عمامة الملالي وطاقية اليهود وحدة الإستراتيجية و اختلاف التكتيك

﴿ الجزء الرابع ﴾

 

شبكة المنصور

علي الكاش / كاتب ومفكر عراقي
سباق التسلح الصهيوني والإيراني

 

يعتبر السباق النووي والذي يقصد به تكثيف الجهود لتحقيق نوع من التفوق العسكري وترجيح كفة السلاح النووي لدولة ما أزاء بقية الدول التي تناصبها العداء او بسبب الاخلاف الايديولوجي مما يشكل خطرا على أمنها الوطني أو القومي، وهذا النوع هو احد أهم وأخطر أنواع سباق التسلح مقارنة بالأسلحة القليدية, أما مفهوم سباق التسلح بشكل عام فهو تخصيص نسبة عاليا من النفقات الحكومية لشراء الأسلحة والذخيرة من دول أخرى أو تخصيص تلك النفقات لطوير الأسلحة المحلية تقليدية كانت أو من أسلحة الدمير الشامل بغية تحقيق التوازن أو التفوق العسكري مع دولة أو دول أخرى، أو ترجيح الكفة التسليحية للدولة أزاء تلك الدول بغية المحافظة على أمنها الوطني أو لتحقيق اهداف توسعية.


من الصفات المشركة بين اليهود والفرس هو سعيهما المحموم في سباق التسلح والذي يعني تأمين القوة اللازمة لحقيق خططهما التوسعية في المنطقة العربية والهيمنة على مقدراتهم السياسية والاقصادية والثقافية, وقد دفع هذا السباق الدول العربية الى مجاراة هذا السباق في محاولة لحقيق التوازن مع التسلح الصهيوني والفارسي والرد على الهديدات المستمرة التي يعبر عنها المسئولين الصهاينة والفرس. ومن الطبيعي ان سباق التسلح الصهيوني والفارسي ينطلق من قاعدة الهيمنة والرغبة في التوسع والإحتلال و عدم الرغبة في إقامة علاقات حسن جوار مع الدول العربية أو حل المشاكل العالقة بالطرق السلمية وهذا ما يتجلى بوضوح في مشكلة الجزر العربية الثلاث التي احتلتها إيران رافضة الحوار بشأنها مع الإمارات أو عرض المشكلة على محكمة العدل الدولية. كذلك رفضها التعاون مع مجلس التعاون الخليجي في مسألة تداعيات ومخاطر ملفها النووي على منطقة الخليج العربي. ويبدو ان التصريحات التي اطلقتها الثورة الأسلامية في بداية تسلم الحكم من التخلص من أرث الشاه وإعادة العلاقات الطبيعية وحسن الجوار كان تكتيك مرحلي فرضته الطور الجنيني للثورة الذي لم يشتد بعد وقد أفصح عن تلك الحقيقة (د. عطاء الله الهاجراني) في حملة خاتمي الإنتخابية بقوله " إن إيران كحكومة ثورية كانت بحاجة منذ ايام الثورة الأولى لبناء علاقات حسن جوار وهي حالة ضرورية ملازمة لكل الثورات، الغرض منها أن نتمكن من إعادة هيكلة نظامنا السياسي والاقتصادي والإجتماعي".


ولكون النفقات العسكرية غالبا ما تتجاوز المعلن من الاحصائيات واحيانا تفصل عنها نفقات الأمن الوطني لذلك من الصعب التقي عنها والوصول الى حجمها الفعلي, ومهما يكن من أمر فأن النفقات العسكرية غالبا ما تشكل عبئا ثقيلا على النفقات الحكومية وتمتص من النفقات المخصصة للجوانب التنموية والتعليمية والصحية والثقافية, فكلما ارتفعت كفة النفقات العسكرية كلما هبطت كفة النفقات الأخرى لاسيما تلك التي لها علاقة مباشرة برفاه المواطن ورخائه. واحيانا يتم تمويل النفقات الحربية عن طريق الديون الخارجية أوالمساعدات الخارجية (كما في إسرائيل التي تحصل سنويا على حوالي(4) مليار دولار كمساعدات من الولايات المتحدة والمنظمات الصهيونية العالمية) وكذلك عن طريق الضرائب أوعجز الميزانية أو تخفيض النفقات على القطاعات المدنية.


أشارت العدد من التقارير الدولية الى سباق التسلح الايراني الذي أشتد بعد إنتهاء الحرب لعراقية الإيرانية والذي فقد مسوغاته بإنتهاء الحرب كما يفترض، وأبدت الدوائر الغربية والعربية تخوفها منه سيما بعد أن أعلن رئيس البرلمان الأيراني عام 1988 بوسائل الإعلام " إننا يجب أن نسلح أنفسنا بجميع الاسلحة الدفاعية والهجومية والكيمياوية والبيولوجية والإشعاعية"، وقد حذرت الإدارة الأمريكية على لسان توماس غراهام كبير ضباط التسليح في إدارة الرئيس كلينتون من الإندفاع النووي الإيراني، كما أن الرئيس الأمريكي جورج بوش ذكر بعد قمة دول بحر قزوين بأن" إيران تدفع العالم نحو حرب عالمية ثالثة", فقد تعمد النظام الأيراني بعد تعرضه لعلقة ساخنة من الجيش العراقي البطل خلال حرب الثمان سنوات هوسا جنونيا في سباق التسلح وقام ببناء جيش ضخم رغم إنتهاء الحرب ووزع من مصادر إستيراده من الأسلحة بعد أنه أيقن أن السلاح الأمريكي لم يسعفه أزاء حربه العوانية ضد العراق, علاوة على فشله في توفير قطع الغيار للأسلحة الأمريكية بعد فرض الحظر التسليحي عليه وتعرض معظم اسلحته للتدمير والأندثار خلال حربه العدوانية على العراق.


لذلك فقد توجه النظام الإيراني الى بناء مؤسسات للتصنيع العسكري المحلي مستفيدا من العلماء الهاربين من الإتحاد السوفيتي السابق الذين حملوا معهم معلومات وخبرات تقنية عالية في الإنتاج التسليحي لاسيما أسلحة التدمير الشامل, كما ساعد الإرتفاع القياسي في أسعار النفط على تنفيذ خططه تلك. والغرض من هذا السباق المحموم هو وضع إستراتيجية التوسع والهيمنة في المنطقة موضع التنفيذ أو الإنتقال من النظرية الى التطبيق. وفي تقرير أعده (إيدي هنري) مراسل البيت الأبيض نقل عن الرئيس بوش تحذيره من التطلعات النووية للرئيس الإيراني أحمدي نجاد. وشبه قطب المحافظين الأمريكان( نورمان بودهورتز) الرئيس نجادي بهتلر من خلال سعيه المجنون للإطاحة بالنظام الدولي الراهن بنظام إيراني بديل يفرض هيمنته بواسطة الفاشية الإسلامية". رغم ان هذه الدعوى مفرغة من الحقيقة فلا يوجد ما يسمى بالفاشية الإسلامية ولا الإرهاب الإسلامي ولا التطرف الإسلامي وإنما هناك أرهاب وتطرف وفاشية, وجميعهم صناعة غربية! والفاشية مصطلح غير إسلامي ويتانفى مع روح الإسلام والدول الإسلامية هي التي دفعت ثمنا باهضا للفاشية في حرب عالمية ليس فيها ناقة ولا جمل وأستعمرت بعدها إستعمارا يتجاوز صفة الأرهاب, ومع هذا لم يدعي المسلمون أن الإرهاب والأستعمار والفاشية كانت مسيحية! لإيمانهم بأنه لا توجد علاقة بين روح الأديان والاعيب الشيطان! كما ان النظام الأيراني رغم حمى التسلح الملازم له فإنه غير قادر على أن يشكل خطرا جديا على النظام الدولي رغم انه يشكل تهديدا مباشراعلى منطقة الخليج العربي وغير مباشرعلى الشرق الأوسط, فالولايات المتحدة التي عصفت بسبحة الأتحاد السوفيتي السابق وجعت خرزه متناثرة هنا وهناك لقادرة ان تعصف بنظام الملالي كما يعصف إعصار بشجرة فيقلعها من جذورها فالناتج المحلي الامريكي يعادل اكثر من (70) مرة نظيره الإيراني وحجم الأنفاق العسكري الأمريكي اكثر من نظيره الإيراني بما يزيد عن(110) مرة ناهيك عن أسلحة التدمير الشامل والقوة البحرية والجوية التي تمتلكها الولايات المتحدة لتي تجعل القزم الأيراني يلوي رقبته الى الأعلى ليعرف حجم العملاق الذي يتحداه!


أن تبني إستراتيجية التوسع والهيمنة للكيان الصهيوني والنظام الإيراني جعل كل منها يسعى لبناء قوات مسلحة كبيرة وقدرات تسليحية متطورة قادرة على تنفيذ تلك الإستراتيجية وبنفس الوقت قادرة على ضرب أية قوة عربية يمكن أن تواجهها أو تعطلها أو تؤخر تنفيذها أو تشكل خطرا لها’ لذلك اندفعا كلاهما الى تطوير مصانع التسليح المحلية والذي تجلى في تقليل واردتهما من الأسلحة, مع العلم ان الكيان الصهيوني يعتبر متقدما من هذه الناحية عى النظام الإيراني فالنفقات التسليحية العالية في الكيان الإسرائيلي لم تؤثر على النفقات الحكومية في بقية القطاعات فهي تعادل ما ينفق على الجوانب الصحية والتعليمية والخدمية، على العكس من النظام الإيراني الذي يعاني شعبه من الفقر وتدهور القطاعات الصحية والتعلمية والخدمية نتيجة ارتفاع معدلات الأنفاق العسكري, وفي الوقت الذي تمتص مصانع الأسلحة الإيرانية رحيق الإقتصاد الإيراني فإن مصانع الأسلحة الإسرائيلية التي يزيد عددها عن(180) مصنع وبقوى عاملة تقدر بحوالي(120) ألف عامل تدعم اقتصادها حيث انها تصدر من الأسلحة ما قيمته(15) مليار سنويا وتوجه عوائدها على الصناعات الألكترونية والكهربائية وتكنلوجيا الإتصالات والمعلومات, كما انها تستفيد من المساعدات الخارجية التي تتجاوز (4) مليار سنويا، وهذا ما تفتقر اليه إيران. وفي الوقت الذي تشكل نسبة الأستثمار في الكيان الصهيوني 21% من الناتج القومي ويزيد على الإنفاق العسكري 10% فإن الأستثمار الإيراني يبلغ حوالي 16% من الناتج المحلي ويزيد عن الأنفاق العسكري 1%.


لذلك فإن الكيان الصهيوني وايران يحتلان مكانة الصدارة في منطقة الشرق الأوسط بعد إنتهاء الحرب الباردة في برامج التسليح البري والجوي والبحري إنتاجا وتطويرا وتسابقا في مجال إنتاج أسلحة التدمير الشامل النووي والكيمياوي والبيولوجي و تقدر بعض مراكز الدراسات الإستراتيجية بأن النفقات التسليحية تتراوح ما بين 50- 100 مليار خلال فترة أقل من عشر سنوات, وفي الوقت الذي يعتمد فيه الكيان الصهيوني على الولايات المتحدة في هذا مجال التصنيع الحربي فأن النظام الإيراني يستعين بجمهوريات الإتحاد السوفيتي السابق والصين وكوريا الشمالية. ولاشك إن جزر النوايا الحسنة وتبادل الثقة وعلاقات حسن الجوار أمام مد الأزمات وتصعيد التهديدات أدى الى إغراق المنطقة بالأسلحة, ويمكن الجزم بأن النظام الإيراني والكيان الصهيوني هما من أطلق مارد التسلح من قمقمه في المنطقة العربية وهما القادران على إعادته الى قمقمه. وقد بانت حقيقة نظرتهما التوسعية ومحاولة الهيمنة على المنطقة بوضوح خلال الآونة الأخيرة وإزادت شراهيتهما وسال لعابهما في ظل غياب العراق عن الساحة فإستفردا بالمنطقة.


لقد أدى تسابق التسلح الصهيوني الإيراني الى تصاعد وتائر الفزع والتوتر والأزمات في المنطقة بما فيها الدول العربية التي ترتبط بإتفاقيات سلام مع الكيان الصهيوني, وان كانت تلك الأتفاقيات تبعث القليل من الإطمئنان بين أطرافها فإنه لا توجد عوامل تؤمن الأطمئنان من النظام الأيراني بل العكس من ذلك فان التصريحات التي يطلقها الزعماء الإيرانيين بين آونة واخرى توقظ المخاوف العربية وتشحن بطارية التوتر كلما خفت قوتها, ناهيك عن تشجيع النظام الأيراني للحركات الأنفصالية والمتمردة في العديد من دول المنطقة كالعراق ودول الخليج العربي ولبنان واليمن وبقية دول العالم ولاشك ان هذه التصريحات وما يرافقها من سباق تسلح جعلت عامل التوجس والترقب يخيم على دول المنطقة مما أدى بالنتيجة الى توجهها أيضا لبناء ترساة تسليحية لمواجهة التحديات و التهديدات الأيرانية من جهة والأسرائيلية من جهة أخرى, وفد أدى ذلك الى وضع عصا في دولاب التنمية الأقتصادية لتلك الدول فالنفقات العسكرية الضخمة أثرا تأثيرا كبيرا على الإنفاق التنموي وأخرت الكثير من مشاريع البناء والتعمير وتعدته الى قضم الإنفاق على القطاعات الخدمية.


وتشير إحصائيات التنمية البشرية بأن دول الخليج تنفق ثمانية أضعاف ما تنفقه إيران على الأسلحة وان هذه النسبة مرشحة للزيادة بفعل التهديدات الإيرانية المتتالية لدول الخليج وسباقها النووي والمناورات العسكرية التي تجريها في الخليج العربي. فقد بلغ الأنفاق الحربي الإيراني للفترة من 1983- 2002 ما يقارب(137) بليون دولار مقابل(533) بليون دولار للمملكة العربية السعودية، وتشير احصائيات البنك الدولي الى أن متوسط إلانفاق العسكري للبحرين يبلغ ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي في الدول الأوربية والذي يبلغ نسبته حوالي5،5% لنتاجها المحلي! ويبلغ الأنفاق العسكري في الأمارات ما يزيد عن 4% من انتاجها المحلي الأجمالي، والسعودية 13%.


ويلاحظ ان الكيان الصهيوني ونظام الملالي بين فترة وأخرى يقومان بمناورات عسكرية لغرض بث الرعب والفزع بين دول المنطقة وزيادة هاجسها الدفاعي فهي رسائل تهديد ووعيد لدول الجوار, ومع كل مناورة إيرانية تعلن عن توصلها الى سلاح مدمر جديد ففي المناورات التي أطلقت عليها تسمية ( ضربة ذو الفقار) واختيار هذه التسمية واضح لأغراض دعائية كشفت عن إنتاج مقاتلة محلية الصنع توازي بكفائتها طائرة(F18 ) كما أدعت , وفي مناورة ( الرسول الأعظم) أعلنت عن إنتاج صاروخ أرض- بحر سريع المناورة وقابل على الإفلات من الرادارات سمته(الشبح), وفي مناورة أخرى قرب مضيق هرمز أعلنت عن أنتاج صاروخ( كوثر) متوسط المدى, فإن كانت العلاقات الأيرانية مع إسرائيل طبيعية ولا يوجد عداء بينهما وإذا كانت العلاقات الإيرانية مع الشيطان الأكبر كما عبر عنها رافسنجاني" لا نعادي أمريكا ونريد بوادر حسن النية" فمن المؤكد ان المناورات وسباق التسلح هو رسالة لدول الجوار قبل غيرها, وعندها تصح مقولة الشيخ النعمامي في كتابه الغيبة ص155" ما بقي بيننا وبين العرب إلا الذبح".

 
 
كيفية طباعة المقال
 
 

شبكة المنصور

الاحد / ٢٣ ربيع الثاني١٤٣٠ هـ

***

 الموافق ١٩ / نـيســان / ٢٠٠٩ م