شبكة ذي قار
عـاجـل










تتغول السلطة في أيدي حكامنا حتى تبدو لهم وكأنها أكسير الحياة ، فيسترجعون من بطون التاريخ كل نظريات الحق الالهي في الحكم ، ويتصورون أنهم ظل الله في الارض ، وأن الخروج عليهم انما هو خروج على التعاليم السماوية ، وأن الحقيقة قد أصبحت حكرا عليهم ، وأن الباطل لا يأتي من بين أيديهم ولا من خلفهم. فتصبح الشعوب في عرفهم ليست أكثر من مجرد أرقام تزيد من نسبة المؤيدين لهم ، والحامدين والشاكرين لنعمهم التي يمنون بها عليهم.


هكذا كان حال نظام الحكم في مصر وفي تونس وغيرهما من الاقطار العربية الاخرى. لذلك تفاجأ زين العابدين بن علي عندما ثار عليه شعبه ، لشدة ايمانه بالوهم الذي كان قد تلبسه ، فحاول في خطابه الاول أن يكون شديد ، كي يذكر شعبه بالخطيئة التي يمارسها وهي الخروج على ظل الله ، وعندما أيقن بأن الجوع والحرمان والعبودية ، التي من بها على الشعب طوال فترة حكمه ، جعلت المواطن مجردا من كل الماديات التي قد تكبح جماحه في الثورة مخافة أن يخسره ، راح يقدم من حاشيته والمصفقين له والمسبحين بحمده قرابين لكرسيه كي يدوم ، ثم اشتكى خيانة الحاشية والمستشارين الذين ظللوه كي يستدر عطف الشعب ، بعد أن لاحظ التصميم والارادة على اقتلاعه ، وعندما فشلت كل الحيل والاساليب التي حاول بها استيعاب الصدمة ، أقلع بطائرته الخاصة كاللص.


كان حسني مبارك يبتسم في سره وعلنه وهو يرى كل هذا المشهد التونسي ، لانه كان يؤمن بأنه ليس ظل الله في الارض فحسب ، بل هو اله مصر وفرعونها الجديد ، وأن لديه من السحرة والحلفاء من يبتلعون كل من تسول له نفسه الخروج عليه ، لذلك أوعز لوزير خارجيته أحمد أبو الغيط ، الخبير في التهديد وكسر الارجل في تهديده لاهل غزة ان عبروا حدود مصر أثناء العدوان الصهيوني عليهم ، أوعز له أن يمارس ضربات استباقية للعيون المصرية التي كانت ترصد المشهد التونسي ، وللافئدة التي تفاعلت مع الحدث. فصرح مستهزأ بأن الذي حدث في تونس أبعد مايكون عن حدوثه في مصر. بينما كان الكثير من أبناء الشعب المصري يأملون في أن يكون المشهد التونسي صدمة كهربائية ، أو ايقاضا لضمائر حكامهم المتغافلة كي يستفيقوا من غيهم ، فيعجلوا في دراسة أسباب الحدث ويضعوا الحلول الناجعة لعدم تكراره في مصر ، ويتسابقوا في اصدار القوانين والقرارات التي ترتفع بانسانية الانسان. لكن التصريحات توالت من الاخرين في الحزب الحاكم والانتهازيين والطفيليين في نفس الاتجاه ، ولم يكونوا يعلمون بأن تلك التصريحات كانت دليلا للشعب عليهم بأنهم في واد غير واديه ، وأنهم أبعد ما يكونون عن الشعور بمأساته والحرص على حاضره ومستقبل اجياله. كما أنها كانت دليلا وجدانيا لدى المصريين على أن اعادة بناء الوطن في ظل هذا النظام والتصالح معه ، أصبح من غير الممكن اطلاقا.


قد تستمر لحظة الانفصال بين الشعوب والحكام المستبدين فترة زمنية طويلة ، حتى يكاد البعض يأخذه الظن بأن لا حراك قادم اطلاق ، فيستكين الحاكم الى أن العبودية قد أصبحت رداء الشعب المفضل ، لكن الحقيقة هي أكبر من ذلك بكثير ، لان فترة الانفصال الحاصل بين الحاكم والمحكوم هي التي تحرق كل التمنيات بإصلاح الحاكم ، وتنتزع يوميا من أيدي المتصالحين والداعين الى ما يسمونه تحكيم العقل والمنطق في العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، كل المبررات التي قد يبررون بها تسلطه ، فتصبح لحظة التغيير التاريخية يقينية في كل ضمير ويحصل الاجماع عليها من قبل عامة الشعب ، وهذا هو سر نجاح الثورتين التونسية والمصرية ، ومن قبلهما ثورات تاريخية كبرى حصلت في بلدان أخرى على مر التاريخ الانساني ، لذلك لم ينفع فرعون مصر الجديد صمته في بداية الازمة حد التجاهل ، الذي كان تجاهلا مقصودا للايحاء بان الثائرين عليه هم مجرد حفنة متشبهين بثوار تونس ، سوف يملون الصراخ ويعودون أدراجهم ، كما أنه كان متوهما بأن نظامه ليس كنظام بن علي ، وأن تونس ليست مصر بموقعها وثروتها البشرية وتداخل المصالح الغربية فيها. كما أنه استحضر في تلك اللحظة كل الحلفاء العرب وأفضاله عليهم ، وأقنع نفسه بأنهم لن يتركوه وحيدا في العاصفة ، وانهم سيتذكرون طبخته في مؤتمر قمة القاهرة الذي شرعن العدوان الثلاثيني على العراق في العام 1991 ومصادرة دوره التاريخي في المنطقة ، ثم تسويقه كذبة أسلحة الدمار الشامل العراقية التي أدعى أنه شاهدها في العراق ، كي يتم الغزو والتدمير الاكبر في العام 2003 ، كما استحضر حلفاءه الامريكيين الذين كان قاعدتهم الخلفية في الحرب على ما يسمونه الارهاب ، وأصدقاءه الصهاينة الذين ذبح معهم الشعب العربي الفلسطيني في غزة ، واستذكر أهميته كطرف في معاهدة كامب ديفيد التي حمت العدو وأخرجت مصر من حلبة الصراع العربي ـ الصهيوني ، وكونه الحارس الوفي لقناة السويس التي تمر منها مصالح الغرب الاقتصادية والعسكرية ، ومباركته حكومة الاحتلال في العراق ، واضفاء الشرعية عليها من خلال وكيله عمرو موسى في الجامعة العربية ، وغيرها من الادوار السرية التي لعبها طوال الثلاثين عاما الماضية.


لكنه نسي في لحظة تاريخية حاسمه دور شعب مصر العربي وصبره الذي له نهاية ، فسار على طريق زين العابدين بن علي في التضحية بالوزارة من أجل بقاء رأسه ، وبالحزب الحاكم الذي لملم قادته أموالهم قبل عوائلهم وهربو ، وسارع لتهيئة نائب له كانت له أدوار معروفة كي يستدر رضا الغرب والصهاينة ، ثم صال صولة الجمال على المتظاهرين تيمنا بصولة (الفرسان) المالكية في العراق. وعندما فشلت كل جهود ملوك وأمراء الخليج في ايقافه مجددا بأموالهم وبفتاوى وعاظهم الدينيين ، وتخلى عنه الامريكان وكافة الحلفاء الغربيين كي لا يخسروا مصالحهم في مصر والمنطقة العربية ، وعندما عجز الملك عبدالله بن عبدالعزيز ملك السعودية عن اقناع أوباما والبريطانيين بعدم التحريض على اسقاطه ، وراح يبحث له مع الامريكيين عن خروج غير مذل لانه صديقه الشخصي ، عاد مبارك للظهور في خطاب عاطفي على شاشات التلفاز ، بعد أن أيقن أنه قد انتهى ، متوسلا بالشعب أن يبقوه مجرد اسم بعد أن نزع كافة صلاحياته الى نائبه ، مذكرا اياهم بأنه بطل العبور وأنه أفنى شبابه من أجلهم وليس من الانصاف أن يفعلوا به كل هذ ، وأنه سينتقم لهم من كل الذين اضطهدوهم ، وأن عليهم أن يتذكروا الوطن لانه هو الوطن اليوم. لكنه سمع جيدا أن الثوار قطعوا كل جسور الوصل معه ، وأن لا بد له من الرحيل ولاغير ذلك. عندها فقط تذكر جيدا خطأه الكبير في كلمته الى صدام حسين عندما قال له (دي أمريكا يابا). فأيقن بأنه (دي شعب مصر يابا) وأن صوت الشعوب دائما أقوى من كل المستكبرين والطغاة والقوى العظمى ، فرحل بعد ساعات من الخطاب ، مسربلا بالذل والمهانة.


لقد أجرم حسني مبارك بحق مصر أرضا وشعب ، وبحق الامة العربية جميعه ، لكن اجرامه كان أوضح بحق العراق من أي بلد آخر. فقد كان سببا رئيسيا في التحشيد على العراق في العامين 1991 و2003 ، من أجل مصالح قوى أجنبية لا تريد الخير للامة ، ومن أجل تنفيس احقاد عربية قبض ثمنها من حكام الخليج بملايين الدولارات التي دخلت حسابه الشخصي ، وبذلك تسبب في كارثة انسانية وسياسية لازالت ملامحها ووقائعها ماثلة للعيان على أرض الواقع العربي.

 

لكن يقينا أن صدام حسين اليوم يتقلب في مثواه بعد رحيل حسني مبارك ، أسفا على الذل والهوان الذي واجهه هذا في أرذل العمر ، والذي هو اختاره لنفسه ، على الرغم من أنه كان يحثه على الانحياز للامة وحقوقها. فشيم صدام حسين الرجولية تبعده عن الشماتة بأخ عربي مهما كان موقفه منه ، لكن بالمقابل ارتاحت روحه التي كانت تواقة لمشاهدة مصر عزيزة حرة أبية ، كما عرفها في مقتبل شبابه عندما احتضنته ثائر ، فرد جميلها فاحتضن أهلها وشبابها وهو زعيم العراق ، فاثابهم وأعزهم وفضلهم حتى على العراقيين جميعا بفكره القومي الصافي وعروبته الخالصة.

 

ويقينا أن حسني مبارك اليوم يتمنى أن يكون قد وقف وقفة صدام حسين على بوابة الموت ، هاتفا باسم العروبة وفلسطين في وجه العملاء والغزاة ، على أن يخرج من بلده مطرودا من قبل ابناء شعبه. لكن العزائم لا تأتي الا على قدر أهل العزم ، وأن المكارم لا تأتي الا على قدر الكرام ، ولم يكن حسني يمتلك هذه المواصفات اطلاقا لانها صفات الفرسان ، الذين لن يتشرفوا به.

 

 





الاثنين١١ ربيع الاول ١٤٣٢ هـ   ۞۞۞  الموافق ١٤ / شبــاط / ٢٠١١م


أكثر المواضيع مشاهدة
مكتب الثقافة والإعلام القومي - لقاءُ القُوى الوَطَنيّة والقَوميّة التَقدُّميّة الديمُقراطِيّة ضَرورة حَتميّة للخَلاص مِن حالَةِ الضَعفِ العَرَبي د. عامر الدليمي في ظل الاستهداف المنقطع النظير الذي تتعرض له أمتنا العربية في أغلب أقطارها، وفي ظل غياب أية حدود أو سقف للبشاعة التي يتم فيها تنفيذ حلقات المؤامرة، وليس آخرها محرقة رفح، والمجزرة البشعة التي يتعرض لها شعبنا العربي في فلسطين، والتي وصلت إلى إحراق الخيام بقاطنيها حيث تم استهداف النازحين قسرًا شمال غرب رفح. تلك المجزرة التي خلّفت عشرات الشهداء الذين تحولت أجسادهم إلى أشلاء، بالإضافة إلى عشرات الجرحى معظمهم من الأطفال والنساء، مع استهداف الاحتلال الصهيوني للمنظومة الصحية وإخراجها من الخدمة، كل ذلك على مرأى ومسمع من العالم أجمع العاجز عن كبح جماح جرائم العدو الصهيوني. في ظل هذا الواقع المأساوي، وعجز الأنظمة العربية عن وقف عجلة التدهور وبشاعته، يصبح من أعلى الأولويات والواجبات الحتمية، أن تلتقط القوى السياسية الوطنية والقومية زمام المبادرة، نحو بلورة مشروع يرقى إلى مستوى التحديات الوجودية الجسيمة التي تستهدف الأمة في وجودها. ويتقدم تلك الأولويات فهم الواقع الذي تمرُ به الأمة العربية في هذه الظروف وتحليلها بقدرٍ عالٍ من المسؤولية الوطنية والقومية والوقوف بواقعية وموضوعية على أسباب الانكسارات والتراجعات والاستسلام للقوى المعادية، حيث يتقدم تلك الأسباب الانقسام والتشظي العربي بسبب تناقضات ثانوية تاركين التحديات الأساسية والمصيرية تحرق الأمة وتنهي هويتها ووجودها. وفي مقدمة متطلبات تحقيق ذلك، والذي يعد من الضرورة القومية الحاسمة أن تكون هناك نظرة وفعل حقيقي جاد لتجديد الخطاب القومي العربي وتحديث مشروعه النهضوي التحرري التقدمي. ومن هنا فإن لقاء القوى السياسية المخلصة للوطن والأمة العربية، والعمل ضمن قواعد عمل مشتركة للتوصل إلى مشروع يمكِّن الأمة من مواجهة التحديات الوجودية الجسيمة التي تتعرض لها، ويعيد لها كرامتها، ويؤكد بأنها أمة جديرة بالحياة، من خلال إيجاد تفاهمات سياسية على قاعدة جماهيرية تكون أساساً لقوتها، وتستطيع من خلال ذلك وغيره التخلص من الضعف والتخلف والتقهقر الذي أصابها. إن ذلك من شأنه أن يرسم الخطوات الأولى التي تخطوها القوى الوطنية والقومية لقيادة الأمة نحو مرحلة جديدة لتكون أمة مجاهدة تسعى نحو التثوير والتنوير والتغيير والتقدم بكل جوانبه. كما وتشكِّل أساساً لإطلاق الحريات الفكرية والسياسية التي تعد الدعامة الرئيسية لمجتمع حضاري جديد، وتحقيق نهضة عروبية تقدمية ديمقراطية في الساحة السياسية كما في الساحة الفكرية. إن كل ذلك يقتضي تجاوز الحالات التي تعرضت لها من مناكفات وخصومات بينية أوصلتها إلى الاحتراب الفعلي فأضعفت نفسها، وجعلت القوى المعادية تتحكم بمصيرها. وليس أدل على ذلك ما وصلت إليه بعض الأنظمة العربية في الاستسلام والضعف أمام العدو الصهيوني، وتمدد استعماري للمشروع الفارسي في أقطار أمتنا العربية بدءاً من المشرق واندفاعاً نحو أقطارها في شمال افريقيا. إن الضرورة الوجودية والحتمية في تاريخنا الحالي تقتضي عودة التيار القومي العربي التحرري والمنظمات القومية لممارسة دورها الفعلي في الساحة العربية بقوة وثقة عالية، متحصِّنة بالإيمان المطلق بقدرها، وبمسؤوليتها التاريخية في قيادة الأمة لتحقيق أمل الجماهير في خلاصها من الاستعباد والاستبداد والهزيمة والتشظّي. ومن أولويات هذه المهمة النضالية الكبيرة هي أن ينهض المثقفون والمفكرون والكتاب العرب الذين يؤمنون برسالة الأمة كرسالة إنسانية خالدة لممارسة دورهم الريادي في بلورة الطموحات المأمولة، وتحديد معالم الطريق العملية والواقعية لتحقيقها، بعيداً عن الإنشاء أو العواطف أو التنظير العقيم. على أن مثل هذا التفاعل وتلاقح الأفكار يتطلب من الجميع العمل من أجل هذا المشروع بروح ديمقراطية متجددة، كشرط أساسي لنجاحه كي يعيد للأمة العربية مجدها وكرامتها وحقها في الحياة.
مواضيع الكاتب د. مثنى عبد الله نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة
مكتب الثقافة والإعلام القومي - لقاءُ القُوى الوَطَنيّة والقَوميّة التَقدُّميّة الديمُقراطِيّة ضَرورة حَتميّة للخَلاص مِن حالَةِ الضَعفِ العَرَبي د. عامر الدليمي في ظل الاستهداف المنقطع النظير الذي تتعرض له أمتنا العربية في أغلب أقطارها، وفي ظل غياب أية حدود أو سقف للبشاعة التي يتم فيها تنفيذ حلقات المؤامرة، وليس آخرها محرقة رفح، والمجزرة البشعة التي يتعرض لها شعبنا العربي في فلسطين، والتي وصلت إلى إحراق الخيام بقاطنيها حيث تم استهداف النازحين قسرًا شمال غرب رفح. تلك المجزرة التي خلّفت عشرات الشهداء الذين تحولت أجسادهم إلى أشلاء، بالإضافة إلى عشرات الجرحى معظمهم من الأطفال والنساء، مع استهداف الاحتلال الصهيوني للمنظومة الصحية وإخراجها من الخدمة، كل ذلك على مرأى ومسمع من العالم أجمع العاجز عن كبح جماح جرائم العدو الصهيوني. في ظل هذا الواقع المأساوي، وعجز الأنظمة العربية عن وقف عجلة التدهور وبشاعته، يصبح من أعلى الأولويات والواجبات الحتمية، أن تلتقط القوى السياسية الوطنية والقومية زمام المبادرة، نحو بلورة مشروع يرقى إلى مستوى التحديات الوجودية الجسيمة التي تستهدف الأمة في وجودها. ويتقدم تلك الأولويات فهم الواقع الذي تمرُ به الأمة العربية في هذه الظروف وتحليلها بقدرٍ عالٍ من المسؤولية الوطنية والقومية والوقوف بواقعية وموضوعية على أسباب الانكسارات والتراجعات والاستسلام للقوى المعادية، حيث يتقدم تلك الأسباب الانقسام والتشظي العربي بسبب تناقضات ثانوية تاركين التحديات الأساسية والمصيرية تحرق الأمة وتنهي هويتها ووجودها. وفي مقدمة متطلبات تحقيق ذلك، والذي يعد من الضرورة القومية الحاسمة أن تكون هناك نظرة وفعل حقيقي جاد لتجديد الخطاب القومي العربي وتحديث مشروعه النهضوي التحرري التقدمي. ومن هنا فإن لقاء القوى السياسية المخلصة للوطن والأمة العربية، والعمل ضمن قواعد عمل مشتركة للتوصل إلى مشروع يمكِّن الأمة من مواجهة التحديات الوجودية الجسيمة التي تتعرض لها، ويعيد لها كرامتها، ويؤكد بأنها أمة جديرة بالحياة، من خلال إيجاد تفاهمات سياسية على قاعدة جماهيرية تكون أساساً لقوتها، وتستطيع من خلال ذلك وغيره التخلص من الضعف والتخلف والتقهقر الذي أصابها. إن ذلك من شأنه أن يرسم الخطوات الأولى التي تخطوها القوى الوطنية والقومية لقيادة الأمة نحو مرحلة جديدة لتكون أمة مجاهدة تسعى نحو التثوير والتنوير والتغيير والتقدم بكل جوانبه. كما وتشكِّل أساساً لإطلاق الحريات الفكرية والسياسية التي تعد الدعامة الرئيسية لمجتمع حضاري جديد، وتحقيق نهضة عروبية تقدمية ديمقراطية في الساحة السياسية كما في الساحة الفكرية. إن كل ذلك يقتضي تجاوز الحالات التي تعرضت لها من مناكفات وخصومات بينية أوصلتها إلى الاحتراب الفعلي فأضعفت نفسها، وجعلت القوى المعادية تتحكم بمصيرها. وليس أدل على ذلك ما وصلت إليه بعض الأنظمة العربية في الاستسلام والضعف أمام العدو الصهيوني، وتمدد استعماري للمشروع الفارسي في أقطار أمتنا العربية بدءاً من المشرق واندفاعاً نحو أقطارها في شمال افريقيا. إن الضرورة الوجودية والحتمية في تاريخنا الحالي تقتضي عودة التيار القومي العربي التحرري والمنظمات القومية لممارسة دورها الفعلي في الساحة العربية بقوة وثقة عالية، متحصِّنة بالإيمان المطلق بقدرها، وبمسؤوليتها التاريخية في قيادة الأمة لتحقيق أمل الجماهير في خلاصها من الاستعباد والاستبداد والهزيمة والتشظّي. ومن أولويات هذه المهمة النضالية الكبيرة هي أن ينهض المثقفون والمفكرون والكتاب العرب الذين يؤمنون برسالة الأمة كرسالة إنسانية خالدة لممارسة دورهم الريادي في بلورة الطموحات المأمولة، وتحديد معالم الطريق العملية والواقعية لتحقيقها، بعيداً عن الإنشاء أو العواطف أو التنظير العقيم. على أن مثل هذا التفاعل وتلاقح الأفكار يتطلب من الجميع العمل من أجل هذا المشروع بروح ديمقراطية متجددة، كشرط أساسي لنجاحه كي يعيد للأمة العربية مجدها وكرامتها وحقها في الحياة.