيوخ الفرنسي فيما يتعلق موضوع السياسة الفرنسية القادمة في ظل عالم متعدد الأقطاب والتي يطلب من خلالها الحكومة الفرنسية من إتباع *(سياسة ذكية) كسياسة الرئيس الأمريكي الجديد اوباما للتقارب مع إيران* ولاندري ماذا أراد السيد (شوفينما) الذي نقدر وقوفه المتميز آنذاك في التنديد للحرب ضد احتلال العراق من هذا (التقارب الذكي). وما لنا إلا أن نرجع إلى مفهوم  (Real politique) الذي تفرض به مصالح الساعة على المواقف المبدئية للعلاقات بين الدول. هذه المصالح التي تكلم بها المفكر الفرنسي (ايمانويل تود) في ندوة تلفزيونية عن الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 حين قاطع هذا المفكر الحاضرين وقال إلى نفس السيد (شوفينما) المدافع عن العلاقات مع العراق والنائب (لولوش) المدافع عن الولايات المتحدة  *لا أحد منكم يدافع عن هذا البلد أن دولكم تحتاج  إلى نفط العراق*. 

 

 خلاصة الموضوع أن الدور الكبير للعراق في ولادة عالم متعدد الأقطاب وتثبيت ركائز التوازن في منطقة الشرق الأوسط لا يمكن أن تكون على حساب وحدة العراق وشعبه.  أن الأوان في أن يفكر قادة العالم بالأهمية التي يتمتع بها هذا البلد المهم والغني. ليس فقط بالثروات التي كانت السبب الرئيسي في مأساة شعبه بل بتاريخه التي  أتفق المؤرخون على أن الإنسان العراقي هو الذي يقف وراء التطور الحضاري المشهود وهو صاحب رسالة التطور النوعي للمجتمع والانتقال التاريخي به من البدائية إلى الحضارة والمدنية في المنطقة والعالم. لقد رفد سكان بلاد الرافدين الحضارة بعناصر مبتكرات لا تضاهي شأنهم شأن حضارة أخرى. لنا ثقة بقدره هذا الإنسان بإعادة بناء الوطن وطرد المعتدي الأمريكي وإقامة الدولة القوية في المنطقة. لنا ثقة بهذا الإنسان في النهوض وردع الفتن التي يبثها ألنظام الإيراني للنيل من وحدة شعبه. نعم لقد أن الأوان بأن يستيقظ كل من يدعو ويفكر بسياسة ذكية مع إيران وعلى حساب العراق الغني بجذوره وتاريخه. إن أي سياسة (ذكية) تعتمد على مبدأ الربح المادي لثروات شعب هي سياسة (غبية) باطلة وهي بالتالي نفس السياسة الاستعمارية التي تنفذها الإدارة ألأمريكية في المنطقة.

 

 

كيفية طباعة المقال

 

شبكة المنصور

الاحد  / ١٦ ذو الحجة ١٤٢٩ هـ

***

 الموافق ١٤ / كانون الاول / ٢٠٠٨ م