هل سيرمم أوباما نظام القطب الواحد أم أن للشعوب كلمتها !

 
 
 

شبكة المنصور

الدكتور عبد الواحد الجصاني

أولا: المقدمة

كان إنتصار المقاومة العراقية على الغزو والإحتلال الأمريكي في مقدمة الأسباب التي أدت الى الإنهيار المتسارع للأسس الفكرية والسياسية والعسكرية والإقتصادية والثقافية التي يقوم عليها النظام الدولي أحادي القطب الحالي، وأصبح هذا النظام أمام خيارين لا ثالث لهما : إما الإنهيار التام ليقوم محله نظام دولي جديد متعدد الأقطاب وعلى أسس فكرية وسياسية وإقتصادية وثقافية جديدة، أو أن تسارع أمريكا والغرب بإدخال بعض (الإصلاحات) على هذا النظام وباقل التضحيات الممكنة لوقف إنهياره وإعادة تثبيت ركائزه والحفاظ على المكتسبات التي حققها الغرب منذ مرحلة الإستعمار.

 

وسارعت أمريكا، والغرب عموما، باللجوء الى الخيار الثاني وصححت بعض مسارات هذا النظام لجعله أكثر قبولا داخليا وخارجيا. ويأتي خطاب أوباما في جامعة القاهرة كجزء من هذه العملية.

 

وبالمقابل، فإن الشعوب المضطهدة، التي لها مصلحة حقيقية في إستبدال هذا النظام المبني على الظلم والإحتكار وقانون القوة بنظام دولي جديد لا أقطاب متنفذة فيه قائم على قوة القانون والحقوق المتساوية للشعوب، لم تغتنم هذه الفرصة التاريخية لإستعادة حقوقها كاملة. إن هذه الإشكالية تطرح السؤال الجوهري : كيف يمكن الإجهاز على كل مظاهر الظلم والتمايز في النظام الدولي الحالي وتوفير شروط ظهور عصر الشعوب.

 

إن على المفكرين والمثقفين والسياسيين مسؤولية كبرى في بناء وتعزيز الأسس الفكرية والقانونية والعملية للثورة العالمية على نظام القطب الواحد. وعلى العرب منهم مسؤولية مضاعفة، فهم الذين زلزلوا أركان هذا النظام وإنتصروا عليه، ومطلوب منهم أن يواصلوا دورهم في عملية صناعة النظام الدولي البديل.

 

ثانيا : أسس وأركان النظام الدولي الحالي

1 - النظام الدولي الحالي وضع أسسه السياسية والإقتصادية والعسكرية المنتصرون في الحرب العالمية الثانية : الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والإتحاد السوفيتي والصين.

 

فعلى المستوى السياسي وزعوا مناطق النفوذ بينهم (مؤتمر يالطا 1945) وأنشأوا الأمم المتحدة لكنهم إختزلوها بمجلس الأمن الذي عهدوا له بالمسؤولية الأساسية في حفظ السلم والأمن الدولي، وإختزلوا بمجلس الأمن بأنفسهم واعطوا لكل واحد منهم العضوية الدائمة في المجلس وحق نقض أي قرار أو موقف حتى وإن عبّر عن رغبة المجتمع الدولي برمّته.

 

وعلى المستوى الإقتصادي أبرموا إتفاقية (برايتون وودز) التي أسست النظام المالي الدولي الحالي وتحكمت بالتجارة والتعاملات المصرفيّة وكل التعاملات المالية بين الدول، وعلى أساس هذه الإتفاقية أنشيء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ثم منظمة التجارة الدولية، واعتمد الدولار الأمريكي عملة مرجعية، وخضع الاقتصاد العالمي لهيمنة أمريكية وأوروبية على حساب دول الجنوب التي حرمت من فرص التنمية وتدفقات راس المال، وما فتئت الهوة تتعاظم في الدخول والثروات بين دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة.

 

وعلى المستوى العسكري شرعنت الدول الخمس إمتلاكها للسلاح النووي بموجب معاهدة عدم إنتشار الأسلحة النووية لعام 1968، وحرّمت على الآخرين، عدا من تقرر هي، حيازته. ومع أن هذه المعاهدة طالبت الدول النووية بنزع أسلحتها النووية إلاّ أن هذه الدول واصلت سباق التسلح النووي وأصبحت ترسانتها النووية قادرة على إبادة الحياة في الأرض مئات المرات، كما أنها تعمل حاليا على نقل سباق التسلح الى الفضاء الخارجي وتلويث الفضاء بعد أن لوثت بيئة الأرض التي هي الأرث المشترك للإنسانية جمعاء.

 

2 - وفي بداية الخمسينات من القرن الماضي حصل صراع عقائدي بين قادة هذا النظام الدولي أدى الى تشكيل حلف الناتو عام 1949 وحلف وارسو عام 1955 وظهور القطبية الثنائية، إلاّ أن أسس هذا النظام بقيت كما هي بإستثناء تعطيل بعض آليات الهيمنة، مثل مجلس الأمن، نتيجة التعارض بين مصالح القطبين. ثم جاء إنهيار الإتحاد السوفيتي عام 1989 ليؤدي إلى تفرد أمريكا بقيادة العالم، وظهور نظام القطب الواحد المستند الى نظرية التفوق العنصري وجبروت القوة الغاشمة والحروب الإستباقية وإحتقار القانون الدولي. وقد حدد بوش الأب في خطابه أمام الكونجرس يوم 14/4/1991 دور أمريكا في هذا النظام العالمي بقوله : (كانت الولايات المتحدة على مدى قرنين من الزمان هي المَثَلُ الأعلى للعالم في الحرية والديمقراطية، وقد حملت أجيال متعددة راية النضال للحفاظ على الحرية، واليوم وفي عالم يتحول بسرعة شديدة؛ فإن زعامة الولايات المتحدة لا غنى عنها. لقد أنقذنا أوروبا، وتغلبنا على الشلل، ووصلنا إلى القمر، وأضأنا العالم بثقافتنا، والآن ونحن على مشارف قرن جديد نسأل: لمن يُنسب هذا العصر؟! إنني أؤكد أنه سيكون عصراً أمريكياً آخر).

 

أما إبنه بوش الصغير فقد أضاف بعداَ لاهوتيا لهذه النظرية العنصرية عندما أعلن إنه يتصرف بناء على تعليمات ربه وأن ربّه هو الذي أمره بغزو العراق (ولاية الفقيه على الطريقة الأمريكية).

 

3– وما أن هيمنت الولايات المتحدة منفردة على النظام الدولي حتى إنطلقت عدوانيتها الغاشمة من عقالها، مبتدئة بإستخدام الأمم المتحدة (قرار مجلس الأمن 661 في 6/8/1990) غطاء لفرض أقسى حصار عرفه التاريخ على شعب كامل في عقوبة جماعية سقط فيها من الضحايا المدنيين ما يفوق جميع ضحايا إستخدام أسلحة الدمار الشامل في العالم عبر التاريخ، بضمنهم ضحايا هيروشيما وناغازاكي. وبدأت مصداقية هذا النظام القانونية والأخلاقية تتهاوى كلما تغولت أمريكا أكثر على العراق سعيا لتدميره بغير حق : عدوان 1991 الذي دمّر حتى ملاجيء المدنيين، مناطق حظر الطيران والقصف اليومي ضمنها، عدوانات الرجعة الستة، منع وصول الأدوية والمواد الإنسانية للعراق، تلفيق الوثائق حول إخفاء العراق أسلحة الدمار الشامل، إستخدام مهمات الأمم المتحدة في العراق للتجسس، تشويه صورة العراق وقيادته بأكاذيب مفضوحة تبثها آلته الإعلامية الهائلة، إستخدام أسلحة اليورانيوم المنضّب التي ادت لحد الآن الى إصابة مائة وأريعين ألف عراقي بالسرطان، وغير ذلك من جرائم الحرب وجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية.

ثم جاءت أحداث الحادي عشر من ايلول 2001 لتطلق ما تبقى من الهياج الجنوني للقطب الأمريكي في بربرية لم يشهد لها التاريخ مثيلا، فكان الإحتلال الأمريكي لإفغانستان ثم ثالثة الأثافي بغزو وإحتلال العراق بدعاوى ملفقة وبائسة. لقد ظنّ القطب الدولي الأوحد أن العراق لقمة سائغة، فأذا به يصبح لقمة سائغة للعراقيين. يقول المفكر الألماني تودنهوفر في كتابه (أندي ومروه) الصادر عام 2006 (للأسف ينسى الناس عندنا أن العالم الإسلامي كان متفوقا على الحضارة الغربية لقرون طويلة، وإنه عندما كان شعب بلاد ما بين النهرين قد طور نظاما سياسيا فعالا، كنا لا نزال نجلس على الأشجار أو نعيش في الكهوف، ولم يكن وقتها الأمريكان موجودون كشعب).

 

وهكذا تصدى شعب الرافدين لهذا الإحتلال بمقاومة فريدة هزمت جيوش أمريكا والدول المتحالفة معها. وبسبب هزيمة أمريكا في العراق وخسائرها البشرية والمادية الهائلة (آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المصابين أو المعوّقين ونفقات قدّرت بثلاثة تريليون دولار)، ظهرت الأزمة الإقتصادية الدولية التي أجهزت على صلاحية النظام الدولي أحادي القطب ليس بنظر الشعوب المقهورة فحسب، بل وأيضا في داخل المجتمعات الغربية نفسها التي شعرت أن هذا النظام لم يجلب لها غير الكوارث والتردي والسقوط الأخلاقي. وقد أقرّ مفكرون وسياسيون وأكاديميون أمريكان بهذه الحقيقة، فهذا زبجنيو برجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس السابق جيمي كارتر يقول عن غزو العراق (إنها كارثة تاريخية وإستراتيجية وأخلاقية). أمّا ديفيد ريفكين مؤلف كتاب «ذعر القنبلة: تاريخ ومستقبل الأسلحة النووية.» فقد قال في تصريح لصحيفة لوس أنجلوس تايمز يوم 1/8/2008 : (لم يحدث في التاريخ الأمريكي أبدا أن عانت دولتنا هذا الانحدار السريع في القوة والمكانة والمصداقية مثلما حدث منذ أن قمنا بغزو العراق، إن قرار الحرب هو أسوأ خطأ استراتيجي في تاريخ الولايات المتحدة الذي يبلغ 232 عاما). والكاتب روبرت كوتنر مؤلف كتاب (تحدي أوباما: الأزمة الاقتصادية الأميركية وطاقة التغيير الرئاسي) يقول: (إن حرب العراق أدت الى تدمير الديمقراطية وسلطة القانون التي قامت على أساسها الأمة الأمريكية إنها القشة التي قصمت ظهر البعير، وإنها أكبر أخطاء وسوء حسابات المحافظين الجدد الذين إعتقدوا أنهم بعدة أسابيع سيحتلون العراق ويستخدمون نفطه لتعويض خسائرهم في أفغانستان). أما الكاتب أدم ساهارا فقال (إن حرب العراق إستنفذت الخزينة الأمريكية وليس هناك من أفق واضح لإنهائها وإن الأزمة الإقتصادية الحالية هي إعلان موت للرأسمالية). ويقول الكاتب توماس فريدمان (كنا أمة يخشاها العالم من فرط قوتها قبل عقد، وها نحن نتحول اليوم إلى دولة يشفق عليها العالم من فرط ضعفها وتضاؤل نفوذها العالمي). وأخيرا نستشهد بجوزيف ستيغليتز الاقتصادى الحائز على جائزة نوبل للسلام والذى كان مستشارا للرئيس الأميركى السابق بيل كلينتون الذي قال (لقد كلّفت حرب العراق الولايات المتحدة 50 – 60 مرة اكثر من تقديرات ادارة بوش وكانت السبب المركزى فى الازمة المصرفية التى تهدد الاقتصاد العالمي).

 

4 - ولقد تنبهت امريكا والغرب الى الإنهيار السريع للأسس والمباديء التي يقوم عليها النظام الدولي الحالي وبدأوا حملة مراجعة شاملة بقصد التصحيح، وكان من مظاهرها :

 

إنتخاب أوباما ذو الأصول الأفريقية المسلمة رئيسا للولايات المتحدة، بقصد الإيحاء بعدم وجودالعنصرية والتعصب الديني في نظامهم السياسي.

 

البدء بالإنسحاب التدريجي من العراق.

إغلاق معسكر غوانتانامو والسجون السرية الأخرى.

إصدار الأوامر بإيقاف كل أشكال التعذيب.

إصدار تشريعات وإستخدام أرصدة مالية كبيرة لتطويق أضرار الأزمة الإقتصادية العالمية وزيادة تدخّل الدولة الرأسمالية في أنشطة المؤسسات المالية والصناعية الخاصة.

 

وبالمقابل، لا يزال الشرق مترددا في الخوض في جوهر الصراع والربط الصحيح للعلاقة بين مسببات ونتائج تدهور النظام الدولي الحالي. ويبدو أن الشرق يحتاج لمزيد من الوقت ليصل الى القناعة بوصول القطب العالمي الأوحد الى الشيخوخة المبكرة وليمتلك الجرأة للمطالبة بتغيير الأسس التمييزية والظالمة التي يقوم عليها النظام الدولي الحالي. ولعل من بين اسباب هذا التردد أن غروب الإمبراطورية الأمريكية لم يأت على يد قوة عظمى قائمة، بل على يد أمة مجزّاة لا تزال تتلمس طريقها نحو النهوض بعد سبعة قرون من التخلف وحكم الأجنبي منذ سقوط الدولة العباسية على يد هولاكو عام 1258.

 

ثالثا : ما الجديد الذي جاء به خطاب أوباما

 

1 - خطاب اوباما في القاهرة يوم 4/6/2009، الذي شارك بإعداده ومفكرون وأكاديميون وسياسيون، وعرض مضمونه على رؤساء دول غربية، جاء بالمتغيرات الرئيسية التالية :

 

ألف : الموقف من الإسلام : غادر الخطاب اللغة التقليدية للغرب تجاه العالم الإسلامي،

 

وهي لغة فوقيّة وعدائية وتحريضية، وإعتمد لغة تصالحية تدعو للحوار والمحبة والتعاون، وإنتقد الصورة النمطية السلبية للإسلام في الغرب وتعهد بالتصدي لها وإستشهد بآيات من القران الكريم، كما تعهد بالبحث عن (بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي استنادا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، بداية مبنية على أساس حقيقة أن أميركا والإسلام لا يعارضان بعضهما البعض ولا داعي أبدا للتنافس فيما بينهما بل ولهما قواسم ومبادئ مشتركة يلتقيان عبرها ألا وهي مبادئ العدالة والتقدم والتسامح وكرامة كل إنسان).

 

إن موقف أوباما هذا هو إقرار من الغرب بفشل سياسة العداء للإسلام والمسلمين المبنية على إعتبار أن الإسلام دين كراهية وعنف وتخلف وأنه العدو الخارجي الأساسي للغرب (هذا الموقف كان متواصلا من أيام مرتن لوثر زعيم الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر وحتّى بابا الكاثوليك الحالي بنديكت السادس عشر).

 

باء : الموقف من الإستعمار الغربي للعالم الإسلامي : إعترف أوباما بالدور السلبي للإستعمار الغربي للدول الإسلامية، وللدول غير الإسلامية بالطبع، قائلا : (ساهم الاستعمار خلال العصر الحديث في تغذية التوتر وحرمان العديد من المسلمين من الحقوق والفرص كما ساهمت بذلك الحرب الباردة التي عوملت فيها كثير من البلدان ذات الأغلبية المسلمة بلا حق كأنها مجرد دول وكيلة لا يجب مراعاة تطلعاتها الخاصة).

 

إن هذا الموقف هو خروج على موقف الغرب التقليدي من مرحلة الإستعمار الغربي للعالم، فالغربيون يرون في الإستعمار الحديث رسالة تحضّر لشعوب متخلفة وحق إلهي من حقوق العنصر الأبيض الأعلى مرتبة من العناصر الأخرى.وهذه المرة الأولى التي يعترف فيها رئيس أمريكي بالدور السلبي للإستعمار (قبله إعترف رئيس أوربي هو بيرلسكوني بمثل هذا الدور ووافق على تعويض ليبيا عن جرائم الإستعمار الإيطالي).


جيم : وبشأن الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 ذكر أوباما : (وخلافا لإفغانستان، فإن حرب العراق كانت حربا إختيارية أثارت خلافات شديدة سواء في بلدي أو في الخارج).

 

إن وصف أوباما حرب العراق بالحرب الإختيارية ومقارنتها بالحرب على أفغانستان التي قال عنها أنها كانت (حربا ضرورية) أملتها أحداث 11 أيلول 2009 والحاجة لملاحقة تنظيم القاعدة ونظام طالبان، هو إقرار من الرئيس الأمريكي بإن الحرب على العراق لم تكن دفاعا عن النفس إزاء خطر ماثل ولا ردا على هجوم مقابل، وأنها لم تكن تنفيذا لقرار دولي. بكلمة أخرى فإنه أقر ضمنا إنطباق صفة (العدوان) على هذه الحرب. وإضافة الى ذلك، فحتى الذريعة المتهافتة المسماة (جلب الديمقراطية للعراق) التي ظلّ بوش الإبن متمسكا بها لآخر يوم له في الرئاسة نقضها أوباما بقوله: (وأعلم أن جدلا حول تعزيز الديموقراطية وحقوق جميع البشر كان يدور خلال السنوات الأخيرة وأن جزءا كبيرا من هذا الجدل كان متصلا بالحرب في العراق، واسمحوا لي أن أتحدث بوضوح وأقول ما يلي. لا يمكن لأية دولة ولا ينبغي على أية دولة أن تفرض نظاما للحكم على أية دولة أخرى).

 

وعلى إعتبار أن الإعتراف سيّد الأدلّة، فإن خطاب أوباما يكفي، لوحده، أن يكون دليل الإثبات الأساسي الذي ستقدمه حكومة العراق الوطنية بعد التحرير لأية جهة قانونية دولية مختصة للحكم بعدم شرعية الغزو والإحتلال الأمريكي للعراق،وإلزام المحتل ومن ساعده بدفع التعويضات المناسبة للعراق، وكذلك محاكمة مجرمي الحرب الذين إرتكبوا هذا العدوان أو ساعدوا عليه.

 

2 – السؤال الذي أثير بعد الخطاب هو : هل إن خطاب أوباما إستجاب لمشاغل العالم الإسلامي وسيقود الى تطبيع العلاقة بين أمريكا ممثلة النظام الدولي الحالي والعالم الإسلامي؟ والجواب هو أن هذا الخطاب، الذي صيغ بلغة لدبلوماسية راقية، لم يأت بغير موقفين منصفين يتعلقان بالماضي (الدور السلبي للإستعمار والإقرار الضمني بلا شرعية حرب أمريكا على العراق)، ومن دون أن يرتب أية إلتزامات على بلده نتيجة هذه الموقفين. ولم يقدم أوباما موقفا منصفا يتعلق بالمستقبل، ولم يتعهد بخطوات أو آليات واضحة ومحددة لرفع الظلم القائم على العالم الإسلامي، وبالذات في القضية التي يعتبرها العرب والمسلمون لبّ الصراع ألا وهي القضية الفلسطينية. إن محاولة أوباما (سدّ الرتق) تبدو غير ناجحة لإن كل الأسس والقوانين التي بني عليها النظام العالمي الحالي هي تمييزية وغير عادلة وبحاجة الى هدم وإعادة بناء.

 

ومع ذلك فإن المطلوب إستثمار موقفي أوباما في مسألتي الإستعمار وإحتلال العراق والإستناد اليهما في تثبيت الحقوق والمطالبة بردها وفي السعي لإنهاء النظام الدولي الظالم الحالي.

 

رابعا : مهمات عاجلة

إن تهاوي نظام القطب الواحد عسكريا وإقتصاديا وقانونيا وأخلاقيا يبشّر ببزوغ عصر الشعوب وعلى المقاومين والمفكرين والمثقفين أن يأخذوا دورهم الريادي في توضيح الظلم الذي يمارسه نظام القطب الواحد وكيف السبيل لبناء نظام دولي بديل عادل، وأدناه بعض المهمات العاجلة التي ينبغي التركيز عليها:

 

1 –لا يجب إستمرار القبول بالإمتيازات التي منحها الخمسة الكبار لإنفسهم في ميثاق الأمم المتحدة. الأسرة الدولية بحاجة الى ميثاق أممي جديد ينهي دكتاتورية الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وصلاحياتهم غير المحددة في التصرف بالشؤون الدولية وتمتعهم بحق النقض. إن غياب الديمقراطية في العلاقات الدولية لا يقل ضررا وإمتهانا للكرامة البشرية من غياب الديمقراطية في المؤسسات الوطنية للدول. إن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة هي التي خولت مجلس الأمن بالمهمات الأساسية في حفظ السلم والأمن الدولي نيابة عنها ومن حقها أن تسحب هذا التخويل أو تعدله بالطريقة التي تتوافق مع مبدأ تساوي الحقوق للأمم كبيرها وصغيرها ومبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول. كما أن من حق الدول وقف تجاوز مجلس الأمن على صلاحيات الجمعية العامة للأمم المتحدة وبقية أجهزة الأمم المتحدة وعلى صلاحيات ودور المنظمات الإقليمية، وبالذات في مجالات حل النزاعات بالطرق السلمية وتفعيل دور الدبلوماسية الوقائية الدبلوماسية الوقائية ومسائل نزع السلاح وحقوق الإنسان ومعالجة الأزمات الإنسانية.

 

2 - إن الدولار الأمريكي هو القلب بالنسبة للإمبراطورية الأمريكية. أمريكا تطبع وتصدّر الدولارات الورقية الى العالم وتأخذ بدلها سلع وخدمات. ولو قررت دول العالم إستبدال خزينها من الدولار بالذهب أو بسلة من العملات لجرى تحجيم العدوانية الأمريكية الى أقصى حدّ. كما أن سيادة الدولار تعتمدعلى تجارة النفط الذي هو هو السلعة الأكبر في العالم، ولو باعت الدول النفطية نفوطها باليورو بدل الدولار لإنهار الدولار. لقد كانت حكومة العراق الوطنية رائدة بقرارها عام 2000 بيع نفطها باليورو بدل الدولار، وهذا سبب إزعاجا كبيرا لأمريكا.

 

3 – إذا أرادت الدول الناميةأن تخرج من دوامة الفقر التي سببها النظام الإقتصادي الدولي الحالي المصمم لصالح الأغنياء، فلا بديل أمامها غير المطالبة بإعادة هيكلة نظام التجارة العالمية باسره وربط اسعار صادرات الدول النامية باسعار صادرات الدول المتقدمة، وضمان اسعار حقيقية عادلة للمواد الأولية وإنهاء الحمائية الغربية لتمكين الدول النامية من تسويق منتجاتها الى الدول المتقدمة والحصول على التكنولوجيا بشروط أفضل ووضع ضوابط لنشاط الشركات متعددة الجنسية وضمان المساواة في إتخاذ القرار في المنظمات المالية الدولية بين الدول الغنية والدول النامية.

 

4 – يجب على الدول غير النووية الأعضاء في معاهدة عدم إنتشار الأسلحة النووية أن تنهي الإزدواجية الفاضحة في تنفيذ المعاهدة. على هذه الدول أن تطلب من الدول النووية وضع جدول زمني لنزع أسلحتها النووية بموجب المادة السادسة من المعاهدة، وإلاّ فإنها ستنسحب من المعاهدة. إن مثل هذا القرار لو إتخذ من غالبية الدول غير النووية الأعضاء في المعاهدة لأجبر الدول النووية على تخليص البشرية من هذا السلاح المرعب ووقف الإبتزاز السياسي والإقتصادي الذي تمارسه الدول النووية على الدول غير النووية.

 

والله المستعان

 
 
كيفية طباعة المقال
 
 

شبكة المنصور

الاربعاء  / ٠٨ رجــــب ١٤٣٠ هـ

***

 الموافق ٠١ / تمــوز / ٢٠٠٩ م