الميليشيات الكردية تقامر بمصير الأقليات وتستهدف '' غربلة '' الإقليم
 إنهم يُعدّون لإقامة '' الدولة الكردية '' على غرار '' يهودية إسرائيل ''!

 
 
 

شبكة المنصور

نبيل أبو جعفر

الإنفصال بلسان بعضهم أصبح يوصَف ب "الإستقلال" وكأن الشمال كان محتلا من قبل " المستعمِر العراقي " !!

 

قادة الأكراد أنفسهم لا ينفون في جلساتهم

الحزبية والنخبوية، وكذلك في لقاءاتهم مع

 المراجع الرسمية الغربية أنهم اسـتفادوا        

كثيراً من تجربة "إسرائيل"التي صَحَت

 أخيراً على خطر وجود القنبلة الفلسطينية

 بداخلها ، ويبدون تفهّماً لإصرارها  على

 ضرورة الإعتراف بيهودية كيانها .

 ولهذا فهُم لا يُريدون تكرار تجربتها ستّين

 سنة مثلها لكي يصحوا بعد ذلك على ضرورة

 "تنقية" الإقليم مما يُهدّده بعد أن تنفجر ألغام

الأقليات في داخله  !

 

------------------------------------

 

من يراقب تطوّرات الأوضاع في إقليم كردستان العراق الساعية سلطاته نحو الإنفصال ، يلاحظ العديد من المؤشرات السياسية والعملية التي تُمارَس يومياً، وكلّها تصُب في ترتيب الأجواء على الأرض تمهيداً لإعلان "الدولة الكردية الخالصة من شوائب الأقلّيات الأخرى" في الوقت الذي تكتمل فيه مقوّمات قيامها  !

 

كما سيلحظ إلى جانب ذلك سعي قياداته الحزبيه وميليشياته المسلّحة نحو "تنقية" مناطق الشمال الكردية من أي عنصر آخر، وهو ما لا يمكن إخفاؤه أمام سيل الأخبار التي تُنشر على مدار الساعة ، داخل العراق وفي معظم وسائل الإعلام الخارجي ، عن عمليات التهديد والقتل والتهجير تحت مختلف أشكال الضغط التي يتعرض لها الآشوريّون والكلدان والشَّبك والزيديين، وسائر الذين لا ينضوون تحت العِرق الكردي الطامح الى لعب دورٍ أكبر بكثير من حجمه ومضاد لتطلعاته المشروعة .

 

ولهذا يعمل الحزبان الكرديان وميليشياتهما وفق خطّة بُدء بتنفيذها منذ وقوع الإحتلال في العام 2003، تستهدف "غربلة" الإقليم من الفئات الأخرى، لكي يخلو من أي قنبلة بشرية قابلة للإنفجار مستقبلاً في داخله، أو أي عنصر يمكن أن يُهدّد "كردنة" الدولة المنوي سلخها عن العراق الأم، مع الإصرار على أن تكون صيغتها على غرار "يهودية إسرائيل"!

 

على خطى الصهاينة

 

قادة الميليشيات الكردية أنفسهم لا ينفون في جلساتهم الحزبية والنخبوية، وكذلك في لقاءاتهم مع المراجع الرسمية الغربية ذلك، ويعترفون أنهم استفادوا كثيراً من تجربة "إسرائيل" التي صَحَتْ أخيراً على خطر وجود القنبلة الفلسطينية بداخلها، ويبدون تفهّماً لإصرارها على ضرورة الإعتراف ب يهودية كيانها ! ولهذا فهُم لا يُريدون تكرار تجربتها ستّين سنة مثلها لكي يصحوا بعد ذلك على ضرورة تنقية الإقليم مما يُهدّده بعد أن تنفجر ألغام الأقليات في داخلها ! 

 

لكن هذا الإعتراف المترافق مع سيرالأكراد على هدي ما تنادي به "إسرائيل" بالنسبة ليهوديتها الخالصة  ، لم يمنعهم من نفي ما تردّد مؤخراً حول وجود علاقات دبلوماسية خفيّة لهم مع الكيان الصهيوني، ومحاولة التأكيد على نقيض ذلك أيضا ً، من خلال التمسّك اللفظي بأنهم جزء لا يتجزأ من العراق، ثم الحرص على أن يأتي هذا النفي في بيان رسمي أعلنه نوري عثمان رئيس ما يسمى ديوان رئاسة مجلس وزراء حكومة إقليم كردستان، جاء فيه أن الإقليم جزء من العراق، وأن السياسة الخارجية أمر يخصّ الحكومة الإتحادية في بغداد !

 

ونسي عثمان وكاتبو بيانه ما أعلنه رئيس الإقليم نفسه مسعود البرزاني في أواخر العام 2006 حول تأييده فتح ممثلّية إسرائيلية في مدينة أربيل، ثم ما ذكّرتنا به صحيفة "معاريف" قبل فترة وجيزة حول عُمق العلاقات الكردية – الإسرائيلية "القديمة تاريخياً"، مع تنويهها إلى أنه قبل إنشاء الكيان الصهيوني كان هناك في إقليم كردستان حوالي 18 ألف يهودي. أما بعد هجرتهم إلى "أرض الميعاد" فقد أخذ الكيان الصهيوني يعتبر الأكراد – ومنذ ستّينات القرن الماضي – "أصدق أصدقائه في العالم العربي" ، ولم ينس ـ حسب قول معاريف ـ دورهم المساعد في إنقاذ طابور من الجواسيس اليهود الذين كانوا يعملون ضد العراق . وقد ترجم كيان الصهاينة امتنانه لهذا الدور عن طريق تزويده الميليشيات الكردية بالأسلحة الحديثة  بعد ذلك !

 

العقدة الأساس ليست وحدها الأساس 

 

هنا يقتضي الإنتباه إلى أن ما يجري تنفيذه على الأرض في منطقة كردستان هو الخطير، وليس ما تلوكه الألسن الكردية المسؤولة من تصريحات وتصريحات متناقضة ومختلفة المضمون ، بهدف خلط الأوراق للتغطية على حجم وطبيعة ما يجري في السر.

 

فعلى سبيل المثال، أخذت أجهزة الإعلام المختلفة، داخل العراق وخارجه، تُركز في الآونة الأخيرة على موضوع كركوك وأربيل وحساسية الوضع فيهما، بسبب ما تواجهانه من مخاطر جدية على صعيد التركيبة السكانية والموارد النفطية .. الخ  وهو أمر صحيح ، لكن هذا التركيز كان وما يزال ينصّب معظمه على الإيحاء بأنهما تمثّلان العقدة الأساس في مشكلة الأكراد ، كما لو أن حلّها سيُنهي هذه المشكلة من جذورها، ويُبقي الإقليم في حضن أمه آمنا مستقرا ، وهو أمر غير صحيح على الإطلاق.

 

صحيح أن نزوح الأكراد الجماعي نحو كركوك بشكل خاص والإستيطان فيها قد قلب معادلة السكان لصالحهم بنسبة عالية، خصوصاً مع ارتفاع نسبة الهجرة المعاكسة للكثير من أبناء المدينة ، ولا سيما الأقلّيات التي يجري استهدافها تحت ستار أن تنظيم القاعدة هو الذي يستهدفهم، أو هذا التنظيم أو ذاك.

 

وصحيح ما ترويه العديد من الصحف الأجنبية قبل العربية عن صُور التوسّع السرطاني للأكراد في المناطق التي يعتبرونها لأسلافهم، ويروّجون أن "النظام السابق" طردهم منها، وما يشكّله هذا التوسع من أخطار مبيتّة وواضحة للعيان على طريق الإنفصال والعمل على إقامة الكيان الكردي المتصهين .

 

ولكن ، حتى لو تمّ إيجاد حلّ لهذا الوضع ، ولو تمّ – جدلا وإفتراضاً – ضم هذه المدينة العراقية الشمالية أو تلك، ووضعها تحت سلطة الإقليم وقواه وميليشياته، ثم لو أخذ الأكراد إمتيازات فوق ما لديهم من امتيازات خيالية في الوقت الحاضر، فإن ذلك لن يُغيّر من مساعيهم نحو إقامة كيانهم الإنفصالي المدعوم من الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص، والمتميز بعلاقاته مع الكيان الصهيوني "الصديق"!

 

هذه الحقيقة بحذافيرها لم تعد سراً على أحد من الذين كشفوا "الغطاء" الكردي منذ زمن، ولم تعد تغرّهم التصريحات الكردية الصادرة في سياق محسوب. ففي الوقت الذي ينفي فيه هؤلاء على ألسنة العديد من مسؤوليهم ملاحقتهم للأقليات والتضييق عليها، وينسبون عمليات الإعتداء والتصفية التي تتعرض لها الأقليات الأخرى إلى تنظيم القاعدة أو مجموعات سلفية أخرى، يَرُد عليهم أحد النواب السّنة في تصريح لصحيفة واشنطن بوست أواخر آب الماضي قائلاً: إذا لم يكن الأكراد هم الذين يفعلون كل هذا فمن يفعله؟ مَن غيرهم يملك السلطة والسعي للسيطرة على هذه المنطقة؟

 

واستكمالاً لهذا السجال المستمر ومثله الكثير بالنسبة لهذه النقطة بالذات، خرج الملقّب بنائب محافظ نينوى السابق خسرو كوران ، محاولا "حسم" الموضوع بأسلوب يرمي الى إظهار الواقعية والموضوعية في آن، من خلال الإعتراف بوجود خروقات كبيرة على صعيد حقوق الأقليات في المناطق المتنازع عليها، وأعاد  سبب ذلك إلى وجود ميليشيات مسلّحة تُسيطر على هذه المناطق التي وصفها بالخارجة على القانون"!"، ثم أعقب إعترافه هذا اعتراف آخر من قبل المسمّى نائب محافظ نينوى الحالي دليدار زيباري ، أقرّ فيه لوكالة "أور" الإخبارية بأن الميليشيات الكردية تجُبر المسيحيين والشبك على التحدّث باللغة الكردية، وتقوم بإطلاق النار على بيوتهم لإرهابهم.

 

وفي خروج مكشوف عن النص المكّلف التصريح به ، أكمل القول أن الحكومة المحليّة (الكردّية) رفعت إلى الحكومة المركزية ببغداد هذا الموضوع ، طالبة منها حلّ هذه المشكلة التي تعاني منها الأقليات"!"، وكأن الميليشيات ليست كردية ، وكأنها أيضا ليست تحت سيطرة حكومة الإقليم بدءاً بالبرزاني وليس إنتهاءً بزيباري وغيرهما  !! 

 

البرزاني الآخر أمام الأوروبيين

 

لكن إذا علمنا أن الإختلاف في طرح المسؤولين الأكراد لأي مشكل أو موقف عبر تصريحات متبانية ومتناقضة أمر مقصود ومدروس بتوجيه من مستوى إنفصالي أعلى، فإن كلام رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني (الذي يُعتبر بمثابة رئيس جمهورية تنتظر الإعلان عن إنفصالها!) يمكن أن يكون الحاسم الفاصل في هذا الموضوع وغيره، لا سيما إذا جاء بصيغة رسميّة، وأمام جهات أجنبية رسمية، وهذا ما حدث في معرض لقاء البرزاني مع لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان الأوروبي، ودعوته الإتحاد الاوروبي إلى الاستثمار في منطقة إقليم كردستان، منتقلاً بعد ذلك إلى الحديث عن وضع داخلي يتعلق ب "حقوق الأكراد في خيرات البلاد" ، طالباً أمام الجميع بحق الإقليم من إيراد النفط العراقي وقدره 17 بالمئة، مشترطاً تسليم هذه النسبة مباشرة إلى سلطات الإقليم وليس إلى الحكومة المركزية ببغداد!

 

"من المؤكد... إعلان الإنفصال"

 

ليس هناك أكثر وضوحاً من كلام البرزاني، الذي يتعزّز سياسياً ببروز ظواهر الانفصال واضحة كالشمس في سائر التصرفات اليومية، إلى درجة أنه أصبح يوصف بالإستقلال، وكأن الإقليم العراقي كان محتلاً من قبل "المستعمر العراقي"!  كما يتعزّز عملياً بتصرّفات الميليشيات وما تتعرض له الأقليات بشهادة المواطنين العاديين وتقارير سائر منظمات حقوق الإنسان، كمنظمة العفو الدولية والمجموعة الدولية للأزمات ومنظمة هيومن رايتس وغيرها الكثير، وكلها تتّفق على تشخيص الوضع وأبعاده، والأهداف التي يرمي إلى تحقيقها تحالف الحزبين الكرديين من وراء الهجمة المنظمة على الأقليات. حتى أن هيومن رايتس عملت على توجيه دعوة لحكومة الأكراد طالبة منها تعديل دستور الإقليم بحيث ينصّ على الإعتراف بالمجموعات الإثنية وحمايتها لا تصفيتها. كما تحدّثت غيرها عن المخاوف المتزايدة من تفجّر الوضع فجأة، وفرض واقع كردي جديد يُمثّل حالة إسرائيلية أخرى في قلب وطننا، وهو ما استقرأه بكل صراحة ممثل حكومة كردستان في موسكو بابكر خوشوي (أي سفيرها هناك... وكأنه ممثل دولةقائمة بذاتها !!) بقوله في مؤتمر صحفي "إن كردستان تطمح للإنفصال عن العراق، وعلى الرغم من إعلان البرزاني أن الإقليم جزء لا يتجزأ من العراق، إلاّ أنه من المؤكد أن يعلن الأكراد انفصال "إقليمهم" عن العراق في الوقت المناسب".

 

هل نحن بحاجة لتفسير هذا الكلام، أم أنه اعتراف بلسان المتهم نفسه، يفرض علينا الحذر.. والإنتباه  ، في مرحلة أُدخِلت فيها أمتنا دائرة الصراع الدموي على كُرَة  تتقاذفها أرجل الأشقاء !

رحمتك يــــا رب .

 

 يُنشر السبت المقبل في صحيفة البيادر الصادرة في القدس المحتلة

 

يرجى الاشارة

إلى شبكة المنصور عند إعادة النشر او الاقتباس

كيفية طباعة المقال

الخميس / ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٠ هـ

***

 الموافق  ٢٦ / تشرين الثاني / ٢٠٠٩ م

الرئيسية | بيانات البعث | بيانات المقاومة | مقالات مختارة | تقارير إخبارية | دليل كتاب شبكة المنصور