شبكة ذي قار
عـاجـل













كانت حركات التحرر في الوطن العربي على وجه الخصوص، وفي العالم بصورة عامة، بعد الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم إلى معسكرين، تسعى من اجل انجاز الاستقلال الوطني لبلدانها .. وإن هدف تحقيق الاستقلال الوطني في تلك الفترة :

 

لم يكن يشكل تناقضاً جدياً مع مصالح النظم السياسية العربية الحاكمة .. كما أن تقديم الدعم من قبل الحكومات العربية لهذه الحركات لم يكن يشكل تهديداً حقيقياً لوجودها .. وفي ضوء هذا الواقع :

 

1- استكملت معظم الاقطار العربية استقلالها السياسي مع نهاية الستينيات من القرن المنصرم، وتوزعت حكومات هذه الاقطار بصيغة تحالفات أو استتباعات بين مركزي الاستقطاب السوفياتي والامريكي.

 

ولم تبق ارض محتلة في الوطن العربي غير فلسطين، بمعنى الدولة المحتلة بكل مقوماتها، وبعض الاراضي التي استمرت تحت الهيمنة الايرانية والتركية والاسبانية والحبشية، مثل ( عربستان والجزر العربية الثلاث في الخليج العربي، وبعض اراضي ومدن العراق، والاسكندرون ، وسبة ومليليه وجزر الكناري ، ومناطق القرن الأفريقي ) .

 

2- تلازم مشروع النهضة العربية الاولى بقضية فلسطين :

- مع التدخل الاستعماري لمنع تحقيق وحدة المشرق العربي بفرض اتفاقية ( سايكس- بيكو ) .

 

- التدخل البريطاني الامريكي الاوربي في اغتصاب فلسطين بفرض ( وعد بلفور ) كواقع .. من هنا فأن حل مسألة الوحدة يؤدي الى حل قضية فلسطين، التي ترتبط بتحرير العراق .

 

3- ومن ذلك يتضح .. أن الصراع مع الصهاينة والاستعمار يرتبط بالصراع من اجل النهوض والتقدم .. فالعجز عن تحرير فلسطين، هو ذات العجز عن تجميع عناصر قوة الامة في وحدتها القومية، وهو ذات العجز عن تحقيق التنمية والنهضة، وهو ذات العجز الذي تبديه الانظمة العربية عن توفير مستلزمات النهضة .. فاذا كانت الانظمة العربية عاجزة عن توفير مستلزمات النهضة فانها ستكون بالضرورة عاجزة عن تجميع عناصر قوة الامة بتحرير فلسطين .

 

هذا الواقع، بعد الحرب العالمية الثانية ، كان محرضاً على التمرد على الواقع العربي الفاسد والعاجز .. الأمر الذي ادى إلى :

 

- الثورات .

- والأنقلابات .

 

وكانت حركة التحرر الوطني قد ادركت ان الخلل في توازن الصراع مع الصهاينة ليس عسكرياً فحسب، إنما يكمن في الترسبات الراكدة في الواقع العربي وبنياته الفوقية التي تشكل خطراً داهماً على المشروع التحرري من جهة وعقبة معرقلة بوجه المشروع النهضوي العربي من جهة ثانية .. وقد افرزت احداث حزيران عام 1967 حقائق جديدة :

 

اولاً- أن علاقة النظام العربي الرسمي بالمقاومة الفلسطينية لم تكن عضوية.

 

ثانياً- ان الصهاينة قد تجاوزوا احتلال فلسطين الى الأراضي العربية .

 

ثالثاً- هذا الواقع .. انتج التزامات فلسطينية وعربية لم يكن النظام العربي الرسمي قادراً على الأيفاء بها ، لا في التحرير ولا في التعبئة من اجل التحرير.

 

رابعاً- ادى ذلك الى الفصل بين القضية الفلسطينية والقضية العربية تحت ذريعة ( محو أثار العدوان ) .. وقد كرس هذا الانفصال مؤتمر القمة العربية في تونس .

 

خامساً- تحول شكل الصراع، من صراع ( عربي إسرائيلي ) إلى صراع ( فلسطيني إسرائيلي ) تحت يافطة ( أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ) ، والذي ينطوي على فك الترابط العضوي بين القضية الفلسطينية وعمقها الإستراتيجي العربي .. الأمر الذي ادى بالنتيجة الى فقدان القضية الفلسطينية عمقها القومي.!!

 

سادساً- اختزل الصراع العربي- الاسرائيلي مع ما افرزته حرب حزيران 1967 بما يتساوق مع ( مبادئ الشرعية الدولية ) ممثلة بالقرارين ( 242 ) و ( 338 ) اللذين كرسا :

 

- ان الصراع ليس صراعاً من اجل القضية الفلسطينية إنما نزاعاً على الحدود أو من أجل استرداد الأراضي العربية التي احتلها ( اسرائيل ) .

 

- ان ( الاستراتيجية العربية ) لما بعد حرب حزيران 1967 كانت تفتقر الى الاسناد الاستراتيجي للمقاومة الفلسطينية، وبالتالي تكريس الهدف ( ليس تحرير فلسطين إنما لإزالت آثار العدوان ) .!!

 

فيما كرست ستراتيجية ما يسمى بدول الطوق تنفيذ ما يلي :

 

- حرمان العمل الفلسطيني المقاوم من استخدام اراضي دول الطوق ضد العدو الصهيوني.

 

- التلويح بدور ( الجيوش النظامية ) في التحرير، والتعويل على المفاوضات والتسويات، واهمال المقاومة كرديف على خط التحرير التي يستوجب أن يأخذ حالة تكاملية .

 

- التركيز على ما يسمى بـ ( التوازن الإستراتيجي ) مع العدو الصهيوني.

 

4- إن نجاح المقاومة الفلسطينية بعد حزيران 1967، وبعد معركة ( الكرامة ) أدى إلى التحام جماهير الشعب العربي ووقوفها خلف المقاومة :

 

- فرزت مشروعيتها الثورية .

- فضحت عجز النظام العربي الرسمي قي اثبات مشروعيته القومية.

- كشفت ضعفه وسلوكه المهادن وعدم قدرته على النهوض بمشروع التحرير.

- كشف التواطؤ الرامي إلى سحب القوى الفلسطينية إلى طاولة مفاوضات لا أول لها ولا آخر.. في حلقة مفرغة اثبت الواقع المعاش حقيقتها .

 

حيال هذا الواقع الذي افرزته المقاومة الفلسطينية وجد النظام العربي الرسمي نفسه امام خيارين :

 

الأول- إما تحجيم المقاومة الفلسطينية بوضعها على خط النظام العربي الرسمي العاجز، في اطار الترويض الذي دأبت عليه السياسة العربية الرسمية بتشجيع خط " هنري كيسنجر" .

 

الثاني- أو محاربة المقاومة الفلسطينية ومنع تواصلها مع عمقها التعبوي العربي والعمل على شرذمتها سياسياَ وعسكرياَ.. ومعروفة هي تداعيات ذلك على القضية الفلسطينية ذاتها.!!

 

لماذا .. ؟ ، لأن الكفاح المسلح بات يشكل خطراً على كيانات الأنظمة العربية، تبعاً لما اقرته القمة العربية في الخرطوم وتبنته القيادات العربية باعتماد ( الحلول السياسية ) بديلاً عن المواجهة العسكرية، من اجل إزالة آثار العدوان.!!

 

لماذا ايضاً ..؟ لأن منهج الكفاح المسلح بات بديلاَ شرعياً وحيداً امام عجز الأنظمة العربية وتواطؤاتها التي تسعى الى الترويض والتهميش وبالتالي تفكيك القضية الفلسطينية وتشتيتها في واقعين جيو- سياسيين اثنين احدهما في غزة والآخر في الضفة الغربية .!!

 

وحيال هذاالواقع المؤلم .. الذي تعرضت له المقاومة الفلسطينية، عملت الأنظمة العربية، قبل وبعد ايلول الأسود عام 1970 على الآتي :

 

أولاً- العمل على احتواء المقاومة بالأساليب التالية :

1- تقييدها بالدعم المادي بشرط العمل بما لا يتعارض مع سياسات الانظمة العربية الرسمية.

2- ربط بعض قياداتها بتحالفات خاصة .

3- اختراقها من خلال منظمات تابعة للأنظمة العربية.

4- العمل على وضع ( إسفين ) بين فصائلها على خط التقسيم والتفتيت .

 

ثانياً- إقفال الأراضي العربية بوجه المقاومة الفلسطينية لأهداف :

1- حرمان المقاومة الفلسطينية من عمقها العربي .. والجميع يتذكر مقولة القائد الشهيد صدام حسين رحمه الله .. امنحونا قطعة ارض على حدود فلسطين، وسترون .. بهذا المعنى، الذي لخص طبيعة الواقع التآمري على القضية الفلسطينية ومقاومتها الباسلة .

 

2- تجفيف منابع الدعم العسكري الضروري لأدامة زخم الكفاح المسلح .

 

خنق المقامة الفلسطينية وشلها ومن ثم اضعافها وترويضها للقبول بسياسة الأمر الواقع ، التي رسمها "هنري كيسنجر والسادات ورئيس البيت الأبيض".

 

يتبع ...

 






الثلاثاء ٢٥ محرم ١٤٣٦ هـ   ۞۞۞  الموافق  ١٨ / تشرين الثاني / ٢٠١٤ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب د. ابا الحكم نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة