شبكة ذي قار
عـاجـل










المدرسة العبثية تعتبر أن الإنسان ضائع لم يعد لأفكاره مضمون، لأنه فقد القدرة على رؤية الأشياء بحجمها الطبيعي. وبمثل هذا الوصف لن يبقى الإنسان إنساناً لأنه لن يتفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه، ولن يتأقلم معه، فهو إذن لن يفيد هذا المجتمع ولن يضره.


هذا الوصف ينطبق على الإنسان العادي المجرد من أي مسؤولية، أما إذا كان الإنسان مسؤولاً في مجتمعه، أي أن قراراته تمس مصير المجتمع، فتكبر الكارثة وتتضخم، وتودي بالمجتمع في مهالك كثيرة وخطيرة. هذا الوصف ينطبق على مجتمع عربي في قطر واحد، فكيف إذا كان ينطبق على مجموع الأقطار العربية؟


لا شك بأن وزراء الخارجية العرب، يمثلون عامل ربط بين العرب والدول الأجنبية، لذلك فهم يتحملون مسؤولية كبرى تجاه أمتهم العربية إذا أصابوا بقراراتهم، أم أخطأوا فيها. أما إذا أصابوا فهذا واجبهم، وإذا أخطأوا فسيبقى الوطن العربي، مصدر الطاقة الأساسي، على مرمى استهداف كل الدول الأجنبية الطامعة بالسيطرة على ثرواته وخيراته.


استناداً إلى ما سبق فعلينا أن نتصور حجم المسؤولية الكبيرة التي تُلقى على عاتق مؤسسة وزراء الخارجية العرب، هذا إذا كانوا ممن أخلصوا لمصلحة أمتهم. أما إذا كانوا ممن يتصرفون على قاعدة العبثية فتصوروا أي مصير ينتظر الأمة؟


ولأننا ممن لا يثقون بأهلية الأكثرية الساحقة من هؤلاء الوزراء، بل ممن يطعنون بمصداقيتهم استناداً للتجربة الطويلة. ولا يخرج عن هذا السياق قرارهم الأخير، الذي صدر في اجتماعهم الطارئ، بتاريخ الثاني من آذار، لبحث الأزمة في ليبيا، خاصة أن قراراتهم جاءت ضمن مشاهد تثير الحنق والغضب، لأن عبثيتهم فاقت كل التصورات وتدفع بنا للصراخ في وجوههم: يا لعار وزراء الخارجية العرب، ويا لعار العرب، أن يكون أميناً على مصيرهم عدد من الوزراء الذين يمثلون على مسرح عبثي، بلغة عبثية، وقرارات عبثية.


قرار مجلس وزراء الخارجية العرب أقل ما يُقال فيه أنه عبثي لا تدعمه أسس المنطق والسوية العقلية، فلماذا؟


أولاً، إن القرار الأخير كلام حق يعبِّر عن ثابت مبدأي، لأن التدخل الأجنبي في شؤون الدول الأخرى يتناقض مع الثابت الذي يعترف بحق تقرير المصير للشعوب.


وثانياً، إن الثابت المبدئي يجب أن يشكل القاعدة الأساسية لكل القضايا المماثلة، لا أن يكون منطقياً هنا، وعبثياً هناك.


فهل كانت قرارات مجالس وزراء الخارجية العرب مما يحترم أو الثابت المبدئي؟


وجوابنا على ذلك، إن في قراراتهم السابقة ما هو مسكوت عنه، ومما هو غير المسكوت. وفيها يتقاطع الصيف والشتاء على سطح واحد. ففي القرارات الأخيرة، ليس هناك تناقضان فحسب، بل هناك أيضاً عاران كبيران، وهما:


-العار الأول أن يترأس هوشيار زيباري مجلس وزراء الخارجية العرب، وهو وزير أجنبي بمعنى أنه وزير عيَّنته الإدارة الأميركية، وبارك تعيينه النظام الإيراني.


-العار الثاني، أن صوت وزراء الخارجية العرب مستنكراً التدخل الأجنبي في ليبيا بارك هذا التدخل في العراق.


الجدل المنطقي يقول: ما ينطبق على الوضع في ليبيا، كقرار منطقي، يجب أن ينطبق على كل حالة مشابهة أو مماثلة، سابقة أكانت أم لاحقة. وإذا صدر حول المبدأ ذاته قرار بالصيف، فعلى القرار الشتوي أن يكون مطابقاً بالحرف والنقطة والفاصلة. وبغير ذلك يكون الانتقاء، صيف وشتاء على سقف واحد، عبثياً، وضحكاً على الذقون، واستخفافاً بعقول البشر.


وما يثير استغرابنا أيضاً، أن الحمية والحرص الذي اجتاح تصريحات أولي الأمر في النظام الإيراني، فهلَّلوا وكبَّروا وحلفوا بالطلاق ثلاثاً أنهم لن يقفوا على حياد إذا تدخل الغرب في ليبيا، فهو ليس أكثر من استغباء العقول فينا، وكأننا نسينا تصريحات أولي الأمر فيهم عندما أعلن أحدهم: إنه لولا طهران لما استطاعت واشنطن أن تدخل كابول وبغداد. أنظروا، لا يرحبون بالتدخل الأجنبي في العراق وأفغانستان فحسب، بل هم يشاركونه بفعالية كبيرة أيضاً. أما هنا في ليبيا فيصبح التدخل الأجنبي عملاً آثماً ومنكراً يستحق النهي والتقريع، ودق طبول الويل والثبور وعظائم الأمور.


يا للعار


لمن فاته المشهد. لقد استوى هوشيار زيباري على كرسي عرش مجلس وزراء الخارجية العرب، وراح يتلو القرار المتخذ بالتحذير من التدخل الأجنبي في ليبيا. وإذا كنا نؤيد القرار لمبدئيته فإننا نستنكر أن يتلوه زيباري لسبب أن شدة تأييده للتدخل الأجنبي في العراق جعل يديه تتلوثان بدماء ملايين العراقيين وأرواحهم، وتهجيرهم وقطع أرزاقهم. هذا الاستنكار ليس لأنه أيَّد الاحتلال الأميركي فحسب، وإنما كان من جنود أميركا المخلصين في حربها العسكرية وأصبح الأداة الأساسية في حرب أميركا السياسية للاستيلاء على العراق أيضاً.


وإذا كان من الواقعي الأضعف على وزراء الخارجية العرب، لحفظ ماء وجوههم وهم الخاضعون لإملاءات الأجنبي، أن يسمحوا بحضور هذا المتآمر على وطنه العراق وعلى قومية الوزراء العربية، لكن من غير المنطقي أن يسمحوا لمن كان مع التدخل الأجنبي حتى النخاع أن يتلو بياناً باسمهم واسم العرب، يتهدد فيه التدخل الأجنبي ويتوعَّده.


و في حمأة ثورات التغيير وانتفاضاته التي تعم الوطن العربي، هنا لا تفوتنا الدعوة إلى المطالبة بتنحية كل وزير خارجية عربي وإسقاطه، كل وزير لا تكتمل عنده سوية العقل المنطقي بشكل متساوٍ مع ضميره الوطني والقومي، لأنه يشكل الصورة والمرآة التي نطل بها على العالم الخارجي. وإن سبب المطالبة يعود إلى أمنيتنا بتأسيس مجلس لوزراء الخارجية العرب ينقلب على المجلس الحالي الذي تتحكم به العبثية واللامبالاة. وإذا كان من غير الواقعي أن يتم هذا الاستبدال الآن لأن إناء النظام العربي الرسمي ينضح بما فيه، فإنه على المتغيرات اللاحقة، كنتائج محتملة لما بعد ثورات اليوم، أن تلحظ هذه المهمة لأننا نريد أن نطل على العالم بوجوه نظيفة بمنطقيتها ووطنيتها وقوميتها.

 

 





الخميس٢٨ ربيع الاول ١٤٣٢ هـ   ۞۞۞  الموافق ٠٣ / أذار / ٢٠١١م


أكثر المواضيع مشاهدة
مكتب الثقافة والإعلام القومي - لقاءُ القُوى الوَطَنيّة والقَوميّة التَقدُّميّة الديمُقراطِيّة ضَرورة حَتميّة للخَلاص مِن حالَةِ الضَعفِ العَرَبي د. عامر الدليمي في ظل الاستهداف المنقطع النظير الذي تتعرض له أمتنا العربية في أغلب أقطارها، وفي ظل غياب أية حدود أو سقف للبشاعة التي يتم فيها تنفيذ حلقات المؤامرة، وليس آخرها محرقة رفح، والمجزرة البشعة التي يتعرض لها شعبنا العربي في فلسطين، والتي وصلت إلى إحراق الخيام بقاطنيها حيث تم استهداف النازحين قسرًا شمال غرب رفح. تلك المجزرة التي خلّفت عشرات الشهداء الذين تحولت أجسادهم إلى أشلاء، بالإضافة إلى عشرات الجرحى معظمهم من الأطفال والنساء، مع استهداف الاحتلال الصهيوني للمنظومة الصحية وإخراجها من الخدمة، كل ذلك على مرأى ومسمع من العالم أجمع العاجز عن كبح جماح جرائم العدو الصهيوني. في ظل هذا الواقع المأساوي، وعجز الأنظمة العربية عن وقف عجلة التدهور وبشاعته، يصبح من أعلى الأولويات والواجبات الحتمية، أن تلتقط القوى السياسية الوطنية والقومية زمام المبادرة، نحو بلورة مشروع يرقى إلى مستوى التحديات الوجودية الجسيمة التي تستهدف الأمة في وجودها. ويتقدم تلك الأولويات فهم الواقع الذي تمرُ به الأمة العربية في هذه الظروف وتحليلها بقدرٍ عالٍ من المسؤولية الوطنية والقومية والوقوف بواقعية وموضوعية على أسباب الانكسارات والتراجعات والاستسلام للقوى المعادية، حيث يتقدم تلك الأسباب الانقسام والتشظي العربي بسبب تناقضات ثانوية تاركين التحديات الأساسية والمصيرية تحرق الأمة وتنهي هويتها ووجودها. وفي مقدمة متطلبات تحقيق ذلك، والذي يعد من الضرورة القومية الحاسمة أن تكون هناك نظرة وفعل حقيقي جاد لتجديد الخطاب القومي العربي وتحديث مشروعه النهضوي التحرري التقدمي. ومن هنا فإن لقاء القوى السياسية المخلصة للوطن والأمة العربية، والعمل ضمن قواعد عمل مشتركة للتوصل إلى مشروع يمكِّن الأمة من مواجهة التحديات الوجودية الجسيمة التي تتعرض لها، ويعيد لها كرامتها، ويؤكد بأنها أمة جديرة بالحياة، من خلال إيجاد تفاهمات سياسية على قاعدة جماهيرية تكون أساساً لقوتها، وتستطيع من خلال ذلك وغيره التخلص من الضعف والتخلف والتقهقر الذي أصابها. إن ذلك من شأنه أن يرسم الخطوات الأولى التي تخطوها القوى الوطنية والقومية لقيادة الأمة نحو مرحلة جديدة لتكون أمة مجاهدة تسعى نحو التثوير والتنوير والتغيير والتقدم بكل جوانبه. كما وتشكِّل أساساً لإطلاق الحريات الفكرية والسياسية التي تعد الدعامة الرئيسية لمجتمع حضاري جديد، وتحقيق نهضة عروبية تقدمية ديمقراطية في الساحة السياسية كما في الساحة الفكرية. إن كل ذلك يقتضي تجاوز الحالات التي تعرضت لها من مناكفات وخصومات بينية أوصلتها إلى الاحتراب الفعلي فأضعفت نفسها، وجعلت القوى المعادية تتحكم بمصيرها. وليس أدل على ذلك ما وصلت إليه بعض الأنظمة العربية في الاستسلام والضعف أمام العدو الصهيوني، وتمدد استعماري للمشروع الفارسي في أقطار أمتنا العربية بدءاً من المشرق واندفاعاً نحو أقطارها في شمال افريقيا. إن الضرورة الوجودية والحتمية في تاريخنا الحالي تقتضي عودة التيار القومي العربي التحرري والمنظمات القومية لممارسة دورها الفعلي في الساحة العربية بقوة وثقة عالية، متحصِّنة بالإيمان المطلق بقدرها، وبمسؤوليتها التاريخية في قيادة الأمة لتحقيق أمل الجماهير في خلاصها من الاستعباد والاستبداد والهزيمة والتشظّي. ومن أولويات هذه المهمة النضالية الكبيرة هي أن ينهض المثقفون والمفكرون والكتاب العرب الذين يؤمنون برسالة الأمة كرسالة إنسانية خالدة لممارسة دورهم الريادي في بلورة الطموحات المأمولة، وتحديد معالم الطريق العملية والواقعية لتحقيقها، بعيداً عن الإنشاء أو العواطف أو التنظير العقيم. على أن مثل هذا التفاعل وتلاقح الأفكار يتطلب من الجميع العمل من أجل هذا المشروع بروح ديمقراطية متجددة، كشرط أساسي لنجاحه كي يعيد للأمة العربية مجدها وكرامتها وحقها في الحياة.
مواضيع الكاتب حسن خليل غريب نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة
مكتب الثقافة والإعلام القومي - لقاءُ القُوى الوَطَنيّة والقَوميّة التَقدُّميّة الديمُقراطِيّة ضَرورة حَتميّة للخَلاص مِن حالَةِ الضَعفِ العَرَبي د. عامر الدليمي في ظل الاستهداف المنقطع النظير الذي تتعرض له أمتنا العربية في أغلب أقطارها، وفي ظل غياب أية حدود أو سقف للبشاعة التي يتم فيها تنفيذ حلقات المؤامرة، وليس آخرها محرقة رفح، والمجزرة البشعة التي يتعرض لها شعبنا العربي في فلسطين، والتي وصلت إلى إحراق الخيام بقاطنيها حيث تم استهداف النازحين قسرًا شمال غرب رفح. تلك المجزرة التي خلّفت عشرات الشهداء الذين تحولت أجسادهم إلى أشلاء، بالإضافة إلى عشرات الجرحى معظمهم من الأطفال والنساء، مع استهداف الاحتلال الصهيوني للمنظومة الصحية وإخراجها من الخدمة، كل ذلك على مرأى ومسمع من العالم أجمع العاجز عن كبح جماح جرائم العدو الصهيوني. في ظل هذا الواقع المأساوي، وعجز الأنظمة العربية عن وقف عجلة التدهور وبشاعته، يصبح من أعلى الأولويات والواجبات الحتمية، أن تلتقط القوى السياسية الوطنية والقومية زمام المبادرة، نحو بلورة مشروع يرقى إلى مستوى التحديات الوجودية الجسيمة التي تستهدف الأمة في وجودها. ويتقدم تلك الأولويات فهم الواقع الذي تمرُ به الأمة العربية في هذه الظروف وتحليلها بقدرٍ عالٍ من المسؤولية الوطنية والقومية والوقوف بواقعية وموضوعية على أسباب الانكسارات والتراجعات والاستسلام للقوى المعادية، حيث يتقدم تلك الأسباب الانقسام والتشظي العربي بسبب تناقضات ثانوية تاركين التحديات الأساسية والمصيرية تحرق الأمة وتنهي هويتها ووجودها. وفي مقدمة متطلبات تحقيق ذلك، والذي يعد من الضرورة القومية الحاسمة أن تكون هناك نظرة وفعل حقيقي جاد لتجديد الخطاب القومي العربي وتحديث مشروعه النهضوي التحرري التقدمي. ومن هنا فإن لقاء القوى السياسية المخلصة للوطن والأمة العربية، والعمل ضمن قواعد عمل مشتركة للتوصل إلى مشروع يمكِّن الأمة من مواجهة التحديات الوجودية الجسيمة التي تتعرض لها، ويعيد لها كرامتها، ويؤكد بأنها أمة جديرة بالحياة، من خلال إيجاد تفاهمات سياسية على قاعدة جماهيرية تكون أساساً لقوتها، وتستطيع من خلال ذلك وغيره التخلص من الضعف والتخلف والتقهقر الذي أصابها. إن ذلك من شأنه أن يرسم الخطوات الأولى التي تخطوها القوى الوطنية والقومية لقيادة الأمة نحو مرحلة جديدة لتكون أمة مجاهدة تسعى نحو التثوير والتنوير والتغيير والتقدم بكل جوانبه. كما وتشكِّل أساساً لإطلاق الحريات الفكرية والسياسية التي تعد الدعامة الرئيسية لمجتمع حضاري جديد، وتحقيق نهضة عروبية تقدمية ديمقراطية في الساحة السياسية كما في الساحة الفكرية. إن كل ذلك يقتضي تجاوز الحالات التي تعرضت لها من مناكفات وخصومات بينية أوصلتها إلى الاحتراب الفعلي فأضعفت نفسها، وجعلت القوى المعادية تتحكم بمصيرها. وليس أدل على ذلك ما وصلت إليه بعض الأنظمة العربية في الاستسلام والضعف أمام العدو الصهيوني، وتمدد استعماري للمشروع الفارسي في أقطار أمتنا العربية بدءاً من المشرق واندفاعاً نحو أقطارها في شمال افريقيا. إن الضرورة الوجودية والحتمية في تاريخنا الحالي تقتضي عودة التيار القومي العربي التحرري والمنظمات القومية لممارسة دورها الفعلي في الساحة العربية بقوة وثقة عالية، متحصِّنة بالإيمان المطلق بقدرها، وبمسؤوليتها التاريخية في قيادة الأمة لتحقيق أمل الجماهير في خلاصها من الاستعباد والاستبداد والهزيمة والتشظّي. ومن أولويات هذه المهمة النضالية الكبيرة هي أن ينهض المثقفون والمفكرون والكتاب العرب الذين يؤمنون برسالة الأمة كرسالة إنسانية خالدة لممارسة دورهم الريادي في بلورة الطموحات المأمولة، وتحديد معالم الطريق العملية والواقعية لتحقيقها، بعيداً عن الإنشاء أو العواطف أو التنظير العقيم. على أن مثل هذا التفاعل وتلاقح الأفكار يتطلب من الجميع العمل من أجل هذا المشروع بروح ديمقراطية متجددة، كشرط أساسي لنجاحه كي يعيد للأمة العربية مجدها وكرامتها وحقها في الحياة.