دليل قادة الإحتلال لإخضاع الشعوب المحتلة

﴿ الجزء الثالث

 
 
شبكة المنصور
ترجمة وتعليق : عشتار العراقية

هذا موجز لبحث نشر في مجلة: Journal of Interdisciplinary History, xl:1 (Summer, 2009), 3356. بعنوان (التخطيط للسلام والاجبار على الاستسلام: الردع في احتلال الحلفاء لألمانيا واليابان)

بقلم : ميليسا ولارد فوستر
ترجمة وتعليق : عشتار العراقية


الجزء الثاني هنا


الترهيب من الجو


لقد اعتبر التهديد بالعقاب من السماء جزءا مهما من ستراتيجية الحروب والشاهد على ذلك مقتل 300 الف الماني و330 الف ياباني بسبب القصف في الحرب. والهجمات الجوية مخصصة لإرهاب السكان المدنيين. ولكن المهم ان هذه الستراتيجية لم تنته مع الحرب، فقد رأى صناع القرار استخدام هذه القوة الجوية للسيطرة على الاراضي المحتلة. ومن المثير للدهشة أن الذين عارضوا هذه الخطة لم يكن بسبب وحشيتها وانما الخوف من ألا يكون رادعا مؤثرا بما فيه الكفاية"


وفائدة الهجمات الجوية لإخضاع الشعوب أنها تعوض عن تكلفة استخدام اعداد كبيرة من الجيش على الأرض. وكان من اشد مؤيدي هذه المعالجة اللورد تشارلس بورتال رئيس الاركان البريطاني الذي اعتمد عليه في اثناء وظيفته كقائد الجو في المحمية البريطانية عدن. وفي رأيه "مايمكن فعله في قبيلة واحدة يمكن فعله بسهولة في القبائل الاخرى" وبعد عدة عقود في منتصف 1943 قال بورتال لتشرتشل " ان الفكرة التي نجحت في حصد التأييد في لجنة هيئة الاركان هو اننا لن نحتل المانيا بقوات برية كثيرة بل باستخدام السلاح الجوي مع قوات برية صغيرة متحركة لدعم السيطرة."


ولكن رغم ما يوفره القصف الجوي من مصاريف القوات البرية فإن البريطانيين فقدوا حماستهم له لأنه في رأيهم انه لم يكن يشكل رادعا كافيا ، فلا شيء يخيف مثل قوات برية هائلة على الارض. بحلول آيار 1944 اقترحت الولايات المتحدة "قوة جوية كاسحة مع قوات برية سريعة التحرك، ولكن بريطانيا لم تر هذا الرأي وان لم تبخس القوة الجوية حقها فقد قال الوفد البريطاني الى اللجنة الاستشارية الاوربية بأن (قوة جوية ضاربة ستكون ضرورية في كل المراحل)


في 1945 أيدت واشنطن رأي لندن في أنه من الخطأ الاعتماد كليا على القوة الجوية ولكن ظل الاعتقاد بان الضربات الجوية تشكل رادعا نفسيا مهما. في نيسان 1945 اوضح تقرير من مكتب القيادة العالم ، القوات الجوية الستراتيجية الامريكية في اوربا بان التهديد بالقصف يجب ان يلعب دورا مهما في حقبة مابعد الحرب. وقد صادق الرئيس ايزنهاور وهيئة الاركان على التقرير الذي يوصي باقامة "قواعد جوية ستراتيجية في اوربا للتأثير على الالمان الذين رأوا بأم أعينهم خلال الحرب القوة الهائلة للقصف الجوي. والتهديد المستمر بهذا النوع من الهجمات ضد الالمان سوف يذكرهم بعواقب واخطار تجاوز شروط الاستسلام" وقد طالبت نفس المذكرة باقامة 33 قاعدة ، منها 13 مجموعات قاذفات قنابل ثقيلة ومتوسطة و10 مجموعات مقاتلة . واقترحت 9 قواعد اخرى في فرنسا وايطاليا والدنمارك والنرويج. هدفها "تسهيل فرض التهديد الجوي المطلوب"


وقد استقت خطط مابعد الحرب لليابان نفس الافكار. بعد مراسيم الاستسلام ، اشترط الهيمنة على المدن الرئيسية والمناطق الحيوية من الجو حتى يمكن تأسيس (قوة احتلال جوية) ومن اجل هذه المهمة وضعت مجموعتان من طائرات بي 25 و3 "مجموعات مقاتلة طويلة المدى " في الجزر الجنوبية وهي التي تقوم بمراقبة النصف الجنوبي من اليابان، في حين ان مجموعتين من طائرات بي 29 في جزيرة ايووجيما سوف تراقب النصف الشمالي. وحالما يقع الاحتلال فإن اسراب الجو سوف توضع في قواعد كاملة في اليابان. وصدرت خطة في حزيران 1945 تقدر بأن عدد الوحدات المحمولة جوا ستكون 125 الف رجلا من القوة الجوية في الجيش الامريكي واخرى 215 الف من اسراب الجو التابعة للمارينز لتكون ما مجموعه 40 % من القوات المقترحة والبالغة 863700.


في النهاية قلصت هذه الاعداد في كل من اوربا واسيا حين ظهر واضحا هزيمة قوات المحور.


تطبيق سياسات الترهيب ضد السكان


المانيا - شهدت المناطق الالمانية التي تم احتلالها من قبل امريكا قبل ثمان شهور من هزيمة المانيا النهائية دليلا على سياسة التخويف التي اتبعت لاخضاع السكان. وكان دافعها الخوف المستمر من توقع مقاومة . قامت القوات المحتلة في ايلول 1944 بتنفيذ سياسات العقوبات والقصاص كما وردت في دليل القادة ، وكان مصير المدنيين الذين لايلتزمون بالقرارات الموت .


وقد دمرت مدينة بروكسال بكاملها لاحد هذه الاسباب . وكان انتهاك حظر التجول مثلا عقابه السجن او الموت. في مارس 1945 اطلق الرصاص على مدني الماني لأنه انتهك قرار حظرالتجول . وبعد شهر ردت القوات الامركيية على قناصين مدنيين بتدمير قرية كاملة بنيران المدفعية . ونالت المدن الاخرى التي قاومت نفس المصير. وقد اوضح احد ضباط الجيش الثالث الامريكي اوامره "احراق اي منزل يؤوي احد رجال المخابرات النازية" والهدف كان واضحا "كلما اسرع المدنيون في ادراك هذا سوف يزداد امتناعهم عن تقديم غطاء لهذه الحشرات الضارة " ولم تخف قوات الاحتلال عزمها على استخدام القوة . في اواخر نيسان ، اعلن تشرتشل خططه لاعتقال اي ضابط الماني طالما حرب العصابات مستمرة ، اي الاحتفاظ بهم كرهائن.


ورغم الاستسلام فقد بقي العديد من الاجراءات المذكورة في دليل القادة سارية. كان الجيش يقوم بتفتيش واعتقالات في المنطقة الامريكية

 

خلال السنة الاولى للبحث عن انتهاكات امنية، او حيازة اسلحة ، والافراد الذين يشتبه في تنظيمهم مقاومة مسلحة . في تموز 1945 نتجت مداهمة مفاجئة عن اعتقال 83 الف شخص ، وفي مداهمة بشهر تشرين ثان اعتقل 3000 شخص اضافي. من وجد منهم يحتفظ باسلحة بشكل غير شرعي كان العقاب الأقصى هو الموت. ونفذت عشرات الاعدامات ، معظمها بتهمة (التجسس في زمن الحرب) ، في المنطقة الامريكية بواسطة فريق اعدام بالرصاص


وفي حين كانت الاعدامات تجري بقطع الرؤوس في المنطقة البريطانية .(يتهمون العرب بقطع الرؤوس!!)


والكثير من هذه الاعدامات كانت تخدم كتحذير وتخويف للسكان . في حزيران 1945 حكم على ولدين المانيين احدهما في عمر 16 سنة والاخر 17 لنقلهم تحركات القوات الامريكية . وقد خاطب رئيس المحكمة المحكومين وهو ينطق الحكم قائلا "سوف تدفعان اقصى عقوبة لجريمتيكما حتى يفهم الشعب الالماني اننا ننوي استخدام اي قوة ضرورية حتى نمحو تماما محنة العسكرية الالمانية والايديولوجية النازية من وجه الأرض" (هي تختلف هذه المحكمة عن محكمة الاحتلال عندنا؟)


وفي اللقطات السينمائية الاخبارية التي كانت ترافق الافلام التي تعرض في ميونخ كانت تعرض مثل هذه الاعدامات . واحد المشاهدين يتذكر ذلك قائلا "كانت تعرض كل تفاصيل اطلاق النار، ربط الالمان الى العمود،، قيام فريق الاعدام باطلاق النار ، وانهيار الجواسيس. وبما انهم كانوا يقتلون واحدا او اثنين في كل مرة ، فقد كان هذا الاداء يعاد اربع مرات حتى ينهار المشاهدون بانهيار الجواسيس وهم يسقطون.


(لاحظوا كيف أن المواطن الألماني يتذكر حتى بعد مرور سنوات عديدة ان صفة هؤلاء هي (جواسيس) من نتاج غسيل الأدمغة ، جواسيس على من ؟ هل يسمى من ينقل تحركات و أخبار العدو المحتل الى قواته الوطنية (جاسوسا) ؟ كما يتحدثون عندنا عن (ارهابيين) !!)


وقد استخدم الاحتلال اجراءات اقل وحشية . في صيف 1945 ، تم جمع اول غرامة جماعية من مدينة . الغرامات وحظرالتجوال وتحديد الحركة استمرت لسنوات . في نسان 1946 اعتقل الاحتلال 4000 مواطن بسبب حظر التجول والسفر فقط. وليس قبل تشرين ثان 1946 صدر امر للجنود بعدم استخدام النار ضد المشتبه بهم الصغار. وقد حدث ذلك بعد اطلاق النار على الماني مدني عمره 65 سنة لم يستطع ايقاف دراجته حين امر بذلك . ولكن محاولات فرض الإخضاع ارخيت في صيف 1945 ، حين صار واضحا مدى استسلام الشعب الالماني. ولكن في اواخر حزيران على اية حال ، اشتبه المسؤولون الحكوميون العسكريون بأن عشرات الالاف من الجنود الالمان قد خبأوا اسلحتهم في نهاية الحرب. وكما اوضح احد الضباط "اذا جاعوا في هذا الشتاء فسوف يحفرون البنادق ويبدأون في اطلاق النار" وهذه المخاوف جعلتهم يعالجون مشاكل نقص الغذاء ولكن ظلت المسألة الأمنية لها الاولوية . في تشرين اول حذر الجيش الأمريكي المسؤولين الالمان بان اي اخلاق بالأمن سوف يواجه بعقاب جماعي.


ثم شيئا فشيئا أرخى الاحتلال السياسات القاسية . في عام 1944 كانت هذه السياسيات تحرم اي تعامل اجتماعي مع المدنيين الالمان ، ولكن في حزيران 1945 رفع الحظر على التعامل مع الاطفال الصغار ! وفي ايلول سمح للجنود بالتحدث مع المدنيين ولكن على نطاق ضيق. وفي ايلول 1946 بدا واضحا التحول العكسي للسياسية. ذكرت نشرة صادرة عن الاحتلال "اصبح الشاغل اليوم هو انقاذ عام للشعب الالماني .. كل عنصر من قوات الاحتلال يشترك في هذا البرنامج". وفي منتصف 1946 كانت المقاومة العلنية تعتبر بشكل عام وفي تعبير مراسل لصحيفة نيويورك تايمز "بلا معنى وليس لها هدف "ومع هذا بقي الخوف من ظهور مقاومة شديدة. وكان هناك خوف من ان يخترق المتعاطفون مع النازية الاحزاب السياسية الشرعية او يحيون الشعور الوطني الالماني وهذا مما دفع الى اقامة برنامج (اجتثاث النازية) في المنطقة الامريكية .


اليابان


رغم ان السياسات الاولى في اليابان كانت مبنية على تلك التي طبقت في المانيا ، ففي خلال اسابيع من الاستسلام . كانت اعداد القوات والمهارات المطلوبة لاحتلال مباشر أخر قليلة مما تطلب احتلالا غير مباشر واعادة صياغة السياسيات القمعية . ولكن رغم الاوامر لتطبيق الاسلوب الجديد فقد اخفى ماكارثر اعلان التغيير حتى انتشرت القوات الامريكية في الجزيرة. في هذه الاثناء كانت الطائرات تطير على علو منخفض من اجل اخافة السكان. في الاسابيع الاولى ، كان الهدف التركيز على توضيح النية والارادة على استخدام القوة .


ومع وجود الاحتلال المباشر في ألمانيا ، كان الشعب الأمريكي يطالب بعودة القوات الى الوطن وكان هناك نقص في عدد الاشخاص ذوي الخبرة في ادارة احتلال اليابان وهكذا كان احتلال مباشر آخر يبدو غير فعال. ومن 14 الى 22 آب عمل جون ماكلوي السكرتير المساعد لستمسون مع مستشارين من وزارتي الحرب والخارجية ، بكل همة لاعادة النظر في خطط الاحتلال. وكان على القائد العام الامريكي ان "يمارس سلطته من خلال الحكومة اليابانية وهيئاتها بضمنها الأمبراطور نفسه" ولمدة اسبوعين بعد استسلام اليابان ظلت الطائرات المقاتلة من نوع بي 29 تجوب الاجواء لاستعراض القوة وقد وصف أمر من القوة الجوية الأمريكية AAF في 10 آب ان المهمة الاولى للقوة هي :


"المهمة الرئيسية لقوات AAF هو استعراض القوة لاستمرار اخافة اليابانيين خلال الفترة الانتقالية منذ هزيمتهم وحتى وصول قوات الاحتلال" وهذا الاستعراض للقوة دفع الامبراطورة لتكتب في 30 آب رسالة الى ابنها تقول فيها "في كل يوم منذ الصباح حتى الليل طائرات بي 29 وقاذفات القنابل البحرية والمقاتلات تطير بحرية فوق القصر من كل الاتجاهات مصدرة ضجة هائلة ، ومع الاسف طائرة بي 29 طائرة فاخرة "


استلم ماكارثر أمرا بتغيير السياسة في 23 آب قبل ايام من وصول طلائع القوات الامريكان الى اليابان وقد تسببت الأوامر في اعادة نظر في السياسات القمعية في القائمة السوداء ، ولكنها لم تغير الاعتقاد في الحاجة الى استعراضات القوة . وقد حذر الادميرال روبرت كارني حذر قبل الوصول الى اليابان قائلا " يجب تذكر ان هؤلاء هم نفس اليابانيين الذين بخيانتهم وبقسوتهم وخبثهم تسببوا في هذه الحرب، ينبغي ان نكون باستمرار واعين للخيانة "


لم تكن هناك مقاومة يابانية ولم تضطر امريكا استخدام الإجراءات المنصوص عليها للتخويف ، سرعان ما تحولت سياسة استعراض القوة الى الجزرة على طرف العصا.


**



تعليق : الاجراءات العقابية المذكورة في هذا الجزء تنطبق أيضا على ما حدث ويحدث في العراق. يمكنكم تذكر كل وحشية وكل بربرية ووضعها في إطار هذا الترهيب والتخويف لإخضاع الشعب العراقي. ولكن ينبغي الا ننسى الفرق بين العراق من جهة وحالة اليابان وألمانيا من جهة أخرى.


العراق لم يحتل لأنه دخل حربا مع الولايات المتحدة وهزم، وانما احتل ظلما وعدوانا احتلالا غير شرعيا ، ولكن من ناحية اخرى لم تفرض عليه شروط استسلام لأن العراق لم يكن طرفا في حرب كما أسلفت. والفرق الآخر ان المقاومة انطلقت مباشرة بعد الإحتلال ، ولو شدتها لما اضطرت الادارة الامريكية الى تغيير مراحلها وسياساتها كما رأينا ، وافتعال فرق موت وحرب طائفية وتأليب جزء من الشعب على الجزء الآخر ، وتشويه المقاومة والقيام بعمليات بيارق مزيفة . كما أنه في احتلال اليابان وألمانيا لم يكن المرتزقة وشركاتهم قد نمت واسشرت كما حدث مع حرب العراق حيث يمكن تسميتها حربا مخصخصة ، ولهذا كان الفساد والتربح كبيرا .


أخيرا أتمنى أن أعرف ماهو (دليل القادة) الذي استخدمه قادة الإحتلال في العراق، فرغم انهم طبقوا نفس اجراءات الأدلة التي ذكرناها والتي استخدمت في احتلال ألمانيا واليابان ، ولكن لابد أنه كان هناك دليل خاص بالعراق. اتمنى أن أعرف ماذا ان فيه . هل اقترح احدهم فيه ارجاع العراق الى (الصحراء) كما اقترح احدهم ارجاع ألمانيا من صناعية الى زراعية كنوع من العقاب والقصاص ؟ لأنه يبدو أن الاحتلال عمل على تصحير العراق بكل الوسائل.

 

 

للإطلاع على مقالات الكاتب إضغط هنــا  
 
 

يرجى الاشارة

إلى شبكة المنصور عند إعادة النشر او الاقتباس

كيفية طباعة المقال

الاحد  / ٠٤ جمـادي الاولى ١٤٣١ هـ

***

 الموافق ١٨ / نيسـان / ٢٠١٠ م

الرئيسية | بيانات البعث | بيانات المقاومة | مقالات مختارة | تقارير إخبارية | دليل كتاب شبكة المنصور