شذرات بعثية .  ..   .. .    بدون عنوان

﴿ الجزء الثاني

 

شبكة المنصور

أبو محمد العبيدي
سبق واشرنا في دراسة منشورة في شبكة المنصور بعنوان المستقبل للمقاومة إلى إن هنالك تكاليف كبيرة وكثيرة للحرب على العراق ستدفعها الولايات المتحدة مستقبلا ومن هذه التكاليف هي التكاليف الاجتماعية التي تمتاز بصفة وهي عدم إمكان احتسابها بل وحتى عدم إمكانية التنبؤ بنتائجها وتأثيراتها على المجتمع ,وقبل أيام عممت وزارة الأمن الوطني الأمريكية على تحذيرا إلى دوائرها لرصد ظاهرة تنامي اليمين المتطرف وخاصة بين أوساط الجنود المسرحون من الخدمة بعد أن انهوا خدمتهم في العراق وما يشكلون هؤلاء من خطر ,وفي الخبر إن نسبة شراء الأسلحة قد ارتفع إلى معدلات كبيرة جدا ومن قبل هؤلاء ,وقد قام الحزب الجمهوري بحملة واسعة ضد حكومة اوباما واتهمها بأنها تعادي الجنود من خلال إصدارها مثل هذه التحذيرات مما دفع بوزيرة الأمن الوطني إلى الاعتذار وسحب هذا التعميم .


إن ما يهمنا ليس الظاهرة بل أسبابها التي سبق واشرنا لها والتي حدثت بسبب العراق ,وكذلك فإنها واحدة من عشرات الظواهر الاجتماعية والنفسية التي ستطفو على السطح يوميا والتي ستضغط على الإدارة الأمريكية لتغيير سياساتها ,إن الكلف التي تكبدها الاقتصاد والحكومة الأمريكية والتي سيتكبدها مستقبلا ستجعل صاحب القرار الأمريكي يفكر ألف مرة قبل الإقدام على مجرد التحرش بالعرب والمسلمين وليس بالعراق فقط ,وبالرغم من إننا دفعنا ثمنا غاليا من دماء أبناءنا, إلا إن الحرية لها ثمن دائما ,ويكفينا فخرا انتصارنا على اكبر قوة غاشمة في التاريخ .

 

****

 

التقيت صدفة بصديق لشاب من أقربائي ,وكان يتذمر من بقاء الاحتلال ويتساءل عن إمكانية تحقيق النصر وأثناء الحديث بيننا تطرقنا إلى أخبار قريبي وهو من المدمنين على التدخين ,فاخبرني بأنه في يوم ما كلف هو وقريبي بالذهاب إلى بعقوبة لجلب كمية من الأسلحة للمقاومة وتسلموا مبلغ كبير يزيد عن مائة مليون دينار ,وعند الالتقاء بتاجر الأسلحة استطاع قريبي أن يخفض السعر بحوالي عشرون مليون دينار بطريقة أدهشت متحدثي ,وفي طريق العودة انتبه متحدثي إلى أن قريبي لم يدخن منذ خروجهم من بغداد رغم انه لا تفارق السيجارة يديه فسأله مستغربا عن ذلك وإذا كان قد ترك التدخين وبعد اللالحاح أجابه قريبي بأنه لا يملك ثمن علبة السكائر ,فقال له لقد فرقت في الصفقة كل هذه الملايين ,إضافة إلى انك وبجهودك حصلت على سلاح مهم كمية ونوعية ولولاك لخسرنا ملايين إضافية ونحن وزعنا مبالغ كبيرة من اجل إيصال الصفقة إلى المجاهدين فكيف تبخل على نفسك,بثمن علبة سكائر وتحت إمرتك كل هذه الملايين ,فأجابه قريبي المدخن ,إن هذه الأموال لله وللمقاومة ولا يمكن أن أمد يدي إليها .فأعطاه مبلغ لشراء السكائر .عند ذاك أجبته على سؤاله الأول وقلت له ,إن من لديه مثل هؤلاء الناس لا يمكن إلا أن ينتصر بإذن الله  .

 

****

 

منذ الاحتلال ,لا تسمع الأخبار, إلا وترى مسئول من المشتركين في العملية السياسية بمناسبة وبدونها يتحدث عن الديمقراطية والتي لا يفهمها ولا يؤمن بها ,حيث إنها ليس ماكينة يمكن استيرادها وتشغيلها,ولا كتاب يمكن قراءته ,ولو رجعنا إلى التاريخ وخاصة التاريخ الغربي الحديث لوجدنا إن الثورات التي حدثت ابتداء بالثورة الفرنسية ومرورا بالانكليزية وانتهاء بحرب التحرير الأمريكية والحرب الأهلية الأمريكية وغيرها ,إضافة إلى الصراع الدموي والمطالبات والانتفاضات والسجون والمناقشات والإعدامات والاغتيالات التي حدثت على مر القرون الأخيرة من عمر البشرية ,هي التي أسست لهذا النظام  المسمى بالديمقراطية ,أي تم بنائها لبنة لبنة إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن, وقد تطورت مع تطور تلك المجتمعات وليس بيوم وليلة حتى أصبحت جزء من الحياة اليومية لتلك الشعوب ,فالديمقراطية لا تعني الذهاب كل أربعة سنوات لانتخاب هذا أو ذاك, إنها أسلوب للحياة وسلوك يومي في المنزل والعمل والشارع وفي الحضانة والبرلمان تكونت مفرداتها عبر الأنين والدموع والدماء ,أنها إيمان وحب ,إنها فكر وممارسة تكونت عبر أجيال وليس بضاعة يمكن استيرادها,وكل هذا لا يهمهم فالذي يهمهم منها إنها أوصلتهم إلى ما هم عليه وكفى .


إن كلامهم عن الديمقراطية ذكرني بإحدى البرامج الغربية والتي كانت على الهواء أي نقل مباشر وكانت حول الاستفسار من أطفال إحدى رياض الأطفال عن المهنة التي يرغبون بممارستها عندما يكبرون ,وقد لاحظت التردد عند بعضهم لدى الإجابة فمنهم من قال سائق حافلة ومنهم من قال شرطي أو طبيب حتى وصلت مقدمة البرنامج إلى طفلة شقراء كأنها قطعة من ألقشطه لا يزيد عمرها عن أربعة سنوات فسألتها عن رغبتها ,وقبل أن تكمل أجابت الطفلة وبمرح وثقة وبدون تردد بأنها تريد أن تصبح عندما تكبر (hurra) أي مومس, فصمتت مقدمة البرنامج قبل أن تتجاهل الإجابة وأكملت حلقتها ,وأنا أخذت اضحك من جواب الطفلة التي لا تعرف معناه ولكنها سمعت هذه الكلمة من بقية الأطفال.


تذكرت هذه الحادثة وأنا استمع لهؤلاء السياسيين وهم يتكلمون عن الديمقراطية .

 

****

 

قبل مدة تكلفت بالاتصال بمجاهد جديد وقد ترددت لان المنطقة التي يسكنها تعج بالميلشيات وليس من السهولة المرور بأزقتها دون أن تتعرض إلى سؤال ولكني قلت لنفسي إذا كان هذا الشخص يسكن بينهم ولا يهابهم فلماذا أهابهم وفعلا اتصلت به, وقد فوجئت انه لا يقرا ولا يكتب وأثناء الحديث معه عرفت منه انه يعمل كمصلح لكل شيء من كهرباء إلى نجارة إلى سيارات ولا يكره إلا العمل ذو الالتزام أي الوظيفة وطبعا هو لا يملك إلا قوت يومه ولا يعرف ولا يريد أن يعرف ما نتفلسف به نحن الذين نعتبر أنفسنا مثقفين ,كل ما يعرفه هو الجهاد والمحتل الامريكي وعملائه .


تذكرت هذا المجاهد قبل أيام عندما زارني احد الرفاق القدماء بعد عودته من سوريا لقضاء بعض الأعمال المتعلقة بتأجير احد بيوته الكائن في المنصور إلى شركة أجنبية ,حيث انه يفضل الشركات الأجنبية وله تجربة حيث إن له دار أخرى في الحارثية مؤجر أيضا إلى شركة أجنبية وبمبلغ كبير جدا,ولا اعرف ماذا يملك أيضا ولا يهمني الموضوع فالله هو الرزاق ولكني عندما سألته عن علاقته بالحزب في الوقت الحاضر أجابني بما يعني انه متقاعد من الوظيفة وانه قد عبر السن القانوني للخدمة وان ولده يعمل في سوريا أي انه لا يحتاج الآن أو مستقبلا للحزب ,بالرغم انه لم يقلها بفمه بل العكس كان يتكلم كأي وطني شريف ,وأنا لا اشكك بوطنيته ولكني أقارنه مع ذالك المجاهد الذي ليس لديه أية مصلحة سوى تحرير العراق ولم يستفد يوما درهم ,عكس صاحبنا المناضل الذي استفاد أكثر مما يجب من الحزب ومن العراق !!   

 
 
كيفية طباعة المقال
 
 

شبكة المنصور

الاحد / ٢٣ ربيع الثاني١٤٣٠ هـ

***

 الموافق ١٩ / نـيســان / ٢٠٠٩ م