المقاومة العراقية وعلاقتها بالنظام الاقتصادي العالمي

 

 

شبكة المنصور

أبو محمد العبيدي
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية,تم وضع أسس للنظام الاقتصادي العالمي وبما إن الولايات المتحدة الأمريكية خرجت من الحرب منتصرة عسكريا واقتصاديا على دول المحور ,واقتصاديا على دول الحلفاء ,حيث أن اقتصاديات انكلترا و فرنسا وروسيا قد دمرت قي الحرب بينما لم تتأثر الولايات المتحدة بل العكس استطاعت وبسبب الحرب مضاعفة نسبة النمو فيها لاعتماد دول العالم بما فيها دول الحلفاء على إنتاجها وخاصة العسكري ,إضافة إلى إنها كانت تملك نصف المخزون العالمي من الذهب مما جعلها قوة اقتصادية عظيمة يمكنها من فرض ورسم السياسة  الاقتصادية للعالم وكذلك السياسة الدولية وقد استحدثت لتنفيذ ذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للسيطرة على الاقتصاد العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للسيطرة على السياسة الدولية .,علما بان النظامين يسيران من قبل مجالس تكون تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية.ومن اجل إكمال الحلقة وبعد أن تخلصت من دول المحور بدأت تفكر بكيفية الاستحواذ على مستعمرات بريطانيا وفرنسا وذلك من خلال الادعاء بدعم القوى الوطنية وحقوق الإنسان, وحق تقرير المصير للشعوب ,والغاية الحقيقية هي التخلص من هيمنة فرنسا وبريطانيا على هذه الشعوب لتكون مهيأة لسيطرة جديدة ومن نوع جديد يعتمد على السيطرة الاقتصادية وليس العسكرية المباشرة ,وفعلا بدأت حملات التحرر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وبمساعدة مباشرة وغير مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية بصورة علنية وأخرى سرية لكافة حركات التحرر في العالم ,نجحت هنا وفشلت هناك .


إن الموقع الذي تبوأته الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية وخصوصا الموقع الاقتصادي قد مهد الطريق لعملتها "الدولار" أن يتقدم للإحلال محل الجنيه الإسترليني الانكليزي في التعاملات التجارية بين الدول,وكان الدولار مهيأ للثقة حيث انه مغطى بأكبر غطاء من الذهب ويقف خلفه اكبر اقتصاد ظهر في التاريخ ,ولكن المتطلبات المالية لدور الولايات المتحدة كقائد للمجتمع الرأسمالي ومتطلبات الحرب الباردة وسباق التسلح مع الاتحاد السوفيتي ومتطلبات الرفاهية الأمريكية ,كل ذلك فرض زيادة في طبع وضخ الدولار مما جعل الغطاء الذهبي يتآكل وكان لابد من إيجاد حل ,حيث أصبح الذهب الذي تملكه الولايات المتحدة كغطاء لعملتها لا يتجاوز ربع المخزون العالمي في عام 1970 .


في 25 فبراير 1971 اجتمع في احد فنادق بانكوك كل من هنري كيسنجر وبرجينسكي وروكفلر في لقاء تاريخي ,والجميع شغل منصب مستشار الأمن القومي ووضعوا إستراتيجية تمكن الولايات المتحدة الأمريكية من السيطرة والانفراد الكامل لمدة ما بين 50الى 100 عام على الأقل وكان من نتائج هذا الاجتماع قيام الرئيس الأمريكي نيكسون بالإعلان  في عام 1971 عن رفع غطاء الذهب عن الدولار ,مما أعطى الحرية كاملة للفدرالي الأمريكي من ضخ أية كمية من الدولار دون رقيب ,حيث لا يوجد أي إشراف من قبل أية جهة على كمية الدولار ,وللعلم فان الفيدرالي الأمريكي والذي يقوم بدور البنك المركزي الأمريكي هو هيئة مستقلة غير تابعة "كالمعتاد" للحكومة الأمريكية ,بل هو بنك أهلي تملكه بضعة عائلات  وبعض البنوك واغلب هؤلاء المالكين من اليهود ؟!!

 

إن رفع غطاء الذهب عن الدولار في عام 1971 قد تزامن مع اتفاق تم بين الولايات المتحدة الأمريكية وملوك دول الخليج , اكبر منتجي النفط في العالم ,أن يتم تسعير وبيع النفط بالدولار وبالدولار فقط مقابل تعهد الولايات المتحدة بحماية عروشهم , ولا نعرف ولكن نتوقع أن يكون ذلك ضمن الاتفاق الثلاثي المذكور أعلاه ,مما فرض على كل دول العالم دون استثناء السعي للاحتفاظ بأكبر كمية ممكنة من الدولار من اجل تامين احتياجاتها من النفط ,وبما إن سوق النفط هو اكبر سوق في العالم ولا يمكن الاستغناء عنه من قبل أي دولة ,تتضح صورة وحجم الكتلة النقدية للدولار المطلوبة دوليا ,وإذا أضفنا مسالة ارتباط كافة الاقتصاديات والتجارة الدولية , بالسياسة النقدية للولايات المتحدة.


إن ذلك قد أدى مع مرور الوقت إلى إن تتم المعاملات التجارية, لأغلب, إن لم يكن لجميع السلع والخدمات في العالم بالدولار وهذا ما فرض على دول مثل الصين أن يكون احتياطيها من الدولار ترليونا دولار كاحتياطي لدى البنك المركزي الصيني لتؤمن احتياجاتها من النفط, هذا عدا احتياجاتها الأخرى وما تتطلبه من موارد من الدولار وهكذا ,كل دول العالم .


إن هذا الارتباط العالمي بالدولار أدى إلى زيادة في الطلب على الدولار عالميا بصورة مستمرة ومتزايدة سنويا وبمعدلات تصاعدية,قد أعطى الفدرالي الأمريكي الحرية الكاملة في السيطرة والتلاعب بمقدرات العالم من خلال كميات الطبع الإضافية لسد النقص في السيولة والحاجة العالمية للدولار من جانب ولتمويل متطلبات رفاهية المجتمع الأمريكي من جانب آخر ولتمويل كل الفعاليات والحروب التي تقوم بها الحكومة الأمريكية والتي من خلالها تمكنت الولايات المتحدة من الحفاظ على سيطرتها على الاقتصاد العالمي وفي نفس الوقت الإبقاء على مستوى معين ومتزايد من الرفاهية للشعب الأمريكي ,وكل ذلك على حساب أمم الأرض ولتوضيح ذلك يمكن إيراد المثال التالي :


(أشيع إن المرحوم حسين كامل وزير الصناعة والمعادن العراقي في الفترة 1990- 1994 قد سئل مرة عن كيفية بناء الجسر ذو الطابقين رغم عدم توفر الموارد ,فأجاب بأنه قد بناه بطن من الورق )


ولا اعلم مدى صحة القول وماذا كان يعني بكلامه ولكن ما قاله حسين كامل هو ما تفعله أمريكا ومنذ عشرات السنوات والفرق إن الحكومة العراقية التي طبعت العملة بكميات تفوق حاجة المجتمع العراقي وتفوق إمكانياتها وغطائها من العملة. لكن غطائها الحقيقي, هو الإمكانيات والثروات الطبيعية والبشرية التي يزخر بها العراق إضافة إلى إنها كانت مجبرة بسبب الحصار المفروض عليها.وهذا ينطبق على كل العملات في العالم .


أما في أمريكا فان من يغطي الكميات الإضافية التي تطبع من الدولار فهي الإمكانيات الاقتصادية لأمريكا + اقتصاديات العالم اجمع .كيف ؟


أولا_من المعلوم إن الارتفاع والانخفاض في العملات عموما يستند إلى قوة الاقتصاد الذي تمثله تلك العملة وبالرغم من وجود أسباب أخرى مثل المضاربات والأزمات الاعتيادية إلا إن تأثيرها وقتي ونسبي,إن السبب الرئيسي والحقيقي الوحيد الذي يؤثر على سعر العملة وقوتها على المدى البعيد هو قدرة الاقتصاد المرتبطة به .


ثانيا _ ومن المعلوم أيضا إن قوة الاقتصاد الأمريكي في تنامي مستمر منذ الحرب العالمية الثانية ولحد الآن وفي نفس الوقت فان الرفاهية التي خلقها النظام الرأسمالي في أمريكا قد فاقت كل التوقعات,حتى  أصبحت إحدى مميزات المجتمع الأمريكي وبالتالي النظام الرأسمالي, كونها زعيمة هذا النظام ,إذا كان الاقتصاد الأمريكي بهذه القوة وبنمو مستمر وكذلك فان الناتج القومي الإجمالي قد نمى بوتيرة عالية , فما هي الأسباب التي جعلت العملة الأمريكية الدولار تنخفض قيمتها وخاصة خلال العقد المنصرم وبنسب عالية لا تتناسب مع قوة الاقتصاد الأمريكي ؟


رابعا_من ذلك يتضح انه هناك سبب آخر لانخفاض قيمة صرف الدولار قياسا إلى بقية العملات وخاصة انه لم يطرأ على اقتصاديات الدول المصدرة لهذه العملات اية متغيرات غير اعتيادية تفرض قوتها  قياسا إلى الاقتصاد الأمريكي ,او ما يشير إلى تقدم اقتصادها أو ارتفاع نسب النمو لديها وبنسب تبيح هذا الارتفاع لعملاتها أمام الدولار ,مما يعني إن الدولار هو الذي ينخفض وليس العملات الأخرى هي التي ترتفع,نتيجة قوة اقتصادها .


إن السبب الوحيد المقبول علميا والذي يفسر هذا الانخفاض في قيمة الدولار هو الزيادة غير الطبيعية لطبع وضخ الدولار ,وبنسب اكبر بكثير مما تتطلبه الاحتياجات العالمية للاستخدام الطبيعي .


ولكن ما هو المبرر الذي فرض على الفدرالي الأمريكي القيام بطبع كميات اكبر من معدلات الزيادة المقبولة سنويا ,والتي أدت إلى إيجاد كتلة نقدية كبيرة جدا وخاصة داخل الاقتصاد الأمريكي مما أدى إلى الارتفاع أسعار الأصول بدرجة كبيرة خارج معدلات التضخم الطبيعية.

 

إن السبب الرئيسي والمباشر الذي فرض على الحكومة الأمريكية عجزا متزايد وعلى الاقتصاد الأمريكي تحمل أعباء حرب كان المخطط لها أنها نزهة في الهواء الطلق هي المقاومة العراقية بل والإستراتيجية التي اتبعتها والمتمثلة بحرب الاستنزاف طويلة الأجل والتي فرضت على القوات الغازية جلب المزيد من الجنود  والقيام بفعاليات عسكرية متزايدة ومتنوعة للحد من تحركات المقاومة مما أدى إلى استمرارية الحرب والتي لم تنتهي لحد الآن مما يعني استمرار الاستنزاف ,إن تكاليف الحرب المستمرة قد وصلت إلى أرقام خيالية, أثرت على عموم الاقتصاد الأمريكي بل ستؤدي إلى تغيير تاريخ العالم كيف ؟


بعد عام 2000 وبعد استلام بوش الإدارة الأمريكية ,ازدادت الإدارة الأمريكية في تبنيها للأفكار الليبرالية الجديدة (نيو كلاسك )والتي تدعو إلى حرية بدون حدود وتدعو إلى العودة عن الأفكار الإصلاحية الكنزية.


وفي عام 2000 انفجرت فقاعة الانترنيت ,بعد أن دامت نحو عشر سنوات ولكنها لم تؤدي إلى أزمة مالية شاملة ولا إلى تخوف من حدوث كساد اقتصادي ,حيث إن طبيعة القطاع محدودة نسبيا من ناحية الحجم ,وتأثيره على بقية القطاعات وعلى الأفراد محدود ,حيث إن من يشتري جهاز كمبيوتر لا يبغي الاستثمار ولا المضاربة ولا يحتاج إلى الاقتراض ,وهذا ما أدى إلى محدودية تأثيرات انفجار هذه الفقاعة ..


ولكن بما إن الاقتصاد الرأسمالي هو اقتصاد أزمات كما يقولون فان الاقتصاديون الليبراليون بزعامة فريدمان والذي اوجد الفكر الكلاسيكي الحديث(نيو كلاسك) قد وجد من يتبناه من السياسيين وكان آخرهم ممن تبناه وبصورة حادة جدا ,هم من يسمونهم بالمحافظين الجدد ,والذين ربطوا الاقتصاد بهذا المفهوم بالسياسة التي تبنوها والتي بدئوا بتطبيقها على العالم من خلال سيطرتهم على الإدارة الأمريكية وكانت أولى ثمرات سياستهم غزوهم لأفغانستان والعراق .


ما أن انتهت أزمة الانترنيت وقبل أن يجف حبرها ,حتى بدأت بوادر فقاعة جديدة حيث شهد قطاع البناء والتشييد والقطاع العقاري عموما بوادر فقاعة جديدة ,حيث شهد القطاع العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية زيادة ملحوظة بنسبة النمو مما أدى إلى ازدهاره ,واوجد ذلك متنفس لانتقال الأموال إليه من قطاع الانترنيت ,بل وأصبح مصدر جذب كبير للاستثمارات العالمية ومجال يمكن استيعاب فائض أموال الخليج المتأتية من ارتفاع أسعار النفط ,وكل ذلك لم يكن يحصل لولا وجود وتنامي الكتلة النقدية للدولار بطريقة غير طبيعية من خلال ضخ الدولار لمعالجة عجز الميزانية الحكومية والتي فرضت مضاعفة أسعار الأصول في الولايات المتحدة.


بلغ الدين العام الأمريكي عام 2001  حوالي 5,3 تريليون دولار ولكنه وصل إلى 11,3 عام 2008  (ويقدره بعض الخبراء ب 14 تريليون) وهذه الزيادة الكبيرة كانت بسبب غزو العراق بالدرجة الأولى حسب ما ذكره عالم الاقتصاد الأمريكي جوزيف ستيغلر الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد لعام 2001 في كتابه الشهير حرب الثلاث ترليونات والذي ألفه بمساعدة الاقتصادية  ليندا بيلمتر ,حيث ذكر ما نصه (إن الكلف المباشرة وغير المباشرة لحرب العراق ,على الاقتصاد الأمريكي بلغت على الأقل وبحسابات صارمة للغاية أكثر من ثلاث ترليونات دولار ) وان هذه التكاليف تعبر عن التكاليف الداخلية فقط,أما التكاليف الإضافية أو الجانبية أي الخارجية لهذا الغزو قد كلفت الاقتصاد العالمي عموما 6,6 تريليون دولار فيما يخص أسعار النفط فقط ,هذا ما ذكره الدكتور ممدوح سلامه الخبير الاقتصادي ومدير شركة "اوبل ماركت "المستشار لشؤون الطاقة في البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية لشؤون النفط في دراسته المقدمة للبنك والتي وافق عليها الاقتصادي جوزيف ستيغلر ,وبما إن الولايات المتحدة الأمريكية تستورد أكثر من 65% من إجمالي استهلاكها  من النفط وهي اكبر مستورد في العالم ,فيتضح إن الخسارة التي تحملتها بسبب ارتفاع أسعار النفط ,إذا ما علمنا إن ارتفاع عائدات الدول العربية فقط من تصدير النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 240% ,أي حوالي 65 مليار عام 2008 مقارنة بحوالي 27 مليار عام 2003 .


إن عملية غزو العراق قد كلفت الاقتصاد الأمريكي تكاليف باهظة اكبر من قدراته مما اثر على الاقتصاد ومن اجل معالجة الدين العام وإيقاف النزيف المستمر في الاقتصاد لجأ الفيدرالي الأمريكي إلى طبع وضخ كميات غير مسبوقة إضافية إلى السوق مما جعل الكتلة النقدية للدولار تفرض ارتفاع حادا في أسعار الأصول وخاصة سوق العقار الأمريكي مما جعل الفقاعة تكبر بشكل مخيف رغم حجم هذا القطاع الذي لا يمكن التأثير عليه بسهولة


وبالرغم من المحاولات التي تحاول طمس هذه الحقيقة,من خلال إعطاء مبررات أخرى, كسبب للازمة العقارية والتي تطورت إلى أزمة مالية ومن ثم إلى اقتصادية وبسبب العولمة أو النظام العالمي الجديد انتقلت إلى كل اقتصاديات العالم ,إلا أن الحقيقة لا يمكن إخفائها دائما .


إن محاولات البعض بتصوير الأزمة على إنها أزمة ائتمان ,وان الحرية التي استغلت من قبل البنوك الجشعة والتي أدت إلى الأزمة ما هي إلا محاولة الاعتراف ببعض أخطاء الإستراتيجية الاقتصادية للسيطرة المستمرة للولايات المتحدة الأمريكية مقابل التغطية على السبب الحقيقي والذي هو عمود هذه الإستراتيجية. ألا وهو الدولار ؟!   


ويتضح ذلك من خلال محاولة الدكتور هنري كيسنجر مع الخبير الاقتصادي مارتن فيلدشتاين أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد وكبير مستشاري الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان,من خلال مقال نشراه أن يلقيا اللوم على الدول المصدرة للنفط كسبب رئيسي للازمة الاقتصادية حيث ذكرا ما نصه (لم يحدث في التاريخ أن تم انتقال الثروة من بلاد غنية قوية وكبيرة إلى البلاد فقيرة وصغيرة مثلما حدث الآن وهذا له عواقب وخيمة على السياسة الدولية ) .


ما يهمنا من الموضوع هو إن هذه التكاليف التي تحملتها الخزينة الأمريكية سنويا منذ 2003 والتي أدت إلى زيادة المديونية العامة لها قد جعل الفيدرالي الأمريكي يقوم بطبع وضخ ما يعادل تلك المبالغ سنويا إضافة إلى ما يطبعه من معدلات مما سبب تكون كتلة ضخمة من العملة خارج السياقات المسموح بها اقتصاديا ,وهذه الزيادة في المعروض النقدي أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم وذلك بسبب قيام الفيدرالي الأمريكي بشراء سندات الخزينة الأمريكية كلما دعت حاجة الحكومة الأمريكية لذلك لمعالجة ديونها وعجز ميزانيتها المستمر .  


إن طبع الدولارات الفائضة عن حاجة الاقتصاد والتي لا مبرر لها سوى معالجة أخطاء الحكومة الأمريكية بعد عام 2000 والمتمثلة بغزو العراق وما سببه من تكاليف لم تكن محسوبة حيث إن راميسفلد وزير الدفاع الأمريكي قد قدر تكاليف الغزو المتوقعة في المناقشات التي دارت في البيت الأبيض قبل الغزو ب 53 مليار ,إن هذا التكاليف التي زادت على أربعة تريليون دولار بعد الغزو قد أدت إلى زيادة طبع الدولار لتفادي عجز الحكومة وهذه أدت إلى  زيادة في أسعار الأصول أضعاف القيمة الحقيقة لهذه الأصول وهذا ما حدث في سوق العقار الأمريكي ما بين 2001 لغاية منتصف 2007 موعد انفجار فقاعة العقار ,علما بان طبع الدولار لا يخضع لأي إشراف ومن أي جهة على الكميات المطبوعة وان حجم المطبوع غير معروف ولكن يتم تقديره من خلال حجم النفقات الحكومية فقط أو ما يماثل ذلك من إصدارات الخزانة الأمريكية .


إن هذا الوضع والذي تزامن مع الازدهار الكبير لسوق العقار بعد 2001 قد شجع البنوك وشركات الإقراض على اللجوء إلى الإقراض العقاري مرتفع المخاطر وساعد على ذلك عدم وجود الرقابة بل الانفتاح ورفع القيود التي كانت تحدد منح القروض ,مما أدى إلى منح قروض ضخمة لمقترضين لديهم سجل ائتماني ضعيف أو يفتقدونه أصلا ,حيث بلغ حجم القروض التي منحتها المؤسسات المالية العقارية إلى ما يزيد عن 700 مليار دولار لتمويل عمليات تشييد وبناء وتغطية القروض الفردية المباشرة للمستفيدين من القروض السكنية .


أي أن التسهيلات الممنوحة من قبل المؤسسات المالية للمقترضين قد أدت إلى زيادة في الطلب على الوحدات السكنية ,ومن جانب آخر فان الزيادة في حجم الكتلة النقدية قد أدى إلى ارتفاع أسعار الوحدات السكنية والعقارات والأصح مضاعفة هذه الأسعار قد أدى إلى انتفاخ الفقاعة حتى وصلت إلى ذروتها ,ليأتي دور ارتفاع معدلات أسعار الفائدة والذي أدى إلى زيادة أعداد المقترضين الممتنعين عن تسديد الأقساط المستحقة,بل و مضاعفتهم مما فرض على البنوك الاستحواذ على عقاراتهم المرهونة وعرضها للبيع ,وهذا أدى إلى زيادة في معروض الوحدات السكنية مما أدى إلى الانخفاض في الأسعار ,وهذا ما أدى إلى انفجار الفقاعة .


إن المشكلة الرئيسية الآن هي في كيفية معالجة الأزمة ,والتي يصر مسببيها على معالجتها بنفس الأسلوب والفكر الذي أوجدها ,ونقصد بنفس رؤى المدرسة الكلاسيكية الحديثة ,حيث ما زالوا يصرون على إن معالجة الأزمة يكمن في مساعدة المؤسسات المالية المنهارة على تجاوز أزمتها من خلال تقديم مساعدات عاجلة لها تنتشلها من الإفلاس .


كان هناك اطمئنان لدى كثير من الاقتصاديين إلى إن الوضع آمن ولا توجد مخاطر تهدد علاقات الاقتصاديات العظمى بالدول النامية طالما إن الفوائض المالية يتم تدويرها من أصول في مختلف أنحاء العالم وإنها في النهاية تستقر في الأصول المالية الأمريكية وتؤدي وظيفتها في تمويل الرفاه الاقتصادي الأمريكي القائم على الاستهلاك الذي يموله عجز تجاري مزمن يغطى بالتوظيف المالي في أصول أمريكية منها سندات الخزينة وهذا ما أسقطته الأزمة المالية بل أوجدت المعكوس للاطمئنان , حيث تشير التقديرات التي قامت بها مؤسسة غلوبال الاقتصادية الأمريكية على إن حجم الصناديق السيادية تزيد على 3,5 تريليون ولا يشمل ذلك دول الخليج وحدها بل كل من النرويج والصين وسنغافورة وروسيا ونيجيريا والبرازيل وكازاخستان وانغولا ,واكبر هذه الصناديق المعلنة هي صندوق أبو ظبي 875 مليار ,سنغافورة 330 مليار ,والسعودية 300 مليار والصين 1,2 تريليون والكويت وروسيا (غير معلنه),وإذا أضفنا الاستثمارات الفردية واستثمارات الشركات والتي لا يمكن تقديرها سيتضح حجم الكارثة التي ستحل بهذه الدول حيث تشير بعض التقديرات إلى إن دول الخليج وحدها قد خسرت ما لا يقل عن 2500 مليار في هذه الأزمة.أما حجم الكارثة في الجانب الثاني وهي الولايات المتحدة في حالة إعادة النظر بتوظيف هذه الاستثمارات أو إبقائها في الولايات المتحدة فلن تتضح بسهولة, وفعلا فأن كافة الدول المصدرة للفوائض المالي كالصين وروسيا والدول المصدرة للنفط قد بدأت تعيد النظر في سياسات الاستثمار لصناديقها السيادية وتتجه بدرجة اكبر نحو الاستثمار في داخل اقتصادياتها أما الاستثمارات الشخصية واستثمارات الشركات فقد بدأت في الرحال .


وإذا كانت الولايات المتحدة متمكنة من الضغط على بعض الدول من اجل الاستمرار في نهجها الاستثماري السابق فمن المؤكد إنها لن تستطيع مع الجميع ولن تستطيع مع المؤسسات الأهلية والأفراد ,وكرد عفوي أو مقصود تراجعت استيراد أمريكا من السلع الصينية والآسيوية عموما وهذا طبيعي مع السياسة الحمائية للحكومة الأمريكية من اجل الاعتماد على المنتجات المحلية والتي يجب أن تستعيد نشاطها لتوفير فرص العمل لفيالق العاطلين .   


لقد كانت هذه الصناديق لعبة بيد الولايات المتحدة توجهها بالاتجاه الذي يخدم مصالحها فقط حيث إن المؤتمر الأخير لدول السبع الغنية المنعقد في نيسان 2008 قد طلبت من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وصندوق النقد الدولي دراسة صناديق الثروة السيادية وإعداد قائمة تتضمن أفضل الممارسات لتوجيه استثماراتها؟! .


كما قالت وزيرة الاقتصاد الفرنسية كريستين لاغارد, إن مجموعة السبع قد طلبت من صندوق النقد وضع مدونة سلوك حول الصناديق السيادية .


إن ذلك كله يوضح بما لا يقبل الشك إن مناطق الجذب الاستثمارية التقليدية لا بد أن تتغير من الناحية المكانية والقطاعية وسيشملها التنويع ,حيث إن معالم وبوادر تشكيل نظام علمي جديد تتضح لنا يوم بعد يوم .


سمات السياسة الاقتصادية والمالية خلال المستقبل


إن النظام العالمي الاقتصادي والمالي الحالي قد أسس من قبل الولايات المتحدة كما عرفنا ,أما النظام الذي سيؤسس أو في طريقه للتأسيس جاء بسبب الأزمة وليس بإرادة أي من الدول, بل أخطاء الرأسمالية بمفهومها الحديث نيو كلاسك هي التي سهلت بل وفرضت بداية تشكيل نظام جديد لم تتضح معالمه لغاية الآن ولربما لسنوات قادمة ,ولكن يمكن تحديد اتجاهاته من خلال استقراء الأوضاع الاقتصادية والمالية واتجاهاتها ومن هذه السمات :


1_ إن المؤشرات تدل على أن الدول الغربية ومن خلال إجراءات الحمائية التي قامت بها أو تدعو لها,تعني اتجاها جديدا مناقضا للعولمة,وخاصة الولايات المتحدة إلى محاولة إعادة الاعتماد على المنتجات المحلية وإعادة الصناعة التي طردتها إلى دول العالم من اجل استعادة نشاطها لتوفير فرص العمل التي فقدتها السوق الأمريكية وبقية الأسواق الغربية,وهذا اكبر دليل على محاولتها نسف أسس منظمة التجارة العالمية التي أوجدتها ورعتها ,لأنها أصبحت عائق أمامها وانتهت فترة صلاحيتها هذه المنظمة التي أعلن عن تأسيسها بعد انتهاء جولة الاورغواي عام 1996 والتي كانت بداية مرحلة جديدة للاقتصاد العالمي تتميز برفض أي حاجز أمام التبادل التجاري العالمي والتي هي حركة السلع والخدمات ورأس المال وتكنولوجيا المعلومات والأيدي العاملة وهذا ما ستفعله اغلب الدول ,أي العودة إلى الاقتصاديات القطرية.


2_إن العولمة قد سمحت للكثير من الاستثمارات الأمريكية التوجه إلى مناطق جذب جديدة ,مثل جنوب شرق آسيا والصين وأمريكا الجنوبية وكان ذلك بتشجيع الدول الغربية وخاصة أمريكا ,أما بعد الأزمة والتي ستؤثر تأثير بالغ على حجم الاستثمارات الأجنبية وخاصة الخليجية الداخلة إلى الولايات المتحدة والتي كانت تعوض عن الاستثمارات الخارجة منها إلى الخارج ,مما سيسبب اختلال في الموازنة مما سيفرض على الدول الغربية إتباع سياسة حمائية تجاه الأموال الخارجة .


3_إن الأزمة قد بينت هشاشة النظام المالي الغربي وكذلك النظام النقدي عموما والنظام الرأسمالي بالمفهوم الحديث  إضافة إلى  اكتشاف الكثير من السرقات والاختلاسات في البورصات العالمية والتي أضعفت الثقة بالمؤسسات المالية ,والذي سيؤدي إلى زيادة الاتجاه العام نحو الاستثمارات الاقتصادية العينية بدلا من الاستثمارات الاقتصادية المالية.


4_إن حرية انتقال رؤوس الأموال بحرية والتي هي أهم مقومات العولمة قد مهدت إلى استغلالها للتهرب الضريبي وبمساعدة بعض الأنظمة المصرفية مثل سويسرا ولوكسمبورج و النمسا والإمارات,وقد قدرت الدكتورة عالية المهدي إن حجم الأموال التي يتم التعامل بها عالميا خارج نطاق الرقابة تصل إلى 600 تريليون دولار وفقا لتقديرات بنك التسوية الدولية ,وهذا ما سيؤدي إلى الحد من الحرية الحالية لانتقال رؤوس الأموال وبالتالي إلى تحديد حرية الاستثمار بل إنها ستكون إحدى المبررات التي سيستعين بها المتمسكون بالنظام الحالي الدفاع عن الإجراءات الحمائية مستندين إلى هذه المسالة التي لم تكن جديدة ولكنها متجددة.


5_لقد بينا في بحثنا كيفية استغلال الولايات المتحدة الأمريكية الدولار للسيطرة على اقتصاديات العالم ,ولأول مرة تتجرأ دولة من الدول الصناعية الكبيرة على المطالبة العلنية وهي الصين على إيجاد نظام نقدي جديد وذلك قبل مؤتمر دول العشرين المنعقد في لندن وزادت عليه الأمم المتحدة التي طالبت بذلك ,وبالرغم من امتناع الولايات المتحدة الأمريكية من الاعتراف بدور الدولار في الأزمة وسكوت بقية الدول على مضض إلا إن الاتجاهات العامة تشير إلى بداية التفكير الجدي بإيجاد صيغة بديلة للدولار علما بان العراق هو الدولة الرائدة في التنبه لذلك والتنبيه حيث قرر في منتصف العقد الماضي بيع نفطه باليورو بدل الدولار.


6_ستشهد المرحلة القادمة تراجع الصادرات وهذا سيجبر الاستثمار الداخلي على الاتجاه نحو الإنتاج من اجل الاكتفاء الذاتي بدلا من الإنتاج من اجل التصدير الذي شكل نسب كبيرة مؤخرا في الكثير من اقتصاديات الدول الناشئة حيث تراجعت نسبة النمو في التجارة العلمية وكما يلي ,عام 2007 _6% وعام 2008 2% وعام 2009_9%, مما يؤكد رأي الباحث ,وهذا بدوره سيجلب الاستثمارات إلى هذا الاتجاه ,أي إن الطلب الداخلي هو الذي سيحدد نوعية وحجم الإنتاج في تلك الدول وسيكون الشرط الأساسي للاستثمار توفر السوق والطلب الداخلي لاستيعاب الإنتاج المزمع الاستثمار فيه,وهذا مؤشر على العودة إلى المفاهيم الكنزية.


7_يرى الباحث إن الطلب هو العامل الذي سيكون حاسم في المرحلة ألمقبله سواء على مستوى الاستثمار أو الإنتاج,واكبر دليل على ذلك ما ذكره تقرير المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي الفرنسي دومنيك ستراوس في تقريره المقدم إلى اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في لندن بداية عام 2009 , فان نسب البطالة والتي وصلت إلى 8,5% في الولايات المتحدة ونسب انخفاض النمو في الناتج القومي العالمي _1%  مثلا لا تتناسب مع نسب انخفاض الطلب العام الذي وصل إلى مستويات متدنية ,وهذا يوضح إن مشكلة الاقتصاد العالمي أو الأزمة الحالية لا يمكن معالجتها إلا من خلال معالجة الطلب الاستهلاك والذي تصل نسبته إلى 75% من الطلب في الولايات المتحدة الأمريكية مما يفرض العودة إلى المعالجات والتحليل الكنزي. 


إن وضع الدولار الذي كانت تغذيه الأنظمة الرأسمالية والأنظمة المرتبطة بها حتى في الأحوال التي يكون على حساب مصالحها القومية والتي فرضت على بقية الدول وخاصة ذات الاقتصاديات الناشئة مثل الصين والهند وعموم آسيا ودول أمريكا الجنوبية قد انتهت أيامه السعيدة  ,لذا نجد إن التقبل لدى الاقتصاديات الحديثة نحو تغيير اعتمادها على عملة الدولار الأمريكي كعملة عالمية أساسية ووضع عملات بديلة ليس بالصدفة أو لأسباب سياسية فقط وإنما اقتصادية أيضا ,وهي إن حجم العائد الذي كان يوفره الدولار الأمريكي لمتداوليه كان مرتفع جدا قياسا بحجم المخاطرة التي تقع عليهم ,وبسبب الظروف الاقتصادية التي ذكرناها أعلاه والسياسة فقد تغير حجم الفارق بين العائد والمخاطرة وأصبح ما يوفره العائد من مستوى لا يكفي بحجم المخاطرة التي تقع على متداوليه مما جعله خيار غير سليم اقتصاديا ,خاصة مع وجود بدائل أخرى من العملات الأجنبية والتي طرح أسلوب السلات بالنسبة للعملات المستخدمة اقتصاديا كونها تحقق مستوى من العائدية والاستقرار أكثر من المخاطرة الواقعة عليها قياسا باستخدام عملة واحدة .


سيبقى العراق بل المقاومة العراقية شاءوا أم أبوا اعترفوا الآن أم غدا هي التي قوضت زعيمة الامبريالية العالمية وأنهت إمبراطوريتها بل وانهت ظاهرة العولمة ,علما بان المسلسل لم ينتهي حيث إن المشكلة الإضافية هي النفقات التي تتطلبها معالجة ألازمة الحالي إضافة إلى الاستنزاف المستمر في العراق والذي لم ينتهي بعد, حيث أعلن الفيدرالي الأمريكي في منتصف مارس _آذار 2009 عن ضخه مبلغ 300 مليار دولار جديدة إلى البنوك الأمريكية وفي نفس الوقت قيامه بشراء سندات الخزينة الأمريكية بمبلغ 1,2 تريليون دولار لسد العجز المزمن والمتجدد والمتزايد للحكومة الأمريكية والتي تحتاجه الآن لمعالجة متطلبات الأزمة أي إن مسلسل طبع وضخ الدولار سيتضاعف ولكن إلى ماذا سيؤدي من خراب مستقبلا ؟ وكيف لا إذا ما علمنا إن سعر كلفة الطبع للورقة فئة المائة دولار تكلف البنك الفدرالي الأمريكي أربعة بنسات فقط ؟!!

 
 
كيفية طباعة المقال
 
 

شبكة المنصور

الخميس / ٢٠ ربيع الثاني١٤٣٠ هـ

***

 الموافق ١٦ / نـيســان / ٢٠٠٩ م