احتـلال العــراق ... هل كانت بدايته مع بداية الالفية الثالثة؟؟

﴿ الجزء الخامس ﴾

 
 
شبكة المنصور
نبيل ايراهيم

فقد وطن أخضر اللون يدعى وادي الرافدين, يرتدي مليون نخلة وأهوار بحجم معاناته, عمره آلاف السنين, يتجول في أزقته الموت , كان ملاذاً للخائفين وأصبح خوفا للآمنين, تزين أرصفته دماء الأطفال الأبرياء الذاهبين إلى المدارس ليتعلموا كيف تكتب كلمة وطن, فعلى من يعثر عليه أن يصلي من اجله, ويضمد جراحه .

اللهم احفظه وأحفظ أهله الطيبين  آميـــــــــــــــــــــــــــن

 

عزيزي القارئ الكريم بعد ان تم تناول  الصفحات المشرقة التي سطرتها حكومة الثورة في بناء العراق ومحاولة نقله الى مصاف الدول المتقدمة , والمحاولات الامبريالية الفاشلة في اسقاط نظام الحكم الوطني سواء من قبل عملاء امريكا الصغار كالعصابات البرزانية اللذين قادوا التمرد المسلح او سواء عن طريق نظام الملالي الذين تجرعوا السم الزعاف او عن طريق يهودالخليج (آلأ نباح), سأتناول الان صفحات من الحرب المباشرة بين امريكا والعراق والتي بدأت من عام 1991 وانتهت باحتلال العراق عام 2003 حيث ما كان من امريكا الاّ ان تغّير استراتيجيتها في  الحرب على العراق من الحروب بالانابة الى الحرب المباشرة.

 

فبعد ان اندحر حلفاء امريكا  كبارهم وصغارهم وبعد ان فشلت امريكا في اسقاط الحكم الوطني بعد العدوان الثلاثيني عام 1991, بتوريط الدول الاستعمارية الاخرى، مستغلة رغبتهم في عودة بعض من نفوذهم القديم في آسيا، كما استغلت ملالي ايران و الانظمة العربية الرسمية  العميلة لها في المنطقة وكانت تريد من توريط هذه الدول بأن تجعل من جيوشها دروعاً لقواتها لمقاتلة ابطال العراق فكانت النتسجة العدوان  الثلاثيني عام  1991  ، وبالرغم من الدمار الهائل جراء القصف الوحشي وتدمير اغلب البنى التحتية للعراق ، الا انها فشلت في تحقيق هدفها الرئيسي في اسقاط النظام الوطني العراقي, مما اضطرها ذلك ان توقف القتال وتهيء نفسها الى حرب جديدة، كانت الامم المتحدة ومنظماتها ذات الاختصاص، ومجلس الامن ؛ هي الاداة المنفذة هذه المرة وكان الحصار الذي فرضه هذا المجلس " الامريكي - الصهيوني " والذي دام "13" عاماً، اكبر جريمة انسانية عالمية شهدها التأريخ الانساني، فقد كان من نتائج هذا الحصار قتل مئات الآلاف من  اطفال العراق، بسبب منع العراق من استيراد حليب الاطفال والادوية و المستلزمات العلاجية الاخرى الخاصة بهم، ناهيكم عما سببه هذا الحصار من نتائج عوقت من استمرار التقدم والبناء؛ حيث لم يسمح للعراق من تصدير نفطه او استيراد المواد الاساسية للبناء كما لم يُسمح له استيراد المواد الغذائية الا عن طريق الامم المتحدة...... وتصوروا كم هو الحقد الصهيوني الامريكي على شعوب العالم أن هي عارضت تطلعاتها في احتواء العالم وسرقة ثرواته، وكم هو لازم على هذه الشعوب ان تتصدى لهذا التحالف الامريكي - الصهيوني الذي يريد لها ان تكون خادمة لارادة ومشيئة هذا التحالف الخبيث .

 

محطات لابد من ذكرها

لابد ان نعرج على عدة محطات قبل الولوج في مرحلة الحرب المباشرة من قبل امريكا على العراق فمعلوم ان البرامج النووية العراقية (في بداية الثمانينات) وصلت الى مرحلة متقدمة بدرجة تكفي لتهديد التفوق الذري الصهيوني . لذلك السبب, قرر الكيان الصهيوني تدميرها. وبدأ تنفيذ ذلك باغتيال عالم الفيزياء الذرية المصري, يحيى المشد, في 13 أبريل نيسان 1980, في باريس, حيث كان يعمل في البرنامج الذري العراقي في فرنسا. وفي 7 يونيو/حزيران 1981, قامت الطائرات الإسرائيلية من طراز إف~16 الأميركية الصنع بغارتين على المفاعل الذري العراقي (تموز رقم 1), تمكنت خلالهما من تدميره. ومع ذلك, تمكن العراق من إعادة بناء المفاعل (تموز رقم 2), خلال الثمانينات. وفي سبتمبر/أيلول 1988, سعى العراق لشراء وامتلاك أجهزة الإطلاق الذرية, المعروفة باسم "كرايترون" (التي سبق ذكرها), وكان ذلك دليلاً على قرب إنتاج الأسلحة الذرية العراقية. وبحلول يونيو/حزيران 1990, قدر محللو وزارة الدفاع الأميركية بأن العراق سيكون قادراً على إنتاج أول قنبلة ذرية خلال فترة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات.

 

 كذلك تمكن الكيان الصهيوني من تدمير سلاح عراقي آخر, هو مدفع بابل, الذي كان على وشك أن يمكن العراق من دخول عصر الفضاء. ففي آذار 1989, اكتمل بناء المدفع الذي بلغ طوله 56 مترا, وتمت تجربته. وكان باستطاعة كل واحدة من قذائفه الفولاذية أن تحمل حوالي 500 كيلوغراما من المتفجرات, ولمسافة تصل إلى حوالي 1,000 كيلومتر. وفي 7 آذار 1990, أعلن الفريق عامر السعدي بأن العراق أصبح جاهزاً لاستعمال مدفع بابل في إطلاق نوعين من الأقمار الصناعية المنتجة محلياً إلى الفضاء الخارجي.

 

 وخلال نيسان وأيار 1990, انطلقت الحملة المعادية للعراق في أوروبا الغربية والولايات المتحدة بهدف استكمال ما بدأه الكيان الصهيوني عندما قام عملاؤها باغتيال مصمم مدفع بابل, جيرالد بُل, قبل ذلك بشهرين, أي في 7 شباط من نفس العام. فقام موظفو الجمارك في بريطانيا وألمانيا الغربية وإيطاليا واليونان وتركيا باعتراض الشحنات التجارية المتوجهة للعراق, والمشتملة على قطع يمكن استعمالها في بناء مدفع بابل. وفي تموز من عام 1990 أيضا, قام موظفو الجمارك الأميركيون بتوقيف قطع مشحونة إلى العراق, قيل في حينها أنها كانت ستستخدم في صنع القنبلة الذرية العراقية.

 

 أخيراً, فان الكيان الصهيوني كان شديد الاهتمام بتدمير أنظمة الصواريخ العراقية, حتى يحافظ على تفوقه الجوي في المنطقة. فقد كان برنامج الصواريخ العراقية فعالاً وناجحاً منذ عام 1984, عندما تمكن العراق من تطوير الصاروخ ذاتي الدفع, أستروس رقم 2, بالتعاون مع البرازيل. وقد تسارع تطوير البرنامج عندما حصل العراق على 300 صاروخ من طراز سكود ب, في عام 1986. فأخذ العراقيون تلك الصواريخ إلى البرازيل, حيث حولوها إلى 200 من الصواريخ المتوسطة المدى, ولكن بعد تخفيض سعة رؤوسها الحربية إلى 190 كيلوغراماً بدلاً من 800 كيلوغرام.   وفي 5 أغسطس/آب 1987, أعلن الرئيس صدام حسين بأنه قد تم تجريب الصاروخ العراقي الجديد, "الحسين," الذي أُطلق بنجاح وقطع مسافة 615 كيلومتراً, وأصاب الهدف المحدد له

وفي 7 كانون ثاني 1989, أطلق العراق صاروخ "العابد" الذي كان بثلاثة مراحل, وبلغ وزنه 48 طنا, وارتفاعه 25 متراً. وكان بإمكان "العابد" حمل رأس حربي إلى هدف يبعد بمسافة 2,000 كيلومتر عن موقع الإطلاق. وقد أثار ذلك الإنجاز قلق الرسميين الأميركيين الذين صرحوا للصحفيين في اليوم التالي, 8 كانون ثاني 1989, في واشنطن, بأن برامج الصواريخ العراقية قد أصبحت "موضوع قلق رئيس لإدارة بوش."

 

وفي 12 نيسان 1990, كرر الشهيد صدام حسين ما ذكره سابقاً بأن هناك حملة إعلامية غربية غير مبررة ضد العراق. وقد أخبر وفداً من مجلس الشيوخ الأميركي, ترأسه كل من بوب دول وألن سمبسون, بأنه في حالة اغتيال القيادة العراقية في هجوم إسرائيلي, فإن قادة القوات الجوية لديهم أوامر بمهاجمة إسرائيل بالأسلحة الكيميائية. كذلك فإنه دافع عن امتلاك العراق للأسلحة الاستراتيجية لأنها تحدث توازناً في القوى يؤدي في النهاية إلى السلام, خاصة أن الميزان كان مختلاً لصالح إسرائيل التي كانت (ولا تزال) تمتلك ترسانة كبيرة من الأسلحة الذرية.

 

الصفحة الاولى من الحرب الامريكية المباشرة

فرض الحصار الجائر على العراق

 

صيغت قرارات العقوبات بمبادرة أمريكا باسم الشرعية الدولية وعلى أساس لا يتفق مع بنود الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة. وقد صدر أكثر من 30 قرارا بحق العراق منذ عام 1990 اثني عشر منها قبل الحرب في الفترة بين 2 آب ولغاية 29 تشرين الثاني 1990 بدءا بالقرار 660 امرورا بالقرار 661 في 6 آب 1990 الذي فرض العقوبات الدولية والجزاءات الاقتصادية الإلزامية، و مرورا بالقرار المرقم 665 في 25 اب وبضغط من الولايات المتحدة تبنى مجلس الأمن في 25 آب القرار 665 وأنشأ حصارا بحريا لتقوية فاعلية نظام العقوبات حيث أجاز استخدام القوة لغرض تطبيق الحظر على العراق طبقا للقرار 661 , إنتهاءا بالقرار 678 في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1990 الذي قرر بموجبه مجلس الأمن استخدام الخيار العسكري ما لم ينفذ العراق بحلول 15 كانون الثاني/يناير 1991 جميع قرارات مجلس الأمن. وذلك باستخدام جميع الوسائل اللازمة لإرغامه على الانسحاب وإعادة الأمن والسلم الدوليين إلى نصابهما في المنطقة كما نص القرار المذكور. كذلك اتخذت إجراءات لمنع الوكالات الدولية من تقديم المساعدات الضرورية ومن التحقيق في الأزمة الصحية المتفاقمة رغم أن القرار 666 الصادر في 4 أيلول 1990 أجازها وطلب نقل وتوزيع المساعدات الإنسانية إلى العراق عن طريق الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

 

فعلياً لم يمنح مجلس الأمن الأذن لترجمة مصطلح الوسائل اللازمة (أي الخيار العسكري) بعد فشل تحقيق الانسحاب. إذ أن الإذن الفعلي باستخدام القوة كان ينبغي تحديده بصورة واضحة وبإشراف من مجلس الأمن تحت قيادة وعلم الأمم المتحدة. وهو ما لم يحصل إذ استأثرت الولايات المتحدة بتفسير القرار 678 بأنه تفويض لها ولحلفائها لاستخدام الوسائل اللازمة (بما فيها المسلحة) لإجبار العراق على الانسحاب من الكويت. أما القرارات المتبقية والتي بلغت قرابة 20 قراراً فقد اتخذها مجلس الأمن بعد انتهاء الحرب التي بدأت فجر 17 كانون الثاني 1991 وانتهت في 28 شباط من العام نفسه. حيث تم تجاوز الأهداف المعلنة في القرارات الدولية ولم يكن في الواقع سوى مدخل لتدمير العراق مع سابق الإصرار والتصميم.

 

من هذه القرارات القرار 687 (الرابع عشر) الصادر في 3 نيسان 1991 والذي يعد أخطر وأطول وأغرب قرار وكذلك الأول من نوعه في تاريخ مجلس الأمن، إثره اتخذت 9 قرارات لاحقة تتعلق بتنفيذه. لقد حدد شروط وقف إطلاق النار ومسألة التعويضات والرقابة على التسلح واستمرار الحصار ومسألة الحدود العراقية-الكويتية ونبذ الإرهاب الدولي وغيره. فأتى على السيادة العراقية ورهن موارد البلد ومستقبله لأجل طويل.

 

وتطرق القراران 706 في 15 آب 1991 و712 في 19 أيلول إلى مساعي تخفيف معاناة الشعب العراقي بسبب الحالة الغذائية والصحية الخطيرة للسكان المدنيين ودعيا إلى تقديم الإغاثة والمساعدات الإنسانية بإشراف الأمم المتحدة. وهو ما ذهب إلى توسيعه القرار 986 المعروف باسم النفط مقابل الغذاء دون أن يحل المشكلة الحقيقية وهي استمرار الحصار الاقتصادي الدولي.

 

أما القرار 688 الصادر في نيسان 1991 فهو القرار الوحيد الذي لم يصدر ضمن الفصل السابع وبذلك يصبح أدنى حجية من القرارات الأخرى. ، فالأمم المتحدة لم تصر على تطبيقه لكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين كما نص ,رغم ان الحكومة العراقية أجرت تعديلات دستورية وقانونية تطال النظام السياسي في هيكليته وتسمح بالتعددية واحترام حقوق الإنسان, إلا أنه للأسف استخدم بطريقة ازدواجية وبانتقائية في المعايير وفقاً للمصالح الدولية.

 

لكن بعد أن كان الحصار مربوطا بتنفيذ كل قرارات الأمم المتحدة، تحول بعد إيفاء العراق بالتزاماته إلى ربط رفعه بزوال نظام الحكم الوطني العراقي الذي كان يرأسه الشهيد صدام حسين . فمنذ 20 أيار 1991 أعلن الرئيس الأمريكي بوش أنه لن توضع نهاية للحصار التجاري ما دام صدام حسين في السلطة. وبدأت الدعاية الأمريكية الرسمية تركز على آلية نقل الذنب للآخر والتخدير النفسي مما سهل على المجتمع الدولي تجاهل مساهمته فيما حدث وعدم تحركه من أجل نجدة الشعب العراقي.

 

عند انتهاء الأعمال العسكرية كان من المفترض أن يصدر مجلس الأمن قرارا بإنهاء مفعول القرار 661 حيث أن الغاية من صدوره قد تحققت وهي خروج العراق من الكويت. لكن شيئا من هذا القبيل لم يحدث حيث اعتمد المجلس أطول قرار في تاريخه كما أشرنا. وهو مشروع قرار أمريكي (687) ينطوي على تحول في منهج مجلس الأمن بشكل جذري بحيث يكرّس العقوبات ويخضع رفعها أو تخفيفها لشروط سياسية ويلزم العراق بدفع نسبة عالية من قيمة نفطه المصدر إلى صندوق التعويضات. ومن جملة ما فرضه منع أي شخص أو هيئة في العراق من المطالبة بالأضرار التي أصابته بسبب العقوبات، وتحول لمعاقبة الشعب العراقي، كما أهمل مجلس الأمن الفقرة 21 من هذا القرار الذي لم يعالج في أي من مراجعاته الدورية إمكانية الرفع الجزئي للعقوبات كما ورد فيها. مما سمح لوزيرة الخارجية الأمريكية مادلين اولبرايت (في حينها), بالتعبير في معرض حديثها خلال ندوة جرت في 26/3/1997 بشكل يناقض الفقرة 22 من القرار 687 عندما قالت : ...((لا نتفق مع تلك الأمم التي تقول بأنه إذا امتثل العراق لالتزاماته الخاصة بأسلحة التدمير الشامل فإن العقوبات يجب أن ترفع..)).

 

بموجب هذا القرار أصبحت أهداف فرض العقوبات هلامية. وقد عبر عن هذا التغيير المستمر للمواقف من رفع الحصار الأمين السابق للأمم المتحدة بطرس غالي في تقريره عام 1995 عندما أصدر ملحقا للخطة من أجل السلام التي أعقبت مبادرته الأولى في 1992 إذ قال: ...(( الأهداف التي من أجلها فرضت أنظمة معينة للجزاءات (العقوبات) لم تكن دائما محددة تحديدا واضحا بل يبدو في بعض الأحيان أنها تتغير بمرور الوقت. وهذا المزيج من عدم الدقة والتغيير يجعل من العسير على مجلس الأمن أن يتفق بشأن الوقت الذي يمكن فيه اعتبار أن الأهداف قد تحققت وانه يمكن رفع الجزاءات , وإذا ما أريد الاحتفاظ بالتأييد العام لاستخدام الجزاءات وسيلة فعالة ينبغي الحرص على تجنب إعطاء الانطباع بأن الغرض من فرض الجزاءات هو المعاقبة وليس تعديل السلوك السياسي أو أنه يجري تغيير المعايير لخدمة مقاصد غير المقاصد التي كانت هي الدافع إلى اتخاذ القرار الأصلي بفرض الجزاءات..)) .

 

لقد فرضت أمريكا وبريطانيا منذ 27 حزيران 1991 منطقة حظر طيران في شمال العراق دون العودة إلى مجلس الأمن، ثم عادت من جديد في آب 1992 لتفرض منطقة حظر أخرى في جنوب العراق هذه المرة ودائما دون العودة لمجلس الأمن. فعلت ذلك على أساس أنها أعطت نفسها حق التفسير المنفرد لقرارات مجلس الأمن, وبالتالي حق التصرف كما يحلو لها. ما خلا ذلك قامت بثلاث هجمات عسكرية أخرى في بداية ووسط 1993 وفي أيلول 1996 مستعملة الصواريخ والطائرات دون أن تعرض ذلك على مجلس الأمن أو أن تحصل على تخويل بذلك. وهذا النهج يشكل سابقة خطيرة في تاريخ الأمم المتحدة. ولتحقيق أهدافها لجأت الولايات المتحدة  لاستخدام حق النقض للحيلولة دون تحرك مجلس الأمن باتجاه منصف جاعلة منه رهينة لإرادتها. ذلك رغم الديون المترتبة عليها تجاه الأمم المتحدة والتي تزيد عن ديون أية دولة أخرى في العالم. وعندما تفشل في الحصول على قرار تتصرف بشكل منفرد. تأكيداً لذلك، نعرض ما صرّح به وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر في معرض محاضرته في المعهد الجمهوري الدولي في واشنطن بتاريخ 21 حزيران/يونيو 1996 حيث قال أنه ...((من المهم أن تستخدم الولايات المتحدة جميع الأدوات المتاحة. خلال أزمة الخليج شملت هذه الأدوات الأعمال الانفرادية مثل قيامنا بتجميد الحسابات العراقية في بلادنا حتى قبل أن يعرف الشعب الأمريكي بأن العراق قد غزا الكويت، وتشكيل تحالف مؤقت، واستخدام الأمم المتحدة. دعوني أوضح لكم نقطة واحدة بصورة واضحة جدا، إن استخدامنا للأمم المتحدة لم يتحرك على أساس التزام حالم أو مفرط بالتفاؤل بتعددية العلاقات الدولية، كان المحرك هو الاعتراف الرزين بفائدة الأمم المتحدة كواسطة للقيادة الأمريكية. أعتقد أن علينا أن نتذكر باستمرار بأن الأمم المتحدة هي وسيلة، وأنها ليست هدفا من أهداف السياسة الخارجية الأمريكية..)) .

 

تأثيرات الحصار الظالم على العراق بجميع نواحيه

لقد أجهز الحصار الذي هو شكل آخر للحرب غير المسلحة والصامتة والمضنية على هذا البلد بشكل مروع. ألم يقل يوما الرئيس وودرو ويلسون: ((كلا ليس الحرب، بل شئ آخر أكثر هولاً من الحرب ؟؟. طبقوا هذا العلاج الاقتصادي الصامت القاتل ولن تعود هناك حاجة إلى القوة. المقاطعة هي البديل عن الحرب...)), فالذين توفوا نتيجته من الشعب العراقي أكثر من الذين قضوا بسبب العمليات الحربية. إضافة إلى أن البنى التحتية قد دمرت بشكل شبه كامل بسبب العمليات العسكرية، كان النقل البحري والجوي قد منع وتوقفت بسبب الحظر أعمال الاعمار والصيانة وخطط التنمية. وقد تدهور نتيجة لذلك مستوى المعيشة بشكل حاد عما كان عليه قبل1990 وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بحدود الثلثين في 1991 نتيجة انخفاض إنتاج النفط بنسبة 85% وبسبب تدمير قطاعي الصناعة والخدمات. كما إن تسريح ما يقارب ثلثي القوى العاملة نتيجة توقف المشاريع في القطاعات الحكومية والأهلية سجلت زيادة كبيرة في نسب البطالة. مما ساهم بتمزق الحياة العائلية وأكثر من ظواهر العنف الاجتماعي والرشوة والسرقة والتهريب والمضاربات وجنوح الأحداث والبغاء وما شابه ذلك من علامات انهيار وتفكك اجتماعي.

 

لقد ارتفعت نسبة وفيات الأمهات أثناء الحمل والولادة وبدأت العائلات تشكو من غياب الأب وعدم قيامه بدوره. في حين أن الضغط الاقتصادي على ربّات الأسر قد ارتفع ملزما إياهن بتأمين البدائل لمستلزمات الحياة وتمضية وقتهن في أعمال تدبير أمور العائلة وتأمين الغذاء وضغط النفقات. تم ذلك على حساب انعتاقهن ومشاركتهن في الحياة السياسية وتسلمهن الوظائف العامة وتحقيق أنفسهن. هذا في جو من الحرمان الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والعاطفي ومن الاستغلال المضاعف وامتهان الكرامة واستشراء العنف الاجتماعي وتصدع القيم الأخلاقية وانتعاش التزمت الديني والروابط التقليدية والولاء القبلي. فقد تحملن عبء العقوبات بشكل أعنف عند وفاة الزوج أو الشقيق أو عند انهيار الزواج وفي زيادة حالات العنوسة. والأمهات عادة ما يجعن كي يطعمن أطفالهن عندما يعجزن عن تأمين ما يكفي من الاحتياجات. فكيف الحال عندما تكون المرأة حامل أو مرضع في وضع من سوء التغذية المستفحل ؟ لقد زادت مشاكل الحمل والتعرض للأمراض ولفقر الدم، وبغياب موانع الحمل ازداد الإجهاض والعمليات القيصرية التي تتم دون مخدر أحياناً.

 

أشارت دراسة أجريت سنة 1993 في محافظة بغداد تناولت عينة من 2000 طفل وطفلة من 50 مدرسة ابتدائية تتراوح أعمارهم بين 6 و15 سنة لمعاناة الأطفال في التركيز والانتباه والاستيعاب والتذكر والفهم وإلى ارتفاع نسبة عدم أداء الواجبات المدرسية وعدم تحمل المسؤولية والهروب من المدرسة. ذلك بالإضافة لازدياد حالات السرقة بنسبة أكثر من مائتين بالمائة محتلة المرتبة الأولى بين الظواهر النفسية التي برزت في ظروف الحصار، خصوصا سرقة النقود والمأكولات والمستلزمات المدرسية بسبب الحرمان المادي والغذائي وشعور الطفل بالحاجة للإشباع الفوري لحاجته. كما ازدادت حدة إساءة معاملة الأسرة للطفل والمشاكل الأسرية بين الأهل والتي غالبا ما تؤدي إلى جنوح الأطفال وشعورهم بالحرمان النفسي وعدم الاستقرار وغيره.

 

أظهرت الدراسة هذه أيضا أن نسبة 36% من العينة يأتون إلى المدرسة دون أن يكونوا قد تناولوا طعام الفطور في حين أن 30% من الذين يبدأون دوامهم بعد الظهر لم يتناولوا وجبة الغذاء. و10% لم يتناولوا وجبتي طعام تباعا. وأشار الأطفال المعنيين بالدراسة أن السبب هو عدم كفاية الطعام لدى أسرهم وسوء نوعية الطعام الذي يقدم لهم، حيث أن 76% منهم ذهبوا إلى المدرسة دون أن يحملوا معهم سندويشا لتعويض الفطور. أما الذين تناولوا فطورا فقد اقتصر طعام 58% منهم على كوب شاي بدون أو مع شئ من الخبز.

 

قبل الحصار كان التعليم مجانيا وإلزاميا لكلا الجنسين. فعلاوة على تدمير رياض الأطفال والمدارس والجامعات خلال الحرب، لم يتحقق طوال الحصار إنجاز أية بناية مدرسية. وفقدت مستلزمات العملية التربوية بشكل حاد من طبع الكتب المدرسية وتوفير القرطاسية واللوازم الأخرى حيث تقدر هذه الأضرار لعام 1997 فقط بقيمة 450 مليار دينار تقريبا. فأقلام الرصاص مثلا دخلت لائحة الممنوعات بسبب ما تحويه من مادة الغرافيت وارتفع سعرها أكثر من خمسين ضعفا. وفي المدارس يتم استعادة الكتب في نهاية السنة الدراسية وتنقى منها نسبة 50% ليعاد توزيعها السنة المقبلة، كما وتفرض بعض الرسوم لتوفير المستلزمات التربوية الرئيسية. فقد انخفضت بنسبة 90% كميات طبع الكتب والصحف والدوريات ومجلات الأطفال كما توقفت طباعة الورق لدوائر الدولة بنسبة 60% بسبب انقطاع توريد الورق بأنواعه.

 

لم يتوقف الأمر على هذا، فقد أثر الحصار على كل ما له علاقة بالثقافة والفن من قريب أو بعيد من أفلام ومسرحيات وموسيقى وفولكلور وفن تشكيلي. ذلك بسبب تدمير وتعطيل وعدم توفر ما يسمح بالإنتاج في هذه المجالات بما يشمل التلفزيون والإذاعة وغيره. هذا إلى جانب تقويض عمليات الاتصال بالعالم الخارجي جوا وبرا وبحرا وتحجيم مشاركة هذا البلد في المؤتمرات والمعارض الدولية وعرقلة تواصله وتفاعله الثقافي. من ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى أن مواقع العراق الأثرية القديمة التي تمثل حضارته العريقة ومتاحفه قد تعرضت لأضرار جسيمة من جراء القصف وصعوبات الصيانة والترميم، كما وسرقت مجموعة آثار لا تقدر بثمن من مواقع كثيرة. كما ونهبت ودمرت في المحافظات 8 متاحف وفقدت 8500 قطعة أثرية وحوالي ألفي مخطوطة ثمينة. وقعت السرقات في كثير من المواقع النائية (اوروك، نفر، تل أم العقارب، تل جوخة) كما أشير إلى أن أصحاب المجموعات الخاصة في الولايات المتحدة يحصلون على الآثار العراقية. مما استدعى احتجاج العراق الذي لم يسترجع إلا القليل من آثاره المنهوبة.

 

من جهة أخرى،ادت البطالة وانخفاض الرواتب بحملة الشهادات إلى ترك وظائفهم والهجرة إلى خارج البلد أو للبحث عن وظائف أخرى تدر دخلا أفضل أو إضافي كسائقي تكسي مثلا. فحسب شهادة مدرّس جامعي إذا كان راتب الأستاذ الجامعي 600 دولارا في الشهر قبل الحصار هو اليوم لا يعدو 15 دولار. ولذا وجب عليه أن يزيد عمله من الفترات الصباحية إلى فترات مسائية أيضا كي يضاعف الرقم بما يسمح له بالبقاء نظيفا ومحافظا على كرامته. لقد أصبحت هجرة العقول كبيرة والأغلبية التي تأخذ طريق عمان هي من حملة الشهادات، وهذا ما ارادوه لنا : إفراغ هذا البلد من عقوله. فقد وزعت الولايات المتحدة واستراليا ونيوزيلندا وكندا استمارات على أساتذة الجامعة العراقيين في عمان لطلب الهجرة.

 

لقد أثرت العقوبات عقب تدمير المنشآت الطبية بشكل كبير على العراقيين وبشكل خاص على الأطفال والرضع. ففي حين كان معدل وفيات الأطفال الرضع 47 حالة لكل ألف ولادة حية بين الأعوام 84- 89 أصبحت النسبة 108 وفاة بين الأعوام 94-99 حسب تقرير منظمة الصحة العالمية الصادر في تموز 1999 والذي تضمن مسحا لوفيات الأطفال والأمهات في جميع أنحاء العراق. تضاعفت كذلك وفيات الأطفال تحت سن الخامسة من 56 حالة لكل ألف ولادة حية إلى 131 خلال الأعوام نفسها. ويشير التقرير إلى أن أسباب التردي هذا تعود لنقص المواد الغذائية والدوائية وازدياد حالات الإصابة بالأمراض الانتقالية وعدم توفر المستلزمات الكافية لمعالجة هذه الأمراض. إضافة إلى عدم توفر وسائل معالجة ووقاية النساء الحوامل من الأمراض التي تصيب الأطفال.كما أظهرت المسوحات ارتفاع عدد المواليد الذين يقل وزنهم عن 2.5كغم إلى 24.8% سنة 1998 بسبب سوء التغذية التي من مؤشراتها توقف النمو والوزن الناقص والهزال. كما أن أمراضا انتقالية كان قد تم القضاء عليها في العراق وكان يمكن منع حدوثها مثل أمراض شلل الأطفال والكوليرا والجرب والتيفوئيد والحصبة وذات الرئة والتهاب الكبد الفيروسي والملاريا والخنّاق قد عاودت الانتشار بسبب النقص الكبير في اللقاحات المضادة التي كانت تستورد. وأصبحت الأمراض البسيطة نسبيا قاتلة، كما وذكرت حالات موت أطفال رضع بسبب انقطاع التيار الكهربائي عن الحاضنات بينما ينمو آخرون وهم مصابون بالشلل الإرتجافي بسبب عدم كفاية الأوكسجين. وارتفعت نسبة أمراض المعدة والإمعاء وجفاف الماء في الجسم وسوء التغذية. وارتفع عدد المرضى النفسيين والمصابين بضغط الدم وبمرض السكري والأمراض الخطيرة منها أمراض القلب والسرطان وغيره التي لم تعد تلقى العلاج اللازم. كما وانخفضت نوعية أداء العاملين في المستشفيات وخفّ عددهم بسبب الضغط والإرهاق وتردّي الرواتب.

 

رغم التدهور المخيف في الوضع الصحي وارتفاع معدلات الوفيات ورغم تقارير ونداءات أطراف عدة من وقت لآخر فلم ترفع العقوبات. و يمكن القول أنه توفي خلال سنوات الحصار اكثر من مليون ونصف عراقي أكثرهم من الأطفال. فالمستشفيات ما برحت تصارع لتدبير أمورها (حيث لم تؤمن اتفاقية النفط مقابل الدواء والغذاء إلا جزءا زهيدا من الخدمات الضرورية). وقد خفضت نسبة العمليات الجراحية حوالي 30% وأضطر الجراحون لتأجيل 70% من الحالات التي تحتاج لتدخل جراحي ولإجراء البعض الآخر ومنها الولادة القيصرية بدون مخدر، والذي يدخل قائمة ممنوعات لجنة المقاطعة. أما المختبرات فتفتقد لمحاليل خاصة، مما خفّض في نسبة الفحوصات المختبرية التي يحتاجها المريض لإجراء العمليات الجراحية. لقد توقفت عن العمل معظم الأجهزة الطبية الخاصة مثلا بمعالجة أمراض العيون والقلب والكلى بسبب فقدان أدواتها الاحتياطية. وتمتلئ أجنحة المستشفيات بالأطفال المحتضرين. فالأطفال المصابون بفقر الدم ومرض السكري مثلا يموتون بسبب ندرة العقاقير. وما جدوى المستشفيات عندما تفتقر للأدوية ولأبسط الأشياء من ضمادات ومعقمات وشراشف نظيفة ؟ أطفال كثيرون يموتون كذلك دون أن يتمكن أهلهم من إنقاذهم بسبب ابتعادهم عن المستشفيات أو لأنهم لا يملكون ما يدفعون به ثمنا لأدوية.

 

إن أقل ما يمكن توقعه كنتيجة من نتائج هذا الحصار المجرم هو فقدان الشعور بالأمن والتفاؤل وتصاعد القلق بشأن المستقبل وفقدان الحوافز بسبب الآثار التراكمية للحرمان المستمر وانهيار التماسك النفسي والاجتماعي للعراقيين وتعطيل القدرات الذهنية والنفسية للأجيال القادمة. إن هذا شكل جزءا من جملة مما يضمره القائمون على فرض العقوبات حيث أن ربع الأطفال الذين يولدون لن ينموا نفسيا وعقليا بشكل طبيعي بسبب نقص الوزن وسوء تغذية الأم وغيره من عوامل مساعدة.

 

أبانت الدراسة التي أشير إليها أعلاه والتي أجريت في 1993 على 2000 طفل في محافظة بغداد أن حالات الدوخة والتشنجات العصبية والتعب والتقيؤ والإرهاق والإغماء وآلام الرأس بسبب فقر الدم ونقص التغذية والشعور بالحرمان الغذائي والعاطفي قد تضاعفت نسبتها حوالي مائتين بالمائة في ظل الحصار. كذلك ارتفعت بنفس النسبة مشاعر الخوف والقلق بسبب تعرض الطفل للإحباط والكبت والغضب والحزن واليأس والتهديد بالعقاب والحرمان من الغذاء وغيره. فغالبا ما يعبر الطفل عن قلقه بالبكاء والأرق وفقدان الشهية. أما سرعة التهيج والغضب واللجوء للكذب والإحساس بالتهديد والخطر والعزلة والانطواء الاجتماعي وضعف الثقة بالنفس والأنانية في التعامل مع الآخرين وزيادة حدة السلوك العدواني والإغراق في النوم أثناء الدرس وبروز ظاهرة الخمول والاكتئاب كلها من المظاهر التي تضاعفت نسبتها في زمن الحصار.

 

اليورانيوم وتأثيراته

إن آلاف الأطنان من المتفجرات التي منها ما لم يستخدم سابقا في النزاعات الدولية كاليورانيوم المنضّب والتي ألقيت على هذا البلد بشكل لا قانوني تدحض مزاعم الحرب "النظيفة" وتبين أن تلك الحرب كانت تهدف الإبادة الجماعية لشعب. فقد اعترف ديفيد ريفكند وزير الدفاع البريطاني السابق في 6/12/1994 إن القوات البريطانية استخدمت 88 قذيفة ملوثة باليورانيوم الناضب وإن القوات الأمريكية استخدمت عددا اكبر من هذا بكثير. فحسب رئيس معهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن تم استخدام 940 ألف قذيفة 30 ملم تحتوي كل منها على 30 ملغرام من اليورانيوم وأربعة آلاف قذيفة عيار 120 ملم. أي ما يقارب 300 طن من اليورانيوم المنضب ألقتها قوات التحالف في جنوب العراق وشمال الكويت بشكل غبار سام ومشع. كما أن جزءا كبيرا من هذا الغبار قد نشرته الرياح القادمة من صحراء شبة الجزيرة العربية على مدى عدة كيلومترات.

 

تقول هيئة الطاقة الذرية إن الخطر الحقيقي يكمن في كميات اليورانيوم التي تخلفت جراء ضرب وحرق المدرعات العراقية لان ذرات اليورانيوم المتطايرة في الجو ستؤدي في حالة استنشاقها إلى آثار جسدية غير متوقعة. وأعلن روبن كوك وزير الخارجية البريطاني لجوء بلاده إلى استخدام تلك القذائف ضد العراق لأنها تمتاز بقدرة اكثر من القذائف الاعتيادية على الاختراق والتدمير. لقد جهزت القوات الأمريكية بالكثير من اليورانيوم الناضب الذي هو أرخص طريقة للتخلص من النفايات النووية.

 

اليورانيوم الناضب سام كيميائياً وإشعاعياً وهو يسلك سلوك الفلزات الثقيلة، لكنه يعامل في الجسم كالكالسيوم. فالجرعات الكبيرة منه تؤدي للتسمم خاصة إذا كان اليورانيوم في حالة ذائبة. أما في الجرعات القليلة فأن اليورانيوم مثله مثل الرصاص يضر بالكليتين، وفي حالة استنشاقه يضر بالرئة كما ويترسب في الأنسجة العظمية. أن التأثيرات الكيميائية الناتجة من التعرض لليورانيوم الناضب هي أكثر تأثيراً من إشعاعاته. لكن ذلك لا يعني أن نشاطه الإشعاعي غير مؤذي. فما عدا التعرض المباشر له، ينتقل إلى جسم الإنسان من خلال أي جرح موجود بالجلد أو عن طريق الفم أو العين أو بواسطة الاستنشاق والتناول. فالشظايا المتروكة في التربة تتأكسد وتنتقل بواسطة مياه الإمطار. وتتحدد نسبة الأكسدة هذه بواسطة مسافة التعرض، درجة الحرارة، الرطوبة، الترسب، مساحة المنطقة المتعرضة وكيميائية التربة. وتسبب أشعة اليورانيوم السرطان، ليس فقط لمن يتعرض له مباشرة وإنما لذريته أيضاً نتيجة نمو الخلايا. لهذا سمي هذا الإشعاع بالنوع الجديد من الموت البطيء. فالدراسات التي أجريت على الأحياء بعد سقوط القنابل على هيروشيما أبانت الضرر الذي ظهر على أطفال الأشخاص الذين كانوا على مسافات بعيدة من نقطة الصفر والذين كان تعرضهم للإشعاع قليل جداً.

 

الجدير بالملاحظة أن مكتب السكان الأمريكي كان قد قدر في 1992 أن معدل عمر العراقيين قد هبط 20 سنة للرجال و11 سنة للنساء، والتلوث الإشعاعي أسهم في هذا الوضع.

 

ذكرت مجلة غالوي الاسكتلندية في 8/7/1998 إلى أن الإصابة بأمراض السرطان المختلفة وبخاصة سرطان الدم (اللوكيميا) لدى الأطفال في العراق قد تضاعفت بنسبة 600 بالمائة منذ عام 1991 نتيجة استخدام أمريكا وبريطانيا اليورانيوم الناضب. وأشارت إلى أن معظم الإصابات بالسرطان وقعت لأطفال ولدوا بعد انتهاء العمليات العسكرية حيث أن غبار اليورانيوم الناضب قد لوث المياه والحقول والمزارع في العراق. كذلك لوحظ وجود تغيير في الخط الوبائي للإصابة بالأورام السرطانية كما تبين أن هناك تغيّر في الفئات العمرية المتوقعة للإصابة به وشملت فئاتا عمرية مبكرة منها الفئة ما بين 45 و50 سنة

 

إن النتائج الكارثية لهذه الأسلحة على الإنسان والبيئة تستمر بالظهور مع مرور الوقت حيث تحول جزء لا بأس به من هذا البلد (أساسا مناطق العمليات العسكرية في محافظات البصرة ، ميسان، ذي قار) إلى بيئة ملوثة ونشيطة إشعاعيا. فالتلوث الذي أصاب التربة يستمر مع عمر الأرض. وحيث أن الأمراض والظواهر التي يسببها التعرض لليورانيوم المنضب تمتد حسب فترة الكمون، فبعض الأمراض يتوقع لها أن تظهر بعد سنة 2005، بينما قسم منها سيمتد إلى سنة 2025 وقسم آخر قد يمتد حتى سنة 2040 .

 

إن هذه الحرب الصامتة التي توالت فصولها في العراق سنة بعد سنة بسبب استمرار العقوبات طيلة 13 عاما بشكل شبه شامل وعلى الرغم من موت وتشويه مئات الآلاف من الضحايا العزل تطرح السؤال حول مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وحول مهام وسلطات مجلس الأمن. فمجلس الأمن المحكوم بالقانون الدولي ينتهك مهامه والتزاماته القانونية في حماية حقوق المدنيين العراقيين وبالأخص الفئات المستضعفة من نساء وأطفال الذين يتمتعون بحماية خاصة. فالحق في الحياة هو "الحق الأعلى الذي لا يسمح بالمساس به حتى في ظروف الطوارئ العامة" حيث يؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وللحقوق المدنية والسياسية واتفاقية حقوق الطفل على حقوق الحياة والرعاية الصحية ومكافحة الأمراض وسوء التغذية وخفض وفيات الرضع والأطفال وعلى الحق بالتعليم وبمستوى معيشة لائق وغيره مما أسهم الحصار في انتهاكها.

 

إن العراق بلد متمسك باستقلاله ومستعد في سبيل ذلك لتحمل التضحيات ولفضح المخطط الإمبريالي. إنه يعتبر أن نضاله ذو بعد عالمي وإنساني ينسجم مع طموح وحق كل شعوب العالم في الاستقلال وفي التعامل المتكافئ في الجوانب السياسية والاقتصادية الستراتيجية. ولهذا فان ما استهدفته أمريكا وبريطانيا هو تدميره وإضعافه وعزله وتغيير حكومته والإتيان بحكومة عميلة لها. فالذي يتعرض له العراق يمكن أن تتعرض له كل شعوب العالم بدون استثناء.

 

 إن ما حصل في العراق منذ سنوات يشكل بحق إبادة جماعية لشعب. هذه الإبادة التي سمحت التقنيات الحديثة بتوسيع نطاقها أكثر مما كانت عليه في السابق متخذة أشكالا أقل همجية أحيانا ومعتمدة على الإمكانات الدعائية المتوفرة اليوم. فالإبادة الجماعية، كما ينص القرار 96 (1) الذي تبنته في 11 كانون الأول 1946 الجمعية العامة للأمم المتحدة التي هالتها فظائع الحرب العالمية الثانية، هي "حرمان لحق الحياة لمجموعات بشرية برمتها". إنها إحداث أذى بدني أو عقلي بأفراد المجموعة أو تعمد تعريض المجموعة إلى ظروف حياتية يتوقع أن تسبب التدمير البدني كليا أو جزئيا. وتذهب الجمعية لتأكيد "أن الإبادة الجماعية جريمة في نظر القانون الدولي (…) يعاقب لارتكابها المسؤولون عنها وشركائهم سواء كانوا أفرادا أهليين أو موظفين حكوميين أو رجال دولة، وسواء ارتكبت الجريمة لأسباب دينية أو عرقية أو سياسية أو أية أسباب أخرى

 

غدا سنفتح صفحة اخرى من صفحات الحرب الامريكية الصهيونية المباشرة على العراق

 

ـ يتبع ـ

.
 
 

يرجى الاشارة

إلى شبكة المنصور عند إعادة النشر او الاقتباس

كيفية طباعة المقال

الخميس  / ٠٩ ربيع الثاني ١٤٣١ هـ

***

 الموافق ٢٥ / أذار / ٢٠١٠ م

الرئيسية | بيانات البعث | بيانات المقاومة | مقالات مختارة | تقارير إخبارية | دليل كتاب شبكة المنصور