الهاشمي ؟ عودة الوعي أم صحوة الموت السياسي !!

 
 
 

شبكة المنصور

د. مثنى عبد الله - باحث سياسي عراقي

لاتقاس المسافة بين الحاكم والمحكوم , أو بين الشعب ومن يمثله , أو بين الحزب وجماهيره بالاميال , بل بالضمير الحي , والعقل المدبب , والاحساس المرهف , تلك هي المقاييس التي حكمت هذه العلاقة منذ نشوء التجمعات البشرية الاولى والتي تم تطويرها الى مايسمى اليوم بالمؤسسات التشريعية والتنفيذية . وأذا كان الحاكم قادرا على أستخدام حواسه الاخرى فينظر ويستمع الى شعبه دون نفاق وتزويق لفظي , كونه كان يعيش وسط الجماهير التي خولته لادارة شؤونها بوعي فطري وأرادة تامة , فان الحاكم اليوم أحوج مايكون الى يقظة الضمير , بعد أن أحاط نفسه –مختارا أو مجبرا - بخطوط حماية متعددة , ومكاتب موصدة ذات جدران مترية السمك , وسيارات مصفحة , وحاشية لها أول وليس لها أخر يتحكم مزاجهم الشخصي في أيصال صوت المواطن من عدمه , وأمبراطوريات أعلامية تجعل البؤس الذي يعانيه الشعب رخاءا , والقمع حرية , والتزييف شرعية , والاحتلال تحرر , وسرقة المال العام شفافية .


لكن حكام العراق اليوم يبدوا أنهم قد فقدوا كل وسائل التواصل مع الشعب , ولم تعد الوظائف الطبيعية لحواسهم قادرة على نقل التصور الحقيقي للمعاناة , كما أن الضمير هو الاخر قد فقد الاحساس , في خضم الموت السريري الذي يعانيه هؤلاء جراء تقوقعهم في شرنقة المنطقة الخضراء , وأقتصار مدى النظر لابصارهم وبصائرهم على أبعاد الكراسي التي يجلسون عليها لذلك لاغرابة أن يكون الطلاق بين القول والعمل أرقى صفاتهم , وممارسة الانتهازية السياسية أسمى أفعالهم , والكذب والافتراء على جماهيرهم هو ديدنهم , وهذه الصفات نجدها اليوم غاية في الوضوح في سلوكياتهم , وهم يستعدون للسباق الماراثوني الجديد , الذي تتطلبه العملية السياسية المسمى (الانتخابات) , خالين الوفاض كعادتهم منذ التاسع من نيسان العام 2003 من أي مشروع نهضوي يعجل بشفاء الوطن والمواطن , ويعيد الهوية الوطنية .


وأذا كان أمرا معتادا ظهور السياسيين في العالم معترفين بمسؤوليتهم عن الاخفاقات التي تحصل في مواقع المسؤولية التي يتحملونها , ومعبرين عن ذلك بأستقالاتهم من مناصبهم لاحساسهم بأنهم قد أظروا في حقوق الوطن والمواطن , وفقدوا بذلك شرعية وجودهم وتحملهم الامانة التي أوكلتها لهم الارادة الجمعية , فان الطبقة السياسية الحالية في العراق يتصرفون عكس ذلك تماما , بل يحاولون تبرئة أنفسهم من كل النتائج الكارثية التي حلت بنا


ويتحدثون بلهجة المعارضة للسلطة وهم عناصر فاعلة فيها , فبعد أن أسسوا للطائفية السياسية من خلال الاستفزاز المتعمد لغرائز المواطن الطائفية التي مارسوها طوال الفترة الماضية للفوز بمنصب حكومي أو برلماني , وبعد أن شرذموا جغرافية الوطن بشرذمتهم السياسية , وبعد أن مرروا كل مشروع المحتل وأجندات الدول الساندة لهم ببرلمانهم العتيد وبعد أن أثروا على حساب الوطن والمواطن , ونشروا أوبئة الفساد المالي والاداري والمحسوبية الطائفية والحزبية , وبعد أن أهدروا الثروات الطبيعية والبشرية , وبعد أن هجروا الملايين من الناس بسبب خلافاتهم السلطوية , ويتموا الاطفال وقتلوا وغيبوا الاخرين , هاهم يستعينون ببرائة الذئب من دم أبن يعقوب , كي يبرئوا أنفسهم مما حل بنا , فيستخدمون المنابر العلمية والاعلامية في الداخل والخارج , لاطلاق التصريحات الرنانة ولالقاء المحاضرات والخطب العصماء , التي تبرئهم من الكارثة العراقية التي شاركوا في الاعداد لها , وساهموا في تطبيقها على مدى السنوات السبع من عمر الاحتلال , متوهمين بان أقوالهم ستصنع براءة لهم وستبني مجدا شخصيا لهم , وتأييدا أقليميا يعينهم على خصومهم في الجولات القادمة من جدلية الصراع على السلطة والمال في عراق اليوم .


وضمن هذا الاطار تأتي تصريحات طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي في أسطنبول على هامش أجتماعات القمة الاقتصادية الاسلامية مؤخرا , والتي تترك أنطباعا لدى المستمع الذي لايعرف من هو صاحب التصريح , بأنها قد خرجت من فم معارض بارز لما يسمى (العملية السياسية) وليس من مساهم فاعل فيها , فهو يصرح بان ثمن الغزو( خسرنا الدولة العراقية والامن الوطني , والمؤسسة العسكرية , والتماسك الاجتماعي , والهوية الوطنية المشتركه , والسلامة الاقليمية , وأمن الثروات الوطنية, ومكانة العراق الاستراتيجية ) . فأذا كان مؤمنا حقا بان كل هذه الافعال هي أفعال الغزاة , فلماذا ربط مصيره الشخصي ومصير حزبه بهم عندما كان أمينا عاما للحزب الاسلامي العراقي ؟ ولماذا أختار طريق العملية السياسية المعروفة الاهداف والنوايا المضادة لطموحات الشعب حتى هذه اللحظة ؟ ولماذا فضل المنصب الحكومي الذي هو جزء من المحاصصة الطائفية للعملية السياسية على الموقع الحزبي ؟ بالرغم من قوله بان ( العملية السياسية التي تم أعتمادها منذ اليوم الاول للغزو أستهدفت فرض عراق مجزء مفكك , عراق مكونات أجتماعية عرقية ومذهبية ودينية ولم تستهدف بناء عراق موحد يضم أعراقا واديانا ومذاهبا وثقافات ) واين تصريحاته بأنه دخل العملية السياسية لدرء المفاسد ؟ بينما يعتبرها اليوم أم المفاسد وخطأ كبيرا وأن العراق قد دفع ثمن ( خطأين أستراتيجيين كبيرين أرتكبا الى جانب الغزو : أولها هو هدم الدولة والثاني هو المضي في الخطأ بمحاولة فرض نموذج للعملية السياسية الديمقراطية غير مناسب )!! .


أن مقارنة هذه التصريحات بالافعال تلقي الكثير من ضلال الشك على الدوافع الكامنة ورائها , وتشير بوضوح الى أستمرار النهج السياسي الانتهازي الذي مارسه الهاشمي في الحزب سابقا وفيما يسمى مجلس الرئاسة العراقي حتى هذه اللحظة , كما أنها لحظة الشعور بقرب موت الدور السياسي الذي لعبه , خاصة مع تفتت جبهة التوافق التي تسنم منصبه الحالي من حصتها الطائفية , وشعوره بأنه لم يعد قادرا على مجاراة الاخرين في الماراثون الانتخابي القادم , فلا يمكن أن ننسى الجهد الجبار الذي بذله في أقرار الدستور, وأستغفال الناس في التصويت عليه بحجة الوعد بتعديله , بينما كان يثقف الناس على رفضه قبل يومين من أقراره , ولايمكن أن نتغافل عن دوره في تمرير الاتفاقية الامنية مع المحتل الامريكي , بدعوى ربطها بوثيقة الاصلاح السياسي , وفرض شرط الاستفتاء عليها , الذي ذهب أدراج الرياح , ولايمكن أن نتغاضى عن محاولاته تجريم المقاومة وأحباط فعاليتها خاصة في مناطق غرب بغداد , عندما كانت مليشياته الحزبية تمارس دور المخبر السري ضدها , ونشر ثقافة ( ولاتلقوا بأنفسكم الى التهلكة ) من خلال خطباء الجمعه التابعين لحزبه أنذاك , الذين كانوا يفتون بعدم شرعيتها , ويغيبون فرض جهاد الدفع الذي هو بمنزلة الفروض الدينية الاخرى , عندما يتعرض البلد للغزو الاجنبي, كما لايمكن نكران دوره في الحشد الطائفي كي يجد موطيء قدم له بين الاخرين وأصراره على بناء صرح سياسي طائفي يتحدث باسمه,ويدعي تمثيله لهم بين أمراء الطوائف, كي يتقاسم عطايا المحتل من مناصب وأموال وسيارات محصنة وأراض سكنية وجوازات سفر دبلوماسية , بينما غالبية الشعب تعاني أسوء الظروف المعيشية .


أن أية قراءة بسيطة للذي جرى في العراق , تبين بان هذا البلد قد وقع ضحية صفقة سياسية أقتصادية تضمن مصالح المستعمر , وليس ضحية خطأ كما صرح في محاضرته في أسطنبول, وأن أدراك ذلك لايمكن الا بعودة الوعي السياسي , الذي لن يأتي قبل عودة الروح الوطنية, ولاعودة للروح الوطنية الا بالتخلي الفعلي والتام بالافعال لا بالاقوال والتصريحات ,عن المنظومة الفكرية والتطبيقية للمحتل , التي تمثلها (العملية السياسية) والانحياز التام للفعل الشعبي المقاوم,لان التصريحات المغلفة بالنوايا الحسنه لاقيمة لها في العمل السياسي لانه يقوم على الوقائع والافعال , وأذا كان ميكافيلي يقول (على السياسي أن يكون مهابا بدل أن يكون محبوبا) فان هذا الطريق سيكسب من يسلكه الهيبة والحب معا من لدن القوى السياسية الوطنية والشعب , وهي يقينا عملية شاقة تتطلب شجاعة المواجهه مع الذات ونقدها , ذلك الطريق الوحيد الذي يسن به الهاشمي وغيره- لو أرادوا- سنة حسنه لهم أجرها وأجر من عمل بها الى يوم الدين .

 
 
 

يرجى الاشارة

إلى شبكة المنصور عند إعادة النشر او الاقتباس

كيفية طباعة المقال

الاربعاء / ٠٨ ذو الحجة ١٤٣٠ هـ

***

 الموافق  ٢٥ / تشرين الثاني / ٢٠٠٩ م

الرئيسية | بيانات البعث | بيانات المقاومة | مقالات مختارة | تقارير إخبارية | دليل كتاب شبكة المنصور