شبكة ذي قار
عـاجـل













ألماء مركّب أساسيّ لحياة جميع الكائنات الحيّة من إنسان وحيوان ونبات وكائنات حيّة دقيقة، اذ يشكّل حسب العمر والبنية والنشاط 50-80% من مكوّنات جسم الأنسان، وقد تصل نسبته في بعض النباتات الى أكثر من 95%. يحتاج الأنسان الماء في مختلف جوانب حياته ونشاطاته كالإستخدام المنزلي (100-300 ليتر يوميّاً)، والزراعة، والصناعة، وإنتاج الطاقة، والنقل، والصيد، وتفعيل السياحة، وغير ذلك.


لمحة تاريخيّة
نظراً لأهمية الماء في حياة الأنسان فقد أرتقى منذ القدم الى مرتبة التقديس وحتّى العبادة أحياناً. ففي الحضارة الفرعونيّة كانت هناك ظاهرة في مصر تعرف بعروسة النيل، حيث كان يلقي المصريّون سنويّاً بنتاً مصريّةً في نهر النيل كقربان، ولم تتوقّف هذه الظّاهرة إلاّ عند دخول الإسلام في عهد الخليفة عمر بن الخطّاب. واعتبر الإغريق أنّ بعض الأنهار والبحار مقدّسة، وأنّ للمياه آلهةً مسؤولة عن الخير والخصوبة والكوارث. كما ينظر الهندوس إلى نهر الغانغ باعتباره نهراً مقدّساً، ويعبدون إلهً يمثّله هو الأله غانغا، فيغطس المؤمنون فيه لتطهير أجسادهم وأرواحهم من الذنوب. ومن فرائض اليهوديّة استخدام الماء في طقوس التنظيف وتبرئة الذّات من الذنوب وفي التعميد أحياناً. ويدخل الماء في عمليّة التعميد الكنسي عند المسيحيّين، إذ يحتفلون بعيد الغطّاس إحياءاً لذكرى تعميد السيّد المسيح في نهر الأردن على يد القدّيس يوحنّا المعمدان. وورد ذكر الماء في القرءان الكريم 63 مرّة، حيث ورد في سورة الأنبياء (ألأية 30): «...وجعلنا من الماء كلّ شئ حيّ....»، كما أنّ لماء زمزم مكانةً خاصّةً في وجدان المسلمين.


تغطّي المياه حوالي 71% من مساحة الكرة الأرضيّة، (361 مليون كم²)؛ 0.1% بخار ماء في الغلاف الغازي، 97.5% في المحيطات والبحار، و 2.4% على اليابسة كأنهار، وبحيرات، ومستنقعات، ومياه جوفيّة، ومسطّحات جليديّة في المناطق القطبيّة وقمم الجبال العالية، وماء مربوط بالمواد العضويّة الحيّة والميّته للنباتات، والحيوانات والإنسان. يخضع الماء لدورة سنويّة إذ يتبخّر حوالي مليار م³ ماء من المسطّحات المائيّة في الدقيقة. يتصاعد بخار الماء الى الغلاف الغازي وينتقل الى أماكن أخرى بفعل التيّارات الهوائيّة، ثمّ يتكاثف البخار المائي مكوّناً السّحب الّتي ينتج عنها سقوط الأمطار، والثّلوج وغيرها من المتساقطات على سطح الكرة الأرضيّة. تبلغ كميّة المياه المتبخّرة سنويّاً حوالي 380 كم³، وهي متساوية مع كميّة المتساقطات سنويّاً. وبذلك لا يوجد خسارة أو زيادة في الميزان المائي العالمي إلاّ بمقدار كميّة المياه التي خرجت أو ستخرج من كوكب الأرض مع روّاد الفضاء إلى الفضاء الخارجي. ورغم ثبات الميزان المائي عالميّاً إلاّ أنّ نسبة التبخّر وكذلك التساقط تختلف من منطقة جغرافيّة إلى أخرى. ففي الوطن العربي تكون نسبة التبخّر أعلى من نسبة التساقط وهذا يعتبر من الأسباب الرئيسيه لأزمة المياه فيه. على الرّغم من أنّ الوطن العربي يشكّل 10.2% من مساحة العالم و5% من عدد سكّانه فإنّ موارده المائيّة لا تتجاوز 1-1.5% من المياه العالميّة المتجدّدة. ويعتبر الوطن العربي ألأفقر ماءً بالمقارنة مع باقي المناطق في العالم، إذ يبلغ المعدّل السنوي لنصيب الفرد من المياه العذبة حوالي 1000 م³/ سنة مقابل حوالي 7700 م³ في العالم، ومن المتوقّع أن تنخفض هذه النسبة في لبنان إلى 500 م³ عام 2015 و 329 عام 2030. ويعتبر لبنان من الأقطار العربيّة القليلة التي تتمتّع بوفرة مائيّة عذبة معقولة تستطيع تلبية الحاجات المختلفة إذا تمّت إدارة المياه بعقليّة المصلحة الوطنيّة العامّة، والمهنيّة، والتخطيط قريب وبعيد الأجل ضمن استراتيجيّة مائيّة وطنيّة.


ألميزان المائي في لبنان

يجري في لبنان حوالي 40 مجرىً مائيّاً منها 17 مجرىً دائماً و27 مجرىً مؤقّتاً. كما تمّ إحصاء 4000 نبعاً جبليّاً تتجاوز غزارته 10 ليتر/ثانية. ويخضع لبنان طبيعيّاً كما أقطار المشرق العربي لدورة مطريّة مدّتها 7-10 سنوات بين دورة جافّة تتراجع فبها المتساقطات الى الحدّ الأدنى في وسطها، وأخرى ممطرة ترتفع فيها المتساقطات في وسطها الى الحدّ الأعلى هذا إذا لم يحدث تغيير ملحوظ في نسبة الإشعاع الشمسي. وبشكل عامّ فأنّ معدّل المتساقطات على السواحل 800 مم (تجاوزت قليلاً نصف هذا المعدّل في العام الحالي)، وعلى المرتفعات 1400 مم وفي البقاع الشّمالي 200 مم. ولقد قدّر استهلاك المياه عام 1994 ب 1293 مليون م³ موّزعة على الشكل التالي: 67.7% للزراعة، 28.4% للخدمة المنزليّة و3.9% للصناعة. وتقدّر الكميّة المهدورة في البحر بحوالي 1200 مليون م³ سنويّاً، حيث تزيد أو تتناقص هذه الكميّة حسب غزارة المتساقطات وتوزيعها على الأشهر الممطرة ونسبة تساقط الثلوج. تجدر الإشارة هنا الى أنّ مساحة الأراضي القابلة للزراعة في لبنان (هكتار) تقدّر ب 530000 يزرع منها فعليّاً حوالي 360000 والمساحة المرويّة تتراوح بين 87000 و 1000000.


نحو استرتيجيّة مائيّة وطنيّة : لماذا وكيف ؟

إنّ أيّة خطّة تقترح أو تقرّ للتعامل مع الثروة المائيّة في لبنان يجب أن تستند إلى قاعدة أساسيّة تختصر بالإجابة على السؤال التالي: كيف يمكن الإستفادة القصوى من كميّة المتساقطات المتاحة والحدّ إلى الدرجة الدنيا من الهدر سواءً بالتبخّر، أو التلوّث، أو الإنسياب إلى البحر خاصّةً في الأشهر الماطرة ؟ وبناءً عليها يمكن القيام بإجراءات متنوّعة ومتعدّدة أبرزها:


1- تأهيل شبكات توزيع مياه الشفة لتأمين وصول المياه النّظيفة إلى جميع المشتركين تحقيقاً للعدالة بين النّاس، ومنعاً لهدر المياه في الطّرق إذ إضافة لحرمان بعض المواطنين منها فهي تؤثّر سلباً وتخرّب الطّرق ممّا يرفع من فاتورة تأهيلها وزيادة نسبة حوادث السّير، ووقف التعدّي على الشبكة وسرقة الماء من قبل من يعتبرون أنفسهم فوق القانون الذين لا يتعاملون مع الأخر بمنطق المساواة في المواطنة، أو الجهلة بما ينعكس عليهم وعلى الأخرين من آثار سلبيّة لممارساتهم، وأحياناً من قبل المشتركين الذين يسدّدون بدل الإشتراك ولكنّهم لا يحصلون على حقّهم فيطرّون لفتح العيارات واستخدام المضخّات، وتطبيق العقوبات بحقّهم وفق القوانين المرعيّة الإجراء دون الخضوع لمعيار صيف وشتاء تحت صقف واحد. إنّ تأهيل شبكات مياه الشفة ومنع التعدّي عليها لا يسهم فقط في تأمين وصول المياه إلى جميع المشتركين وويخفّف من نسبة الهدر فقط بل يمنع دخول مصادر التلوّث الكيميائيّة (معادن ثقيلة) والحيويّة (جراثيم) وبالتالي تنخفض فاتورة الإستشفاء النّاتجة عن معالجة المرضى بتلك الملوّثات.


2- إعتماد العدّادات بدل العيارات بحيث يدفع المواطن لمؤسّسة المياه المعنيّة في كلّ منطقة بمقدار ما يستهلك. إنّ هذه الطريقة لاتؤمّن العدالة بين المواطنين فقط بل تساهم في منع الهدر لأنّ فاتورة الماء تنخفض كلّما تمّ التوفير واستخدام الماء فقط حسب الحاجة الفعليّة. لقد اعتمِدت هذه الطريقة في بعض المناطق، وتمّ تمديد شبكات مزوّدة بعدّادات في مناطق أخرى دون استعمالها، ولم يكتمل أو يباشر تنفيذها في معظم المناطق. تجدر الإشارة إلى أنّ حوالي 56% من سكّان لبنان يحصلون على مياه الشفة عبر شبكات مياه عامّة والنسبة الباقية تحصل على المياه من خلال شبكات وآبار خاصّة، ومياه معبّأة (معظم اللبنانيّين يستخدمون المياه المعبّأه للشرب لخوفهم من تلوّث المصادر الأخرى) ونقل بالصّهاريج. إنّ المطلوب اعتماد العداّدت على كامل الأراضي اللّبنانيّة وأن لا تقتصر على الأفراد (ألمنازل) بل يجب أن تعمَّم كذلك على المؤسّسات العامّة والخاصّة مع تفعيل محطّات معالجة مياه الإستهلاك المنزلي وشبكات الجرّ. يمكن إضافة نسبة مئويّة معقولة ومدروسة على فاتورة الإستهلاك الفعلي للمساهمة جزئيّاً في تغطية تكاليف معالجة مياه الصّرف الصّحي في كلّ منطقة.


3- تنظيف إلزامي كلّ سنة على الأقل في نهاية الصيّف لأحواض الأنهار وتطبيق الإجراءات الراّدعة والعقوبات والغرامات بحق من يرمي النفايات فيها. إنّ حماية أحواض الأنهار من التلوّث لا يمكن أن يكون فعّالاً إذا لم تُنفَّذ شبكات مياه الصّرف الصّحي ومحطّات معالجتها في جميع المناطق. إنّ تنظيف أحواض الأنهار يرفع من قدرتها الأستيعابيّة خلال الأشهر الممطرة ويساعد في ارتفاع المردود الأقتصادي للسدود المنفذّة والمخطَّط لتنفيذها، والبحيرات التي تصبّ فيها الأنهار، إضافة الى خفض نسبة تلوّث الشاطئ والكتلة المائيّة الّتي يؤمّها روّاد السّباحة والصيّادون ممّا يؤثّر أيجابيّاً ومباشرةً على صحّتهم، أو بشكل غير مباشر على المرافق السيّّاحيّة البحريّة، وعلى صحّة المستهلك للمنتجات البحريّة (أسماك، قواقع، قشريّات، موادّ أوليّة لصناعة الأدوية ومستحضرات التجميل...)، ويخفض من مستوى التلوّث في البحيرات حيث لوحظ أنّه بسبب تلوّث مجرى نهر الليطاني ارتفع معدّل التلوّث في بحيرة القرعون ولا سيّما ببعض مجاميع البكتريا الممرضة وخاصّةً الأنتيروبكتيري والستربتوكوكيس والسيانوبكتيري التي تسبّب أمراضاً معويّة ورئويّة وعصبيّة. كما أنّ انخفاض منسوب المياء الذي تغذّي بحيرتي الكواشرة والتي هي قيد التأهيل في الشّمال، واليمّونة في البقاع الشمالي قد حوّل هاتين البحيرتين إلى مستنقعين. وهذا ما يؤكّد لحظ صيانة وتأهيل البحيرات في خطط إنشاء السّدود. إنّ جزءاً أساسيّاً من التلوّث في مجاري الأنهار والجداول يأتي من المنشآت الصّناعيّة ممّا يستدعي إلزام المصانع بتأمين معاملة المياه العادمة قبل وصولها إلى الأنهار.


4- تفعيل المؤسّسات المعنيّة بالتخطيط المُدني ومنح تراخيص البناء، وإنجاز برامج الفرز والضمّ لإدراج جميع المرافق المبنيّة في الخرائط وذلك للحدّ من ظاهرة التمدّد العمراني الأفقي والعامودي العشوائي لا سيّما في المشاعات التي يتمّ وضع اليد عليها دون وجه حقّ ودون الأخذ بنظر الإعتبار مستلزمات البنية التحتيّة وقدرة الإستيعاب لتقديم خدمات الكهرباء، والماء، والتعليم، والصّحة، والبيئة، والنقل بالدرجة المقبولة، والحفاظ على الغابات والأراضي الصالحة للزراعة، في حين أنّ الواجب والأجدى أن تستثمرها الوزارات حسب صلاحيّاتها، والبلديّات، ومجلس الإنماء والإعمار في إنشاء المجمّعات التّربويّة والرّياضيّة والحدائق، والمرافق الأخرى ذات المنفعة العّّّامّة. إنّ أيّة خطّة مائيّة في أيّة منطقة يجب أن تلحظ الزيادة السكانيّة عدديّاً وانتشاراً، والتغيّر الحاصل في المساحات المستخدمة للزّراعة والصّناعة مع الزّمن.


5- وضع خطّة منهجيّة للحفاظ على الغابات وتشجير الجبال الجرداء خاصّةً في سلسلة لبنان الشرقيّة ممّا يرفع كميّة المتساقطات ودرجة تسرّبها الى الطبقات الجوفيّة ويخفض من درجة التبخّر والتعريّة واحتمال حدوث السيول في أوقات الذروة من التساقط. يميل اللبنانيّون باللاّوعي الى زراعة الصنوبريّات ذات الأوراق الأبريّة وذلك لرمزيّة الأرز، ولكن استناداً الى الجدوى الأقتصاديّة والبيئيّة فإنّ الأشجار عريضة الأوراق هى الأجدى كالسنديان والبلّوط واليوكاليبتوس والقيقب وغيرها إن لنسبة تحمّلها للجفاف وحدوث الحرائق، أوأفضليّتها لأغناء التنوّع البيئي. لذا يفضّل عند تصميم إنشاء الغابات أن تكون الأشجار متنوعةً ولا تقتصر على مجموعة نباتيّة واحدة.


6- تشجيع المزارعين على استخدام تقنيّات الرّي بالرّش والنقطة إذا أمكن ذلك تقنيّا" وحسب المساحة والأصناف المزروعة. وفي حالة الجفاف وندرة المياه يمكن زيادة مرّات الحراثة و/ أوالعزق في بساتين الفاكهة، حيث أنّ كلّ حرثتين أو عزقتين تعادلان ريّة واحدة وذلك بزيادة الأستفادة من بخار الماء في الطبقة الغازيّة.


7- ألأستفادة من مياه الصّرف الصّحي: تحتوي مياه الصّرف الصّحي على مسبّبات الأمراض كالفيروسات والبكتيريا والأوليّات والديدان المسطّحة والنيماتود وغيرها والتي قد تنتقل مباشرة الى شبكات مياه الإستخدام المنزلي إذا حدث خلل في صيانة تمديدات مياه الإستخدام المنزلي أوتلك العائدة للصّرف الصّحي، أو بشكل غير مباشر عبر دخولها في الشبكة الغذائيّة سواء باستهلاكها مباشرة من الأسماك التي هي مصدر غذائي للإنسان أو بعمليّات ريّ الخضار والمحاصيل التي يستهلكها الأنسان دون معاملة حراريّة. وبالتالي فإنّ إنشاء وتشغيل محطّات معالجة مياه الصّرف الصّحي لا تحسّن الميزان المائي فقط بل تحافظ كذلك على الصّحة العّامّة وتخفض فاتورة الإستشفاء.


تضمّن تقرير لوزارة البيئة عام 2001 أنّ الحجم الأجمالي لكميّة المياه النّاتجة عن الصّرف الصّحي في لبنان بلغ 249 مليون م³، أمّا دراسة وزير الطّاقة والموارد المائيّة السابق، جبران باسيل فقد أشارت إلى أن كميّة مياه الصّرف الصّحي هي 310 مليون م³ سنويّا" منها 250 مليون م³ ناتجة عن الإستخدام المنزلي وحوالي 60 مليون م³ من الصّناعة، علماً أنّ 67% فقط من أماكن السّكن متّصلة بالمجاري الصّحيّة العامّة والباقي إمّا أن يتمّ استيعاب مياه الصّرف الصّحي في جور أو يصبّ مباشرةً في الأنهار. إنّ أخطر ألجور الصحيّة هي تلك التي تحفر في أماكن مرتفعة نسيةً لينابيع الأنهار وقرب البحيرات لأنّها تشكّل مصدراً رئيسيّاً للتلوّث بالجراثيم المسبّبة للأمراض.


لقد تضمّن المخطّط التوجيهي للصّرف الصّحي الذي اعتمده مجلس الأنماء والأعمار عام 1988 وتمّ تحديثه عام 1994 إقامة 12 محطّة ساحليّة ابتدءاً من العبدة شمالاً وصولاً الى صور جنوباً، وثمان محطّات داخليّة. هذا بالأضافة ألى حوالي 100 محطّة صغيرة موزّعة على كافّة المناطق. يجري العمل حاليّاً في بعض المحطّات ولكن بطاقة أدنى ممّا هو مصمّم، وذلك لأنّ جزءاً من مياه الصّرف تصل إليها والباقي يصرف دون معالجة في الأنهار والبحر، كما تقتصر عمليّات المعالجة في بعض المحطّات على المرحلة الأولى (ألميكانيكيّة) دون تنفيذ المرحلة الثانية (ألمعالجة الحيويّة) والثالثة للحصول على مياه نظيفة خالية من الجراثيم والعناصر الكيميائيّة الخطرة على الصّحة العامّة. أمّا المحطّات الأخرى فهي إمّا أنّها لاتعمل لعدم اكتمال مستلزمات التشغيل أو لعدم وجود تمويل، علماً أنّ دراسة الوزير باسيل تشير إلى أنّ قيمة الإستثمارات في قطاع الصّرف الصّحي منذ أوائل التسعينيات بلغت 14 مليار دولار أميركي. إنّ المبلغ المذكور عالٍ جدّاً، ولو أُحسِن استثماره لكان في لبنان أفضل شبكة لمعالجة المياه العادمة في العالم ولكن؟؟!!.


8- إنشاء السدود والبحيرات بعيداً عن المحاصصة السياسيّة والمناطقيّة والطّائفيّة وإنّما استناداً إلى معايير الجدوى وإمكانيّة التنفيذ والصّيانة المستديمة. فالخطّة العشريّة لوزارة الطّاقة والمياه التي بوشر في أعدادها عام 1999 وخضعت لاحقاً لتعديلات وأُقرّت عام 2003 تلحظ إنشاء 33 سدّا" وبحيرة جبليّة نُفّذ بعضها (سدّ شبروح) ودُشّن بعضها الأخر(أليموّنة)، والبعض الأخر قيد الدراسة. وتقدّر الكلفة الأجماليّة للخطّة 800 مليون دولار أميركي تموّل داخليّاً وعبرالقروض وبطريقة ال " BOT". إنّ إنشاء السدود والبحيرات يحسّن الميزان المائي وهو ضرورة استراتيجيّة لتأمين الإحتياجات المتصاعدة مع الزيادة السكانيّة، واحتمالات انخفاض مستوى المتساقطات، ويؤمّن وفرة مائيّة تسمع بزيادة المساحات الزراعيّة المرويّة ممّا يرفع من مستوى معيشة العاملين في القطاع الزراعي، ويحدّ من الهجرة الداخليّة والخارجيّة، ويوفّر مصادر مياه قريبة لمكافحة الحرائق في الغابات. يقترح بعض الخبراء في قطاع المياه أنّ اعتماد الأبار الجوفيّة بدل السّدود هي الطّريقة الأفضل. لا شكّ أنّ لكلِّ من الفكرتين جوانبَ إيجابيّة وأخرى سلبيّة. ألسّدود تمنع هدر المياه في البحر وتحدّ من مخاطر الفيضانات في الأشهر الممطرة، لكنّ تلوّث مجاري الأنهار وعدم الصّيانة الدّائمة والفعّالة للبحيرات تعتبر من السّلبيّات الرّئيسيّة لهذا الخيار. ألمعايير العكسيّة تنطبق على خيار الأبار الجوفيّة. وهذا ما يستدعي من الخبراء الّذين يكلّفون بوضع خطط إدارة المياه في لبنان أخذ هذه المعطيات بنظر الإعتبار إضافة إلى المستلزمات الأخرى.


9- ألتنسيق بين الإدارات المعنيّة بإدارة ملفّ المياه والتي تشمل وزارة الطّاقة والمياه، والمصلحة الوطنيّة لمياه نهر الليطاني، ومجلس الأنماء والأعمار، ووزارة البيئة، والمشروع الأخضر، ووزارة المهجّرين ، ومجلس الجنوب. ففي أيّار أُقرّ قانون المياه رقم 221 الذي تضمّن إنشاء أربع مؤسّسات عامّة للمياه والصّرف الصّحي في بيروت وجبل لبنان، والشمال، والجنوب والبقاع. وقد اعترضت عليه عدّة أطراف باعتباره يتناقض مع بعض بنود الدستور لجهة الحقوق المكتسبة. وحاليّاً يتمّ الترويج لأنشاء المجلس الوطني للمياه في لبنان وهذا أمر جيّد لضرورة وجود هيئة مركزيّة متخصّصة للأشراف على قطاع المياه ولكن يُخشى أن يصبح هذا المجلس دائرةً جديدةً للهدر البيروقراطي، وزيادة الدّين العامّ، ولتنظيم المحاصصة بين أطراف السلطة. إنّ تنظيم إدارة المياه عبر تحديد الصلاحيّات والمسؤوليّات بين الجهات المعنيّة بهذا القطاع وتحاشي التضارب فيما بينها ضرورة ملّحة للتعامل معه ولتحاشي أزمة مياه مستقبليّة.


10- ألإستفادة الكاملة من حصّة لبنان في نهري العاصي والحاصباني استناداً إلى القوانين الدوليّة التي تنظّم وتحددّ حقوق الأطراف المختلفة المستفيدة من الأنهار ذات الطابع الدولي. هذا وأنّ الأتّفاق المبرم بين لبنان وسوريا حول تقاسم نهر لبنان الكبير الجنوبي الذي يفصل بين البلدين إنجاز جيّد ويؤمل أن ينفًّذ إيجابيّاً دون التأثّر بالتّطورات السّياسيّة والأمنيّة وذلك لمصلحة الطّرفين.


11- إدخال ثقافة إستخدام الماء في المناهج التربويّة للمؤسّسات التعليميّة الرسميّة والخّاصّة، والبرامج التثقيفيّة للأحزاب السّياسيّة والجمعيّات الدينيّة والأهليّة والنّقابات وذلك لتنشئة الأجيال على الإستخدام الأمثل للمياه وممارسة الرّقابة والمساءلة للجهات المعنيّة بإدارة قطاع المياه ممّا يساهم في الحدّ من هدر المياه المتوفّرة واحتمالات الفساد في إدارته.

 

خاتمة
من كلّ ما تقدّم يمكن التأكيد على أنّ الماء ثروة وطنيّة ذات أبعاد استراتيجيّة، وألأمن المائي جزء أساسيّ من الأمن الوطني الّذي يستحقّ أن يتمّ التعامل معه بعيداً عن التجاذب السّياسي والمصالح الفئويّة، وأن تُلحظ برامج التأهيل والصّيانة الدّائمة في أيّ مشروع، ومنع الهدر سواء بالإستهلاك أو بالأموال التي ترصد لتنفيذ المشاريع المختلفة وصيانة المنشآت، واعتماد التوعية والإرشاد للمواطنين على أهميّة قطاع المياه بكلّ تفرّعاته.

 





الخميس ١٠ جمادي الثانية ١٤٣٥ هـ   ۞۞۞  الموافق  ١٠ / نيســان / ٢٠١٤ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب د. علي بيان نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة