اغتيال سوق المتنبي للكتب - الإرهاب والثقافة

 

 

شبكة المنصور

علي الكاش / كاتب ومفكر عراقي

( بمناسبة مرور سنتين على التفجير الإرهابي الذي طال سوق المتنبي للكتب والى أرواح شهداء المعرفة في عليين أهدي هذا المقال ).

 

علاقة العراقيين بالآداب علاقة ذات نكهة خاصة قلما تجدها لدى بقية الشعوب وهذا ما تجسد في شغفهم بالكتب الأدبية التي تتجاوز مبيعاتها أضعاف المرات الكتب العلمية, فإذا كانت مصر ولبنان وسوريا والمغرب بساتين القصة والمسرح وبقية فروع الأدب, فأن العراقيين بلا شك هم من يجني ثمارها, ما عدا الشعر فله بستان مميز يزرعه ويجني العراقيون ثماره ويصدرون بعضه إلى الدول العربية.

 

كنا صغارا عندما ردد شيوخ المعرفة على أسماعنا المقولة المأثورة بأن " الكتاب يؤلف في مصر ويطبع في لبنان ويقرأ في العراق" وهذه حقيقة لا ينكرها أحد, فالعراقيون معظمهم هواة الكتب ويطبقون مقولة الفيلسوف شيشرون " البيت الذي ليس فيه مكتبة لا يعد بيتا" لذلك تراهم يتزاحمون على المكتبات ودور الكتب لمتابعة آخر الإصدارات الفكرية الحديثة وبنفس الهمة التي يبحثون فيها عن كتاب نادر أصفر الأوراق أو مخطوط أكل الدهر عليه وشرب.

 

إنهم يكنون حبا غامرا لبلدهم وتأريخهم لذلك تراهم يفتشون عن الكتب القديمة والحديثة التي تدور حول تأريخ العراق ومدنه وعمرانه وحوادثه وعلمائه وأنساب عشائره وكل ماله صلة بحضارتهم وثقافتهم لكنهم في نفس الوقت فتحوا نوافذهم الجانبية على الأدبين العربي والغربي ليستمتعوا بهما, ومن الطرائف إنه مع كل فكر جديد تهب رياحه على القراء فأن العراقيين أول من يتعلل بنسائمه, فمن تشارلز دارون ونظريته حول النشوء والارتقاء إلى سارتر وسيمون دي بوفوار ونظريتهما حول الوجود والعدم إضافة إلى ماركس وانجلز ولينين ونظرياتهم السياسية والاقتصادية, وسيجموند فرويد ونظريته الجنسية, والبير كامو وهمنغواي في نظرتهم إلى الغربة والعبثية, وكولن ولسون ونظريته حول المنتمي واللامنتمي, وروجية غارودي وموقفه من العقيدة اليهودية وغيرهم من المؤلفين والنظريات التي أثارت زوابع فكرية في العراق اشد مما كانت عليه في بلدانهم, واذكر بأن احد المغتربين العراقيين تفاجأ عندما حدثه احد أصدقائه العراقيين عن كولن ولسون ونظريته ورغم أن المغترب يعيش في لندن وفي ضاحية سوهو, لكنه لم يتعرف على فكر ولسون ولم يسمع حتى بروايته " ضياع في سوهو" كما أستذكر أيضا أحد العراقيين الذي كان يتلو شعر شعبي مصري في منتصف السبعينيات من القرن الماضي ويغنيه بصوت ثائر في مقهى أم كلثوم في بغداد لعدد من المصريين الذين لم يسمعوا بأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام رحمه الله.

 

شارع المتنبي هو رئة العراق الثقافية التي تتنفس العلم والمعرفة وهو قبلة الأدباء والفنانين والأساتذة ومحراب طلاب المعرفة وقد تأسس هذا الشارع الذي يحتضن نهر دجلة الخالد عام 1932 في عهد المغفور له الملك فيصل الأول وكان يسمى في العهد العثماني شارع السراي حيث يقع قربه سراي الحكومة ومقر الحاكم العسكري ولكن الملك فيصل أطلق عليه أسم شارع المتنبي تيمنا بالشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي وبقي الشارع حاملا أسم الشاعر الأعظم. وقد تطور الشارع منذ الخمسينات من القرن الماضي وأستمر ليشهد عصره الذهبي في بداية السبعينيات مع تطور الحركة الثقافية والأدبية في العراق وهي مرحلة أتسمت بإبداع عراقي مميز في جميع القطاعات الفكرية. حيث قامت وزارتي الأوقاف والإعلام العراقيتين بتعزيز روافد الثقافة عبر طبع الآلاف من العناوين من الموسوعات والكتب القديمة والحديثة بأسعار زهيدة, فأحيت كتب الأقدمين مثل كتاب العين للفراهيدي والعباب الزاخر ودواوين الشعر القديم والحديث كديوان الجواهري والرصافي وتابعت الأفكار الجديد من خلال رفد حركة الترجمة بكوادر من مختلف اللغات الحية, وهذه أول مرة تحدث فيها حركة ترجمة بهذا الزخم منذ عهد الخليفة المأمون, ورافق ذلك قيام الجامعات العراقية بفتح روافد جديدة بتشجيع الأساتذة على نشر مؤلفاتهم على حساب الجامعة وطبع رسائل الماجستير واطاريح الدكتوراة وبيعها بأسعار رمزية تتناسب ودخل العراقيين ورفد المكتبات العامة بنسخ منها للتوثيق والاستفادة منها. ناهيك عن دور النشر الخاصة, كما تأسست الكثير من المكتبات العامة والأهلية  وفتحت العشرات من المكتبات في شوارع بغداد الرئيسية كالرشيد والسعدون وباب المعظم و بدأت معارض الكتب السنوية تنشر ظلالها على العقل العراقي فتزيده غنى وتنوع من كل أصناف الكتب.

 

والعراقي كما معروف عنه يمكن أن يحرم نفسه من لقمة يشتهيها لكن من المحال أن يحرم نفسه من كتاب يرغب باقتنائه أو قراءاته. فالكتاب مهما كان تصنيفه له من الجاذبية بسلب العراقي لبه ويوقفه عن المراوغة والمناورة فيندفع لا إراديا إلى جيبه ليفرغ ما فيه على شراء الكتب. وقد صادف مرة إن كنت في المكتبة العلمية التي كان يديرها المرحوم راسم الجميلي مع أبنه علي, وصادف أن اشترى أحد الهواة عدة دورات موسوعية وكانت الدار قد خصمت نسبة تزيد عن 50% من أسعارها ومنها كتاب الأغاني لأبو فرج الأصفهاني وتأريخ الطبري طبعة دار المعارف المصرية وتأريخ ابن خلدون وكتب أخرى, ولما قصر المبلغ عنده قال سأعود حالا وفعلا بعد ربع ساعة عاد ومعه المبلغ كاملا وقد أعلمنا بأنه باع خاتم من الذهب كان فعلا يضعه في أصبعه فأنتفض المرحوم راسم الجميلي غيضا وقال له" اخي كان تأخذ الكتب ومرة قادمة تجلب المال أو على الاقل احجزها لك لحين توفر المال لديك.

 

الكتاب عند العراقيين له طقوس مقدسة مهما كنت أهميته أو سخافة ما يحتويه وهناك قواعد وضوابط مشددة تجري بين الأصدقاء والأهل تتحدد بموجبها شروط إعارة واستعارة الكتب ومنها المحافظة على غلاف الكتاب وعدم طي أوراقه أو كسر زوايا الأوراق مع عدم السماح بكتابة الهوامش والتعليقات على أوراقه وكذلك المحافظة على نظافته ويفضل تجليده بأوراق عادية يمكن إزالتها بعد الفراغ منه وكذلك إرجاعه في الوقت المحدد المتفق عليه للإعارة وعدم جواز أعارته إلى شخص آخر بدون استئذان صاحبه الأصلي، وعند فقدانه يعوض المالك بنفس الكتاب أو نسخة جديدة منه, وهي كما يلاحظ شروط ربما اشد قسوة من شروط الاستعارة في المكتبات العامة. والكتب النادرة جداً تشتد قسوة ضوابط إعارتها, فالبعض لا يعيرها نهائيا وربما يضعف الحائز لشدة توسل السائل أو تأثير الوساطات عليه فيتنازل بالسماح له بقراءته في مكتبته الخاصة أو بيته أو ربما يطلب رهنا يضاهي قيمة الكتاب بعدة أضعاف, أو يسمح له باستنساخ الكتاب بوجوده, وهناك الكثير من النوادر التي تدور حول هذه الحوادث لا سيما في أروقة سوق الكتب ومن المؤسف أنها لم توثق, وعادة من يضع الشروط القاسية يكون من ضحايا إعارة الكتب حيث سببت له فقدان الكثير من كتبه النادرة سيما تلك التي يصعب تعويضها, لذلك يستشهد في تبرير رفضه إعارة كتبه بقول برنارد شو الطريف " مجنون من يعير كتابا الأكثر جنونا من يرده لصاحبه" أو بالمثل الفرنسي المشهور" أعطني اليد التي تعير كتابا لأقطعها".

 

مشوار العراقي مع الكتب مشوار ممتع مع انه طويل لكنه غير ممل فبالرغم من الآثار المميتة للحصار الاقتصادي على العراقيين, ورغم قيام البعض من هواة الكتب بتوديع كتبهم في سوق المتنبي ودموعهم تطفح من فوق وجناتهم كاللؤلؤ المنثور, لكن سرعان ما تراهم يعودون بنشاط وحيوية مبهرة بعد التحسن القليل الذي يطرأ على أحوالهم المعيشية ليلتقوا حببيهم الكتاب ويحتضنوه مجددا وتبدأ الرحلة الممتعة من جديد, فالعاطفة والحب بين العراقي والكتاب جذوره موغلة في العمق وليس من السهولة اجتثاثها.

 

يوم الجمعة في سوق الكتب له طقوس جميلة وهي طقوس ثقافية بنكهة رائعة أشبه بنكهة الشاي والنركيلة في مقهى الشابندر الذي يقع في ركن شارع المتنبي وهي ملتقى المثقفين العراقيين, فهواة الكتب تجدهم مبكرين منذ الصباح في طريقهم إلى شارع المتنبي بعد أن يتناولوا فطورهم من( كاهي أبو علي) ولا يغادروا السوق إلا بعد تناول وجبة الغداء في( مطعم الإخلاص) أو ( كبة السراي)  يتخللها أقداح من شاي الشابندر أو حسين الجايجي( أبو علي) و تجري عملية البحث عن الكتب المتوسدة جانبي رصيف شارع المتنبي, المحترفون في الكتب المهمة وباعة الكتب هم أول من يبكر في عملية البحث واصطياد الكتب النادرة أو الكتب المطلوبة مسبقا من الجامعات أو الهواة بتوصيات خاصة, ومع ازدحام السوق يشمر نعيم الشطري صاحب مزاد الكتب عن ساعديه ويفتتح مزاده بعرض الكتب بصوته المميز, وبعد أن يقدم نبذة عن الكاتب والكتاب تبدأ المزاد ويرتفع سعر الكتاب حسب منافسة طالبيه وينهي أبو ربيع المزاد بقوله المأثور" راح أبيع .. راح أصالح " ويرخى السدال ليبدأ الفصل الجديد مع عرض كتاب آخر. في الوقت الذي يفاكهه خلال المزاد بعض الخلان من أصحاب المكتبات ومنهم  الشهيد عدنان سلمان و الكاتبين طارق الاعسم ومازن عبد للطيف.

 

سوق الكتب لم يفقد مذاقه الشهي فالباعة والمشترين بينهم عقد ثقافي كل منهما يسلمه إلى خلفه أمانة في عنقه كي يحافظ عليه ولإبقاء ديمومة السوق والكتاب, فالجيل الأول الذي ضم نعمان الاعظمي صاحب المكتبة العربية وعبد الحميد زاهد صاحب المكتبة الوطنية, وعبد الامير الحيدري صاحب المكتبة الأهلية ومحمود حلمي صاحب المكتبة العصرية وعبد الكريم خضر صاحب مكتبة الشرق وهو من أبرز منظمي التظاهرات الوطنية في العهد الملكي, إضافة إلى عبد اللطيف ثنيان ومحمد السعدي وداود صليوه والعشرات غيرهم, سلموا راية الكتب لحقي بكر صدقي صاحبة مكتبة التجدد ورشيد عبد الجليل صاحب مكتبة الشبيبة والحاج محمد صاحب المكتبة الحديثة وحسين الفلفلي صاحب مكتبة الزوراء ونمت المحلات الصغيرة لتتحول إلى مكتبات كبيرة يقودها الرائد قاسم محمد الرجب الذي يعتبر زعيم الكتاب العراقي بلا منافس, وقد ساهم بنشر المعرفة من خلال استيراد وإعادة طبع الكتب الأوربية النادرة بالأوفسيت وبيعها بأسعار زهيدة وكان من أبرزها ( البدء والتأريخ) بأجزائه الستة لأبي زيد البلخي وقد طبع في باريس عام 1899, وكتاب النقط والضبط لأبن القيسراني وقد طبع في ليدن عام 1865 وكتاب ( تأريخ الحكماء) المنسوب للقفطي والذي طبع في ليبزك عام 1904وكتاب ألف ليلة وليلة (الطبعة الأصلية غير المهذبة) عن طبعة بولاق ومئات الكتب الأخرى.

 

أما القراء فكانوا نخبة أيضا من بينهم عباس العزاوي الذي كان  يزور السوق أربع مرات أسبوعيا يصبحه أخوه علي العزاوي والشيخ فالح الصيهود والشيخ امجد الزهاوي وفرج الله زكي وجميل صدقي الزهاوي وطه الراوي ونوري السعيد ومحمد السماوي ومصطفى علي وساطع الحصري وعبد الستار القره غلي وروفائيل بطي وكوركيس عواد وبهجت الاثري وتوفيق السمعاني ومير بصري غيرهم من جهابذة كتاب العراق.

 

وما يزال بعض أبناء وأحفاد أصحاب المكتبات القديمة يزاولون نفس المهنة ومنهم أبناء قاسم الرجب وبديع ابن علي الخاقاني صاحب مكتبة البيان وأكرم الفلفلي صاحب مكتبة الزوراء ونبيل عبد الرحمن حياوي صاحب مكتبة النهضة وغيرهم, وتأسست مكتبات جديدة مهمة تختص بالكتب النادرة جدا مثل مكتبة عدنان ومكتبة القرآن الكريم ومكتبة زين النقشبندي ومكتبة نعيم الشطري ومكتبة الليث ومكتبات أخرى خارج المتنبي منها مكتبة الأندلس ومكتبة العاني والمكتبة العالمية والمكتبة العربية والشرق الجديد ومكتبة الحضارة العربية والعشرات غيرها. كما تخصصت مكتبات أخرى بالكتب الدينية أو العلمية أو الطبية والقانونية والموسوعية والقواميس وغيرها من بساتين المعرفة.

 

العراقيون كما هو معروف عنهم خبراء بالكتب وتتعدى معرفتهم الكتب القديمة المهمة لتبلغ النادرة والمطبوعة حديثا, وهم بحق محترفين في معرفة مضامين المخطوطات والكتب الحجرية الصفراء و الطبعات الأوربية ومطبعة الجوائب والقسطنطينية والأميرية وبولاق ودار السلام. لذا تجد أن هذه الطبعات النفيسة تشترى بلا مساومات تذكر، مهما ارتفعت أسعارها وغالبا ما يشتري البعض النسخ النادرة بالرغم من وجود نسخة واحدة أو أكثر منها لديه وذلك بغية إهدائها أو مقايضتها مع كتاب آخر نادر قد يفتقده وأحيانا لغرض التباهي.

 

باعة الكتب والمشترون تشكيلة جميلة كباقة ورد تزهو بألوان مختلفة فالباعة قد يكونوا شعراء وقصصيون وفنانون ومحققون وأدباء وممثلون وعسكريون سابقون أو طلاب دراسات عليا ومحامون وسياسيون ورجال دين, منهم المحقق معن حمدان والكاتب طارق الاعسم و النسابة خالد العزاوي والصحفي زين النقشبندي وخليل الصحفي والرسام عبد الواحد شبل والشاعر كريم شغيدل والصحفي توفيق التميمي والكاتب مازن عبد اللطيف والسيد نعيم الشكري.

 

 وهواة الكتب أيضا من مختلف شرائح المجتمع العراقي ففيهم الوزراء والدبلوماسيين وأساتذة الجامعات ورجال السياسة وضباط كبار وباحثين وأصحاب تكايا ورجال دين وغيرهم يجمعهم حب الكتاب. والحقيقة أن معظم رواد شارع المتنبي والمكتبات هم نخبة المجتمع العراقي بلا منازع.

 

بالرغم من إدعاء البعض بأن الكثير من الكتب الشيعية كانت ممنوعة في فترة النظام السابق, لكن هذا الأمر فيه وجهات نظر متباينة فهناك كتب منعت لأسباب منها إنها تؤجج للعنصرية والطائفية ولم تقتصر على الكتب الشيعية فحسب بل كتب السنة أيضا فكتب ناصر الدين الألباني وسيد قطب وأبو العلا المودودي  وأبو الحسن الندوي وحسن البنا والعشرات غيرهم كانت ممنوعة أيضا, ولم يقتصر الأمر على الكتب الدينية فالكتب الماركسية واللينينية أيضا كانت ممنوعة والكتب التبشيرية و المسيئة للأديان والرموز الدينية مثل كتب أبو موسى الحريري والكتب المسيحية المنسوبة للفكر الطوراني وكتاب مصطفى جحا محنة العقل في الإسلام ونقد الفكر الديني لجلال العظم وكتاب معروف الرصافي عن النبي محمد(ص) وآخرين. إضافة إلى منع الكتب الإباحية مثل رجوع الشيخ إلى صباه  والأدب المكشوف لشاعرنا الكرخي وزهر الربيع للجزائري والإيضاح في علم النكاح ورشف الزلال من السحر الحلال وكتاب الأيك وإرشاد اللبيب إلى معاشرة الحبيب غيرها.

 

 وكذلك كتب السحر والشعوذة مثل مؤلفات السيد الطوخي والسحر الأحمر وشمس المعارف الكبرى ومنبع أصول الحكمة واسم اله الأعظم ومدهش الألباب وقرعة الإمام الصادق وجفر الإمام علي وغيرها. علاوة على الكتب البهائية و الماسونية وغيرها, وكذلك الكتب المتعلقة بالمخابرات والتجسس ويمكن الجزم أن الكتب الشيعية رغم أن الكثير منها منع بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية إلا أنها كانت أكثر انتشارا ورواجا من بقية الكتب عن طريق التداول السري بين الباعة والمشترين أو عن طريق استنساخها وهذه حقيقة يعرفها رواد المتنبي, كما أن معظم الذين أحيلوا إلى القضاء وسجنوا من باعة الكتب هم من مروجي الكتب السنية السلفية وليس من باعة الكتب الشيعية فقط وهذه أيضا حقيقة يعرفها رواد باعة المتنبي ومنهم الشيخ جمال أبو عبد الله وخضر الشيخلي أبو أحمد والشيخ علي السلفي وغيرهم؟

 

بعد الغزو وقدوم نجوم الفتنة الطائفية على ظهور الدبابات الأمريكية بدأت أكبر عملية لمسخ الهوية العراقية ونشر الفوضى الثقافية وكانت إيران قد أعدت على أفضل وجه عدتها لهذه المؤامرة الدنيئة من خلال إغراق السوق العراقية بمختلف الكتب المؤججة للطائفية والتي تحرض على الفتنة وترسخ المفاهيم الخاطئة بالإضافة إلى إعادة نشر بعض الكتب العراقية بنكهة فارسية وطعم ماسخ يتوافق مع مخططاتها لتدمير الهوية الوطنية العراقية وخلق شراذم طائفية, وقد غذت هذه الكتب الروح الطائفية عند الطبقات الفقيرة والساذجة وتم تفعيل هذه النزعة بتدمير العتبات المقدسة في سامراء لتكتمل الصورة البشعة.

 

فقدأعادت طبع كتب منعت بسبب ترويج الطائفية ومنها مؤلفات المجلسي والكليني والطبرسي وابن طاوس والتيجاني في مطابع قم ومشهد وطهران وبيعت بأسعار شبه مجانية لا تغطي تكلفة نقلها من إيران إلى العراق, كما طبعت كتب أخرى للعلامة علي الوردي وعباس العزاوي وعبد الرزاق الحسني دون الرجوع إلى الورثة كما يحض القانون، بل أن بعض الكتب أجري فيها تغييرات مقصودة في المعلومات مثل كتاب الثورة العراقية للحسني! كما وزعت العديد من الكراسات مجانا وأفتتح عمار الحكيم أول معرض للكتب الإيرانية في العراق فانهالت الطلبات عليها لرخصها واستمر ترويج الكتب التي تسيء إلى الصحابة وتطعن بأزواج النبي وتروج لثقافة النواح واللطم وشق الرؤوس وسلخ الظهور, أو تعظم الفرس كالشاهنامة للفردوسي ورباعيات الخيام بطبعات أنيقة ومصورة وغيرها من الكتب التي تسيء إلى العرب وتصفهم بأكلي الضب والجراد وغيرها من النعوت.

 

وتحولت المدارس والكليات إلى ساحات لمعارك طائفية وانتقلت المعارك إلى شارع المتنبي الذي شهد عمليات قتل المتخصصين ببيع الكتب السلفية( منهم شيخ جمال أبو عبد الله وشيخ علي السلفي أبو عمر والحاج قيس عبد اللطيف العاني وغيرهم) وتناسى باعة الكتب زملائهم في المهنة وتحولوا بين ليلة وضحاها من أخوة إلى أعداء, وعمت التصفيات الجسدية بين المتناحرين وفقد هذا الشارع المعرفي الأصيل بريقه وإشعاعه الذي كان يرسله إلى العراقيين كافة بدون تمييز, سيما بعد طالته يد الإرهاب القذرة في عملية جبانة استهدفت الجميع فسالت دماء العراقيين من سنة وشيعة وعرب وأكراد ومسيحيين وصابئة وايزيدية لتصب في مجرى واحد وتهاوت الأشلاء مبعثرة في كل مكان وهي رسالة واضحة بأنه ليس للإرهاب هوية أو دين او قومية  أو جنسية. ودمرت أكثر من (30) مكتبة منها العصرية والنهضة ومكتبة عدنان والرباط والقيروان ومكتبة القاموسي والمكتبة القانونية والتربية وغيرها. كما حرقت ملايين الكتب منها بعضها نسخ فريدة ووحيدة لا تتوفر حتى في المكتبات العامة ومنها دورات موسوعية نادرة كمجموعة مجلة سومر والمورد والتراث الشعبي ومجلة اليقين ومجلدات لصحف عراقية قديمة مثل حبزبوز والبلاد وقرندل والوطن واللواء ونسخ نادرة جدا من كتب الطبعات ألأوربية في ليدن وليبزك وبطسبورغ وروما ولندن والجوائب كان أصحاب المكتبات يختزنونها في دواليب خاصة ولا يعرضونها لندرتها ولحين توفر طلب مناسب وسعر مناسب لبيعها. كما ساهمت القوات الحكومية في اغتيال عدد من أصحاب المكتبات ومنهم صاحب مكتبة القيروان الذي اعتقلته الشرطة وعثر على جثته بعد أيام.

 

شوهت الكتب الوافدة من إيران ثقافة الإنسان العراقي ودمرت هويته وبدلا من أن تكون رسالتها ذات طابع إنساني لغرض رفع المستوى المعرفي والثقافي عند القراء وصقل مواهبهم الفكرية وتنمية وتوسيع مداركهم وتهذيبها, تحولت إلى سلاح طائفي يقتل به الأشقاء بعضهم البعض, هذا لا يعني إن الكتب الشيعية هي المتهمة فمعاذ الله أن تظلم كلها فهناك الآلاف من الكتب الشيعية التي تخدم المذهب وتروج مبادئه السمحة العذبة والبعيدة عن التعصب والمغالاة والتطرف والإساءة وتطالب بتقريب المذاهب, ولكننا ننتقد الكتب التي تكفر الطرف الآخر وتدعو إلى الفتنة, ونفس الأمر بالنسبة للكتب السلفية التي تكفر إخواننا الشيعة فأننا نرفضها رفضا باتا, فهي مثل سرطان يفتك بوشائج المحبة والأخوة بين العراقيين.

 

من المؤسف أن تكون وزارة الثقافة العراقية آخر من أن ينتبه إلى هذا الموضوع الخطير بحجة الديمقراطية وفتح كل النوافذ الثقافية على العراقيين, لأن فتحها بهذه الطريقة العشوائية غير المبرمجة من شأنه أن يولد تيارا طائفيا جارفا يصعب السيطرة عليه وهذا ما حصل فعلا, مما يستوجب بالوزارة أن تضع خطة للسمو بثقافة العراقي ومنع الكتب المؤججة لنار الفتنة والتعصب القومي مهما كان مصدرها. ولكن المشكلة أن الوزير متهم بجرائم وهارب عن وجه العدالة والوكيل جابر الجابري هو قاطع طريق أكثر منه مثقف!

 

فوزارة الثقافة هي المتهمة بالدرجة الأولى بجريمة وأد الثقافة لأن قوات الاحتلال وإيران وبعض الدول العربية التي تؤجج الطائفية العراق تنظر من مصلحتها وليس من مصلحة الشعب العراقي, ورغم أن هذه الدول تتحمل مغبة ترويج الطائفية فإنها عاجلاً أم آجلا ستكتوي بنارها, لكن الحق يقال بأن وقوف الوزارة كمتفرج إزاء هذه الثقافة التدميرية وأحيانا المساهمة في تعزيزها هو نوع من التخاذل والجبن المرفوض ولا يمكن أن تفسيره سوى انه يخدم أعداء العراق بجدارة وكفاءة منقطعة النظير, فعلام يحاسب البعض على الفساد المالي والإداري ولا يحاسب على الفساد الثقافي؟

 

كما تتحمل وزارة التعليم العالي الجزء الآخر من المسئولية عندما تحولت الجامعات إلى أوكار لخفافيش الطائفية ومنابر للخطابات التحريضية ونشر الشعارات الطائفية وممارسة الشعائر التي لا تتناسب وحرم الجامعات, دون أن تتخذ الوسائل الرادعة لتقليم أظافرها قبل أن تستفحل وتتحول إلى براثن تفتك بطلاب العلم.

 

لا خلاف بأن لكل عراقي  الحق في ممارسة شعائره الخاصة ولكن ليمارسها خارج حدود الوزارات والمؤسسات والجامعات والساحات العامة لأنها جميعا ملك للعراقيين وليست ملك لطائفة معينة. وله الحق بأن يؤمن بالمذهب الذي يتوافق مع تطلعاته بغض النظر عن طبيعة هذا المبدأ, لكن ليس من حقه أن يطعن في بقية المذاهب أو يكفرها معتبرا انه على حق والبقية على باطل, وليس من حقه أن يستغل وضعه ومنصبه والمال العام والإعلام الرسمي ليروج عن مذهبه دون أن يوفر الفرصة ذاتها للبقية.

 

مصيبتنا تكمن في تحديد الجهة التي يمكن أن تدرس هذا الوضع الثقافي المتردي وتشيع روح المحبة والإخاء بين العراقيين, فمجلس النواب نفسه يعاني من طاعون المحاصصة الطائفية والعنصرية, ووزارة الثقافة مرتبطة بخط الحزب الذي تمثله وليس بخط الوطن, ووزارة التعليم العالي على نفس المنوال وقوات الاحتلال تخدم قاعدتها الاستعمارية" فرق تسد" عبر ثقافة التفريق والتشتيت, ورجال الدين ابتلاهم الله بعشق قوات الاحتلال والترويج لثقافة الكراهية والبغضاء والتشجيع على إشعال الفتنة من خلال الخطابات التكفيرية والتحريضية.

 

كما يتحمل أصحاب بعض المكتبات في شارع المتنبي وسوق السراي جزءا من المسئولية عندما قاموا بترويج الكتب الطائفية القادمة من إيران والتي ساهمت بتسميم الثقافة العراقية الأصيلة مفكرين بالربح المادي فقط ومتجاهلين زراعة الشوك في هذا السوق العريق, ومن المؤسف أن يتحول بعض الباعة إلى مروجي للمجلات الخليعة التي توافدت على العراق بمئات الآلاف من النسخ حيث يبيعها جنود الاحتلال لتدمير السياج الديني والأخلاقي خاصة عند الشباب.

 

وكان الاغتيال الآثم للسوق بتفجيره من قبل مجموعة ضالة من الإرهابيين الذي اغتالوا السوق والكتاب والباعة والمشترين من مختلف شرائح المجتمع العراقي الذين وحدهم الموت بعد أن عجزت الحياة عن توحيدهم! ويبقى أملنا مشرقا أن يعود سوق الكتب الى سابق عهده وتسود ثقافة الحب والتسامح في سمائه الرحبة مجددا فقد دفعنا ما فيه الكفاية وآن الأوان لنطوي صفحات كتاب البغضاء ونفتح صفحة جديدة من كتاب العراق العظيم.

 

ولنا عودة إنشاء الله مع سوق الكتب والحديث عن الكتب النادرة وباعتها وابرز شرائها وبعض الطرائف التي حصلت فيه إضافة إلى مسألة تهريب النسخ النادرة منها إلى الأردن وسوريا خلال التسعينيات من القرن الماضي.

 
 
كيفية طباعة المقال
 
 

شبكة المنصور

الاربعاء / ٠٥ ربيع الثاني١٤٣٠ هـ

***

 الموافق ٠١ / نـيســان / ٢٠٠٩ م