هل تحوّل محمود عباس إلى سفير للكيان الصهيونيّ لدى الشعب الفلسطينيّ ؟

 
 

شبكة المنصور

عبد الكريم بن حميدة
يجب أن يذهب المرء بنواياه إلى أقصى مدى ممكن من الطيبة وحسن النيّة حتى يصدّق المبرّرات التي ساقتها سلطة أوسلو للردّ على موجة الاحتجاجات الشعبيّة والحزبيّة إثر سحب تقرير غولدستون من التصويت في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتّحدة. في العادة كان كثيرون يتّهمون فصائل المقاومة بالمزايدة على سلطة رام الله ومحاولة إظهارها بمظهر المساوم على حقوق الفلسطينيّين المفرّط في ثوابت الأمّة. لكن في هذه المرّة نجد أقرب المقرّبين لأصحاب القرار في سلطة رام الله لم يصدّقوا ما حدث. ولا أحد اقتنع بالمبرّرات التي قدّمها أركان حكومة عباس لأنها


كانت ضعيفة إلى درجة كان الصمت أقلّ وطأة من الكلام، وأقلّ إحراجا بل أقلّ إهانة. ولأنّ كل شيء في هذه السلطة كان واهنا ومهزوزا فقد كشفت التبريرات التي قُدّمت عن حالة من الفوضى السائدة في مؤسّسات السلطة الوطنيّة من حيث جهة اتخاذ القرار وآليّته.


ففي الوقت الذي نفى فيه كبير المفاوضين الفلسطينيين الدكتور صائب عريقات نفيا مطلقا خبر سحب التقرير من عملية التصويت، ظهر إبراهيم خريشة الممثل الدائم لفلسطين لدى المقرّ الأوروبي لمنظّمة الأمم المتّحدة في جنيف ليؤكد خبر سحب التقرير بحجّة تحقيق الإجماع في التصويت القادم في شهر مارس 2010.


من داخل السلطة نفسها، سلطة أوسلو قدّم وزير الاقتصاد باسم خوري استقالته احتجاجا على موافقة السلطة الفلسطينية على تأجيل مناقشة تقرير جولدستون. وعلينا أن نتذكّر أن وزير شؤون القدس (في سلطة رام الله دائما) حاتم عبد القادر كان قدّم استقالته قبل أسابيع بسبب عدم جدّيّة حكومة سلام فيّاض في معالجة ملفّ القدس وعدم وفائها بالتزاماتها المالية تجاه القدس وأهلها من العرب الصامدين.


ما الذي تمّ هذه المرّة بالضبط؟ هل كان ما أقدم عليه محمود عبّاس سحبا للتقرير أم تأجيلا له؟ وما الفرق بين الأمرين إذا كانت النتيجة في الحالتين هي تبرئة المجرم وإنقاذه من الملاحقة القضائيّة الدوليّة؟ ولماذا يصرّ المدافعون عن القرار على أنّ الأشهر الستّة القادمة ستهيّئ الظروف المناسبة لتحصيل الإجماع على إدانة الكيان الصهيونيّ بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها في محرقته في قطاع غزّة؟


هل يمكن لأيّ كان أن يدلّنا على قرار واحد استهدف الكيان الصهيونيّ وفضح جرائمه وممارساته قد حاز الإجماع الدوليّ؟ وإذا كان عبّاس والذين يبرّرون قرار سحب التقرير من عمليّة التصويت مقتنعين بأنّ ما حدث يصبّ فعلا في خدمة الشعب الفلسطينيّ، فلماذا أمر بتشكيل لجنة للتحقيق في كيفيّة اتخاذ القرار ومعرفة الطرف (أو الأطراف) الذي كان وراءه؟


عندما أوعز عبّاس (أو أمر أو لمّح أو أشار) بسحب التصويت، هل كان يراهن على صمت الفصائل، أم على حسن نوايا الآخرين به، أم.. أنّه لم يكن يرى فيما أقدم عليه خيانة لدماء شعبه طالما أنّ تراكم الممارسات التي تخدم الأعداء من شأنه أن يخفّف من القرار؟ وهل كان عبّاس يصدّق حقّا أنّ قرار السحب سيساعد على استئناف عمليّة السلام؟ ألا يدلّنا السيّد عبّاس أين هي عمليّة السلام؟ وهل كانت ثمّة مفاوضات حقيقيّة تستهدف إقامة السلام؟ ألا يساعدنا السيّد عباس على أن نفهم ما خفي عنّا وما قصرت قدراتنا عن فهمه وإدراك أبعاده؟ 


إن ما حدث لم يؤدّ فقط إلى مجرّد خيبة أمل أو إحباط. إنّه يؤسّس لسابقة في تضامن الشعوب مع بعضها، وفي دفاع المنظمات الإنسانيّة عن حقوق الشعوب في العيش الحرّ الكريم. وهو في الوقت ذاته إهدار لهذه الحقوق وتواطؤ الضحيّة مع جلاده ضدّ أبناء الشعب.


إنّه ليس خطأ عابرا.. إنّه خطيئة كبرى. 
من منّا يعرف نموذجاً لقيادة تتطوّع للدفاع عن قتلة شعبها؟ هل تضمّ صفحات التاريخ مثالا لقائد وطنيّ همّه إبقاء وطنه تحت قبضة المحتلّ وإنقاذ المجرم الذي اعتدى على شعبه من حبل مشنقة حتّى إن كان هذا الحبل رمزيّا؟ هل يمكن أن نصنّف محمود عبّاس ضمن القيادات الوطنيّة إذن؟ أم أنّه أثبت لمن لم يصدّق بعد أنّه السفير الأفضل المدافع عن مصالح العدوّ؟


المشكلة الآن أنّنا لم نعد نعالج جريمة واحدة هي جريمة الحرب على غزة، وإنما أصبحنا مطالَبين بتعقّب جريمة جديدة بكلّ حيثيّاتها وتبعاتها ودلالاتها. وهي جريمة لا تتيح لعبّاس سوى خيار وحيد هو التنحّي وترك القيادة لمن يرفض أن يكون سفيرا لكيان غاصب.

 
 
 

يرجى الاشارة

إلى شبكة المنصور عند إعادة النشر او الاقتباس

كيفية طباعة المقال

الاربعاء / ١٨ شـوال ١٤٣٠ هـ

***

 الموافق  ٠٧ / تشرين الاول / ٢٠٠٩ م

الرئيسية | بيانات البعث | بيانات المقاومة | مقالات مختارة | تقارير إخبارية | دليل كتاب شبكة المنصور