شبكة ذي قار
عـاجـل










لم تكن السياسة يوما حرفتي إلا بالقدر الذي تحمله لي ، ولسنوات كمغترب ، هموم وطني العراق وهموم وطني العربي .


ماكنت يوما مع هذا الزعيم العربي أو ذاك إلا بالقدر الذي أشعر معه بالكم والكيف الذي يقدمه لوطنه من إنجازات سياسية أو عسكرية أو إقتصادية أو إجتماعية أو ثقافية .


عشت في الغرب فلم تستهوني الديموقراطية إلا بالقدر الذي تتيحه لي من حرية التعبير عن الرأي بغير قيود ولا تزييف .. ولا من رأسمالية الإقتصاد إلا بالقدر الذي تقدمه قوانينها للمواطن العادي من سبل الدعم المادي لكي توفر له العمل صغيراٌ والحياة الكريمة في شيخوخته .


كنت ، وأنا العراقي ، تجرفني أحيانا موجات الإعلام المسيس وهي تتحدث عن صدام حسين فتصفه مرة ( بالدكتاتور ) الذي يريد أن يلتهم جيرانه لتعيد الى الفكر الغربي مااندثر من تراث الهتلرية والنازية وتجعله يعقد المقارنات بين الإثنين . وتعود لتصوره ( بالطاغية ) على الطراز الستاليني الذي يقتل شعبه يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم وفي ذلكم بلاء عظيم .
وصفته لنا ومَن كان حوله من عائلته وأقربائه ومقربيه وحزبه بأنهم يسرقون ثروات العراق ويجوعون أبناء العراق ويكنزون الذهب والدولار في بنوك العالم وفي الشركات الإستثمارية .


ولكي أكون صريحا وصادقا فيما أكتب فقد صدقنا بعض ذلك كعراقيين وكعرب مغتربين .. ولم نكن نعلم أننا كنا ضحايا لمكائن الإعلام الخرافية .. وحينما أدركنا ذلك ، أدركنا معه الكثير من الحقائق التي تكشفت الواحدة تلو الأخرى .


الغريب ، أنه في تلك الفترة ، كانت تلك الأجهزة الإعلامية المدعومة إستخباريا تلتزم الصمت إن لم نقل التضليل تجاه أنظمة أخرى في المنطقة العربية والشرق أوسطية كانت تُحكم أيضا من قبل شخص واحد أو حزب واحد أو عائلة واحدة .


كانت أيضا لاتتكلم على الإطلاق عما كان يجري في إيران على سبيل المثال وهي التي كانت تعلن عداءها لأميركا والغرب وإسرائيل ، ترفع شعار ( الشيطان الأكبر ) في إشارة الى أميركا والتهديد بضرب مصالحها وقامت باحتجاز طاقم سفارتها في طهران لمدة 444 يوما متتالية .. أو تصريحات قياداتها الدينية والسياسية بإزالة إسرائيل من الخريطة .. أو بتصريحاتهم فيما يتعلق بدول الخليج العربية وإحتلال الجزر الإماراتية والمطالبة بالبحرين كأرض إيرانية وإثارة القلاقل والفتن في هذه الدولة أو تلك لحد الصدامات المسلحة .. وكل تلك الدول وكما هو معروف هي دول ذات أنظمة سياسية موالية للغرب وترتبط معه بإتفاقات عسكرية وسياسية وتجارية ومصالح مشتركة إضافة الى كونها نبع النفط الرئيسي الذي يغذي شريان الإقتصاد الأوربي والعالمي .


قالوا لنا إن صدام حسين ضرب إيران لكي يطلق سراح الأميركان أسرى السفارة الأميركية (!!) وأنه يحارب دولة ( إسلامية ) جارة . وحين أسقَطَ صدام هذا الإدعاء المزيف حيث قام بعد أسبوع واحد فقط من بدء الحرب عام 1980 بطلب إعلان الهدنة والتفاوض حول المشاكل المعلقة مع الجانب الإيراني .. رفض الخميني العائد من فرنسا حيث كان يقيم تحت الحماية الغربية هذا الطلب لكي يجر البلدين الى حرب طاحنة إستمرت ثمان سنوات .


ثم جاءت بعد ذلك سنوات العد التنازلي للمؤامرة الكبرى ، بل الأكبر منذ سنوات الإحتلال الغربي الصهيوني للمنطقة بدءا بمعاهدة سايكس ـ بيكو مرورا بوعد بلفور وانتهاءاٌ باحتلال أجزاء إضافية من الوطن العربي عام 1967 .


كانت الكويت هذه المرة رأس الحربة الموجهة الى القلب العراقي ، وحين بدأت تلك السنوات بضرب العراق عسكريا وحصاره إقتصاديا حصارا حقيقيا على الأرض وفي البحر والجو .. عربيا ودوليا ومن خلال منظمة الأمم المتحدة ، لا كما نرى ونسمع الآن عن الحصارات الإقتصادية والسياسية الإعلامية والصورية ليس إلا .


نعم كان العراق البوابة التي بفتحها سيتم فتح الأبواب الأخرى .. والسور الذي بهدمه سيتم تهديم الأسوار الأخرى وعندها ستصبح أرض الوطن العربي ساحة مفتوحة لمطامع جديدة وخطط تم وضعها بعناية ووجوه جديدة تحكم ووجوه أخرى يتم تحجيمها أو جعلها تنتظر نحبها حين يحين .

وجود قائد كصدام حسين برغم حالة الإضعاف والتحجيم التي تم وضع العراق فيها كان سيشكل عقبة كبيرة في تنفيذ خطط المؤامرة الكبرى .. لذلك بدأت ضرب العراق في آذار 2003 بضربة عسكرية جوية وهجوم بري تعاون فيه الأعداء و ( الأشقاء ) على حد سواء والتي توالت صفحاتها في السنوات اللاحقة لذلك !! .


ضُرب العراق على الرغم من أنه لم يكن قد إحتل إحدى دول ( الجوار ) كما كان الحال في 1991 ، وضُرب على الرغم من كل التحركات السياسية والمرونة الدبلوماسية التي بادرت بها القيادة السياسية العراقية على المستوى الدولي ، وضُرب على الرغم كذلك من كل التنازلات التي قدمها العراق في سنوات الحصار بدفعه التعويضات ورسم إقتصاده المنهك وفق سياسة الأمم المتحدة ( النفط مقابل الغذاء ) مع كل الجور والظلم الذي حملته تلك السياسة .


وحين بدأت خيوط المؤامرة تتكشف .. والإنتكاسة الكبرى للعراق العربي تظهر بعد أن بدأ التدخل الإيراني السافر في الشأن العراقي مع تآمر ( الأشقاء ) ، وتنصيب العملاء وحثالات اللصوص على رأس السلطة في العراق ، واستفحال الطائفية واتخاذها منهاجا في الحكم ..
حينها تكشفت الحقائق الدامغة أمام العراقيين أولا ، وأحرار العرب والعالم ثانيا .


لقد تم جر النظام العراق جرا الى الحرب مع إيران للدفاع عن أرضه أمام تهديدات الخميني وتحرشات قواته العسكرية على الحدود العراقية .. وفي الوقت الذي كان فيه الأعداء داخل وخارج العراق يرّجون الى دعم أميركي لصدام في تلك الحرب ، كانت الحقائق تشير الى إمدادات عسكرية إسرائيلية للنظام الإيراني وليس العكس ( إيران كونتروا أو إيران كيت ) !! كما وتبين لاحقا أن إتفاقات أميركية ـ إيرانية سرية قد تمت في السنوات الأولى للحرب وفي الفترة التي تلت ذلك لإسقاط النظام العراقي .. والحقائق هذه أتت بتصريحات على لسان المسؤوليين الإيرانيين أنفسهم بعد ذلك وليست من نسج الخيال أو إفتراءا عليهم .


الحرب مع الكويت ، لم تكن هي الأخرى إلا صفحة أخرى في المؤامرة وتفاصيلها معروفة سواء ماحدث قبلها من ضغوطات إقتصادية وإستفزازات على العراق من قبل النظام الكويتي وذلك بعد حرب إيران وما أنتجته من ثقل التبعات الإقتصادية على العراق .. أو ما نشر لاحقا وعلى لسان السفيرة الأميركية في العراق في تلك الحقبة إبرل كلاسبي .


تم إحتلال العراق .. وذهب صدام .. وتم تحقيق ما ماخططت له وأرادته أميركا والصهيونية وحلفائهما من ( الجيران والأشقاء ) .
قالوا لنا أن مليارات العراق قد سرقها صدام وعائلته وأقرباؤه وأركان حكومته وحزبه !! وإذا بنا نجد أن كل أجهزة الدول المعتدية قد عجزت من أن تجد حسابا مصرفيا واحدا خارج العراق يعود لصدام أو لأي ممن ذكروا .. أو إستثمارات مالية أو عقارية أو غيرها في أي مكان في العالم . وأيضا لنجد العكس وهو ماأعلن دوليا ورسميا وقبل سنوات وفي ظل حكومات ( العراق الجديد ) من فقدان 13 مليار دولار لاأحد يعلم أين ذهبت .. ثم توالي فضائح السرقات العلنية والسرية يوما بعد آخر !!


قالوا لنا أن صدام كان يحكم بعقلية طائفية .. فإذا بنا نعرف فعلا ماهي الطائفية وعلى حقيقتها بعد 2003 . وإذا بنا نعرف أن من عاقبهم صدام ليسوا لكونهم من هذه الطائفة أو تلك ، بل لخيانتهم لوطنهم وعمالتهم لإيران التي عادوا منها ليثبتوا لنا أن صدام كان على حق وبصيرة في معرفتهم على حقيقتهم .


قالوا لنا أن صدام أدخل العراق في نفق التدهور الإقتصادي وهو البلد النفطي الغني .. ونسوا أنه وبرغم الحصار القاسي على العراق ، فإنه كان لايعاني من نقص وتدهورالخدمات ولا من إيقاف الحصص التموينية عن المواطن ولا من تفشي البطالة كما هي الآن ولا من فقدان الأمن .. وهو مابدأ المواطن العراقي يعيشه بعد وصول حكومات العراق ( الديموقراطي ) الى المنطقة الخضراء !!


كان العراق موحدا .. فإذا به في ظل حكومات العراق ( الفيدرالي الموحد ) قد أصبح يعيش حالة تشرذم وتصدع علنية من خلال المطالبات بالأقاليم .. وتلويح شماله الى الإنفصال بدولة مستقلة قد آن الأوان لها كما قال رئيس الإقليم مسعود البارزاني .


وترحمنا كعراقيين على صدام حتى قبل أن يقف شامخا في مواجهة الموت ..


وجاء الربيع العربي ..


فإذا بنا نرى أن مازرعه برنار ليفي .. وسقاه البترودولار .. وحصدته لحى وعمائم السوء والعمالة .. ينقلب من ربيع الى شتاء مكفهر .. ومن ثورات الى ردات ..
وبدأوا يترحمون كما ترحمنا .


واليوم نرى في الأفق أن ( الأشقاء ) أيضا سيترحمون قريبا ولكن .. لات حين مناص !!
فلقد قرأ الفاتحة على أرواحهم سلفا كافة أحرار العراق والعرب ومقاومتهم الباسلة


ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين .


lalhamdani@rocketmail.com

 

 





الاربعاء١٣ ربيع الثاني ١٤٣٣ هـ   ۞۞۞  الموافق ٠٧ / أذار / ٢٠١٢م


أكثر المواضيع مشاهدة
مكتب الثقافة والإعلام القومي - لقاءُ القُوى الوَطَنيّة والقَوميّة التَقدُّميّة الديمُقراطِيّة ضَرورة حَتميّة للخَلاص مِن حالَةِ الضَعفِ العَرَبي د. عامر الدليمي في ظل الاستهداف المنقطع النظير الذي تتعرض له أمتنا العربية في أغلب أقطارها، وفي ظل غياب أية حدود أو سقف للبشاعة التي يتم فيها تنفيذ حلقات المؤامرة، وليس آخرها محرقة رفح، والمجزرة البشعة التي يتعرض لها شعبنا العربي في فلسطين، والتي وصلت إلى إحراق الخيام بقاطنيها حيث تم استهداف النازحين قسرًا شمال غرب رفح. تلك المجزرة التي خلّفت عشرات الشهداء الذين تحولت أجسادهم إلى أشلاء، بالإضافة إلى عشرات الجرحى معظمهم من الأطفال والنساء، مع استهداف الاحتلال الصهيوني للمنظومة الصحية وإخراجها من الخدمة، كل ذلك على مرأى ومسمع من العالم أجمع العاجز عن كبح جماح جرائم العدو الصهيوني. في ظل هذا الواقع المأساوي، وعجز الأنظمة العربية عن وقف عجلة التدهور وبشاعته، يصبح من أعلى الأولويات والواجبات الحتمية، أن تلتقط القوى السياسية الوطنية والقومية زمام المبادرة، نحو بلورة مشروع يرقى إلى مستوى التحديات الوجودية الجسيمة التي تستهدف الأمة في وجودها. ويتقدم تلك الأولويات فهم الواقع الذي تمرُ به الأمة العربية في هذه الظروف وتحليلها بقدرٍ عالٍ من المسؤولية الوطنية والقومية والوقوف بواقعية وموضوعية على أسباب الانكسارات والتراجعات والاستسلام للقوى المعادية، حيث يتقدم تلك الأسباب الانقسام والتشظي العربي بسبب تناقضات ثانوية تاركين التحديات الأساسية والمصيرية تحرق الأمة وتنهي هويتها ووجودها. وفي مقدمة متطلبات تحقيق ذلك، والذي يعد من الضرورة القومية الحاسمة أن تكون هناك نظرة وفعل حقيقي جاد لتجديد الخطاب القومي العربي وتحديث مشروعه النهضوي التحرري التقدمي. ومن هنا فإن لقاء القوى السياسية المخلصة للوطن والأمة العربية، والعمل ضمن قواعد عمل مشتركة للتوصل إلى مشروع يمكِّن الأمة من مواجهة التحديات الوجودية الجسيمة التي تتعرض لها، ويعيد لها كرامتها، ويؤكد بأنها أمة جديرة بالحياة، من خلال إيجاد تفاهمات سياسية على قاعدة جماهيرية تكون أساساً لقوتها، وتستطيع من خلال ذلك وغيره التخلص من الضعف والتخلف والتقهقر الذي أصابها. إن ذلك من شأنه أن يرسم الخطوات الأولى التي تخطوها القوى الوطنية والقومية لقيادة الأمة نحو مرحلة جديدة لتكون أمة مجاهدة تسعى نحو التثوير والتنوير والتغيير والتقدم بكل جوانبه. كما وتشكِّل أساساً لإطلاق الحريات الفكرية والسياسية التي تعد الدعامة الرئيسية لمجتمع حضاري جديد، وتحقيق نهضة عروبية تقدمية ديمقراطية في الساحة السياسية كما في الساحة الفكرية. إن كل ذلك يقتضي تجاوز الحالات التي تعرضت لها من مناكفات وخصومات بينية أوصلتها إلى الاحتراب الفعلي فأضعفت نفسها، وجعلت القوى المعادية تتحكم بمصيرها. وليس أدل على ذلك ما وصلت إليه بعض الأنظمة العربية في الاستسلام والضعف أمام العدو الصهيوني، وتمدد استعماري للمشروع الفارسي في أقطار أمتنا العربية بدءاً من المشرق واندفاعاً نحو أقطارها في شمال افريقيا. إن الضرورة الوجودية والحتمية في تاريخنا الحالي تقتضي عودة التيار القومي العربي التحرري والمنظمات القومية لممارسة دورها الفعلي في الساحة العربية بقوة وثقة عالية، متحصِّنة بالإيمان المطلق بقدرها، وبمسؤوليتها التاريخية في قيادة الأمة لتحقيق أمل الجماهير في خلاصها من الاستعباد والاستبداد والهزيمة والتشظّي. ومن أولويات هذه المهمة النضالية الكبيرة هي أن ينهض المثقفون والمفكرون والكتاب العرب الذين يؤمنون برسالة الأمة كرسالة إنسانية خالدة لممارسة دورهم الريادي في بلورة الطموحات المأمولة، وتحديد معالم الطريق العملية والواقعية لتحقيقها، بعيداً عن الإنشاء أو العواطف أو التنظير العقيم. على أن مثل هذا التفاعل وتلاقح الأفكار يتطلب من الجميع العمل من أجل هذا المشروع بروح ديمقراطية متجددة، كشرط أساسي لنجاحه كي يعيد للأمة العربية مجدها وكرامتها وحقها في الحياة.
مواضيع الكاتب علي الحمــداني نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة
مكتب الثقافة والإعلام القومي - لقاءُ القُوى الوَطَنيّة والقَوميّة التَقدُّميّة الديمُقراطِيّة ضَرورة حَتميّة للخَلاص مِن حالَةِ الضَعفِ العَرَبي د. عامر الدليمي في ظل الاستهداف المنقطع النظير الذي تتعرض له أمتنا العربية في أغلب أقطارها، وفي ظل غياب أية حدود أو سقف للبشاعة التي يتم فيها تنفيذ حلقات المؤامرة، وليس آخرها محرقة رفح، والمجزرة البشعة التي يتعرض لها شعبنا العربي في فلسطين، والتي وصلت إلى إحراق الخيام بقاطنيها حيث تم استهداف النازحين قسرًا شمال غرب رفح. تلك المجزرة التي خلّفت عشرات الشهداء الذين تحولت أجسادهم إلى أشلاء، بالإضافة إلى عشرات الجرحى معظمهم من الأطفال والنساء، مع استهداف الاحتلال الصهيوني للمنظومة الصحية وإخراجها من الخدمة، كل ذلك على مرأى ومسمع من العالم أجمع العاجز عن كبح جماح جرائم العدو الصهيوني. في ظل هذا الواقع المأساوي، وعجز الأنظمة العربية عن وقف عجلة التدهور وبشاعته، يصبح من أعلى الأولويات والواجبات الحتمية، أن تلتقط القوى السياسية الوطنية والقومية زمام المبادرة، نحو بلورة مشروع يرقى إلى مستوى التحديات الوجودية الجسيمة التي تستهدف الأمة في وجودها. ويتقدم تلك الأولويات فهم الواقع الذي تمرُ به الأمة العربية في هذه الظروف وتحليلها بقدرٍ عالٍ من المسؤولية الوطنية والقومية والوقوف بواقعية وموضوعية على أسباب الانكسارات والتراجعات والاستسلام للقوى المعادية، حيث يتقدم تلك الأسباب الانقسام والتشظي العربي بسبب تناقضات ثانوية تاركين التحديات الأساسية والمصيرية تحرق الأمة وتنهي هويتها ووجودها. وفي مقدمة متطلبات تحقيق ذلك، والذي يعد من الضرورة القومية الحاسمة أن تكون هناك نظرة وفعل حقيقي جاد لتجديد الخطاب القومي العربي وتحديث مشروعه النهضوي التحرري التقدمي. ومن هنا فإن لقاء القوى السياسية المخلصة للوطن والأمة العربية، والعمل ضمن قواعد عمل مشتركة للتوصل إلى مشروع يمكِّن الأمة من مواجهة التحديات الوجودية الجسيمة التي تتعرض لها، ويعيد لها كرامتها، ويؤكد بأنها أمة جديرة بالحياة، من خلال إيجاد تفاهمات سياسية على قاعدة جماهيرية تكون أساساً لقوتها، وتستطيع من خلال ذلك وغيره التخلص من الضعف والتخلف والتقهقر الذي أصابها. إن ذلك من شأنه أن يرسم الخطوات الأولى التي تخطوها القوى الوطنية والقومية لقيادة الأمة نحو مرحلة جديدة لتكون أمة مجاهدة تسعى نحو التثوير والتنوير والتغيير والتقدم بكل جوانبه. كما وتشكِّل أساساً لإطلاق الحريات الفكرية والسياسية التي تعد الدعامة الرئيسية لمجتمع حضاري جديد، وتحقيق نهضة عروبية تقدمية ديمقراطية في الساحة السياسية كما في الساحة الفكرية. إن كل ذلك يقتضي تجاوز الحالات التي تعرضت لها من مناكفات وخصومات بينية أوصلتها إلى الاحتراب الفعلي فأضعفت نفسها، وجعلت القوى المعادية تتحكم بمصيرها. وليس أدل على ذلك ما وصلت إليه بعض الأنظمة العربية في الاستسلام والضعف أمام العدو الصهيوني، وتمدد استعماري للمشروع الفارسي في أقطار أمتنا العربية بدءاً من المشرق واندفاعاً نحو أقطارها في شمال افريقيا. إن الضرورة الوجودية والحتمية في تاريخنا الحالي تقتضي عودة التيار القومي العربي التحرري والمنظمات القومية لممارسة دورها الفعلي في الساحة العربية بقوة وثقة عالية، متحصِّنة بالإيمان المطلق بقدرها، وبمسؤوليتها التاريخية في قيادة الأمة لتحقيق أمل الجماهير في خلاصها من الاستعباد والاستبداد والهزيمة والتشظّي. ومن أولويات هذه المهمة النضالية الكبيرة هي أن ينهض المثقفون والمفكرون والكتاب العرب الذين يؤمنون برسالة الأمة كرسالة إنسانية خالدة لممارسة دورهم الريادي في بلورة الطموحات المأمولة، وتحديد معالم الطريق العملية والواقعية لتحقيقها، بعيداً عن الإنشاء أو العواطف أو التنظير العقيم. على أن مثل هذا التفاعل وتلاقح الأفكار يتطلب من الجميع العمل من أجل هذا المشروع بروح ديمقراطية متجددة، كشرط أساسي لنجاحه كي يعيد للأمة العربية مجدها وكرامتها وحقها في الحياة.