شبكة ذي قار
عـاجـل













شهد عام 2005 تزايد ملحوظ في اعمال القتل والتدمير والحرب الطائفية والفوضى في العراق بعد ثلاث سنوات من الحرب العدوانية التي شنتها الولايات المتحدة على العراق بحج الديمقراطية وحقوق الانسان . وكان تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، (( سيئة الذكر )) حين أدلت بحديث إلى صحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية، في نيسان عام 2005 م، بعد أن انتشرت الأعمال الفوضى التخريبية في العراق، والتي اتهمت، بأنها "مسيسة من قبل الجيش الأمريكي"، فجاء في إجابتها عن سؤال وجه لها، عن الفوضى التي يمكن أن يولدها التدخل الأمريكي في "الشرق الأوسط"، حينها - فقط - قدمت رايس الفرضية التي تقوم عليها النظرية، وهي: "أن الوضع الحالي ليس مستقراً، وأن الفوضى التي تنتجها عملية التحول الديمقراطي في البداية، هي فوضى خلاقة، ربما تنتج في النهاية، وضعاً أفضل من الذي تعيشه حاليا". لقد كانت الخطة في إحلال الفوضى الخلاقة تقتضي على منح المجتمع جرعة هائلة من الحرية لم يتعاطها من قبل على مر حياته؟؟!!

وقبل الدخول في تفاصيل هذه الخطة وجب علينا أولاً، تعريف الفوضى الخلاقة سياسياً وهي: " فلسفة سياسية تعمل على تحويل دولة إلى حالة من الفوضى بحيث يتم تدمير أو تقليل سلطة القانون التي تربط المجتمع الواحد في الدولة ، وتخلق هذه الفوضى حالة جديدة من النظام وتفرض أمراً واقعاً يكون هدفه الرئيسي عادة إسقاط النظام السابق.

واليوم بعد اكثر من عشر سنوات على تصريحات رايس فلم ينعم الشعب العربي في العراق ولا في غيره من الاقطار العربية بحياة افضل كما وعدتهم بل تتعاقب جرائم المليشيات المسلحة والعصابات الإجرامية في عدد من العراق وعددالدول الشقيقة وعلى ٍرأسها ليبيا وسوريا والعراق واليمن..حيث تبخر حلم ملايين المدنيين الذين شاركوا في 2011 وقبلها في المظاهرات السلمية للمطالبة بالإصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي..وهتفت حناجرهم مطولا بشعارات تنشد التغيير السلمي وتبشر بعصر "التحرير"..

لكن تعاقب الاحداث أكد أن "كذبة التحرير" التي رفعت على لسان كبار قادة العالم وأبواقها الدعائية كانت تمهيدا لتكريس نظرية دافعت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوانزاليزا رايس وشركاؤها في الحلف الاطلسي .وكانت النتيجة مذابح بشعة وتكريسا قذرا لسياسة "فرق تسد" الاستعمارية القديمة الجديدة ..

جريمة بشعة
لا شك أن التنديد وبكاء الغرب على من اسموهم (( ضحايا الانظمة )) كان السبب الرئيسي للوصول الى هذه الوضعية البشعة من الفوضى والدمار والاقتتال والانهيار الشامل للسلطات المركزية والجهوية. أليس السبب العميق توزيع ملايين قطع السلاح الثقيل والمتوسط والخفيف على ملايين المواطنين وتسليح الميليشيات والاحزاب .اليس السبب العميق "قادة الحلف الاطلسي الاذكياء جدا" الذين دمروا السلطة المركزية وكل رموز انظمة ما يسمى ب (( دول الربيع العربي ))فجأة دون جمع ملايين قطع الاسلحة التي فرقوها على حلفائهم وخصومهم على غرار ما فعلوا مثلا في يوغسلافيا السابقة بعد الإطاحة بنظام ميلوسوفيتش؟ لماذا تعمد قادة الحلف الاطلسي وحلفاؤهم اغراق ليبيا ـ ومن قبلها سوريا والعراق واليمن ـ ومصر بملايين الاسلحة ثم اضعاف السلطات المتعاقبة التي استلمت الحكم بعد "حروب التحرير" الوهمية التي شنوها وتسببت في سقوط عشرات الاف المدنيين.

اعترافات تقارير أمريكية وأوروبية
وبعيدا عن الجانب الانساني الدرامي في مسلسل المذابح التي تشهدها الدول العربية والاسلامية منذ " العدوان الايراني على العراق واندلاع الحرب العراقية الايرانية" وحرب "تحرير أفغانستان من السوفيات" في الثمانينات ثم حرب 1991 في الخليج كشفت دراسات إستراتيجية أمريكية وأوربية ومعمقة أن الميليشيات المسلحة والعصابات الاجرامية والارهابية التي استباحت دماء المدنيين في كل مكان ليست وليدة اليوم..ولم تنشأ "صدفة"..بل لقد كلفت «مافيات « مالية وسياسية وعسكرية وأمنية متعددة الألوان بتأسيس تلك العصابات والميليشيات لتنفيذ مخططات استعمارية جديدة في المنطقة..ولتأجيج تناقضات عرقية وطائفية ودينية تبرر إشكالا جديدة من الهيمنة والوصاية و"الحماية" الأجنبية.. بمنطق أن تدخل الاستعمارية يصبح "البديل الوحيد" عن العنف الدموي والانتهاكات غير المسبوقة في التاريخ الانساني والعربي الاسلامي للحرمات وللكرامة.

تصدير ازمات البلدان الاستعمارية
ولئن كان تفسير اي ظاهرة بعامل وحيد سقوطا في التبسيط والارتجال فان الدراسات الدولية والاستراتيجية الغربية تؤكد أن "لوبيات"و"مافيات" دولية وإقليمية عديدة تتحرك منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008/2009 لتصدير ازماتها الى « العالم الثالث « وخاصة الى "العالم العربي الاسلامي" الغني بموارده الضعيف بسبب تمزقه الى دوليات رسمها الاستعمار "القديم" بعد الحربين العالميتين الاولى والثانية.

وتؤكد التقارير الاقتصادية الغربية ذاتها أن مؤسسات أوروبية وأمريكية وأسيوية عملاقة تتاجر بالنفط العربي والاسلامي منذ الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات وحرب 1991.. وبعد حرب الولايات المتحدة على العراق واحتلال بغداد في 2003 ثم تأجيج حرب أهلية داخله ثم في سوريا وصولا الى اليمن وليبيا تنوعت "مافيات" التهريب الدولي للمحروقات وغيرها من البضائع ـ وبينها المخدرات ـ عبر ميليشيات مسلحة ترفع يافطات "ديمقراطية تقدمية" حينا وشعارات دينية وقومية حينا آخر

نعود الى اللقاء الصحفي الذي أذاعت كونداليزا رايس فيه رسمياً نيه الإدارة الأمريكية نشر الديمقراطية في العالم العربي والتدخل لحقوق المرأة وغيرها لتشكيل ما يعرف بالشرق الأوسط الجديد، والغريب والمدهش أن الوزيرة الأمريكية استخدمت أحد نصوص الماسونية، ولنكن أكثر دقة، الوزيرة الأمريكية استخدمت أحد نصوص "بروتوكلات حكماء صهيون" لتشرح للعالم كيفية انتقال الدول العربية والاسلامية من "العهد الديكتاتوري إلى العصر الديمقراطي". إعلان كونداليزا رايس أن أمريكا ستلجأ إلى نشر الفوضى الخلاقة في منطقه الشرق الأوسط لنشر الديمقراطيه و الحريه في هذه الدول، كان أولى خطوات تنفيذ مشروع صاغه المستشرق البريطاني الأصل، اليهودي الديانة، الصهيوني الانتماء، الأمريكي الجنسية برنارد لويس، في عام 1983 م ووافق عليه الكونجرس الأمريكي بالاجماع ، والذي أُطلق عليه اسم "حدود الدم"، ويهدف إلى تقسيم وتفتيت الدول العربية والاسلامية إلى دويلات على أساس ديني ومذهبي وطائفي.

نقطة التحول
يوم 11 ايلول من العام 2001 كانت نقطه التحول في السياسية الأمريكية الخارجية خاصهً مع منطقه الشرق الأوسط، فما بين تصريح بوش باقامه الشرق الأوسط الكبير وتصريحات كونداليزا رايس باستخدام الفوضى الخلاقه لتحقيق الأهداف الأمريكية في نشر الديمقراطية، خاضت أمريكا حربين في أفغانستان 2001 والعراق 2003 ولا أحد يعلم سبب هذين الحربين، فأسامه بن لادن تم قتله بعد عشر سنوات في باكستان، والعراق لم يتم اثبات امتلاكها أسلحة دمار شامل حتى اليوم، أم أن واشنطن كانت تعلم خلو العراق من هذه الأسلحه مسبقاً؟ ولكن الثابت والمعلن أن واشنطن لم يكن هدفها الاستراتجي محاكمه الرئيس صدام ولا قتل بن لادن، ولكن كان هدفها إقامه منطقه شرق أوسط جديد "منطقه تسودها الحريه والديمقراطيه وحقوق الانسان!". كما تدعي الدولة الكبرى

فخ الديمقراطية
ولكن هل فعلا واشنطن تريد دولاً وأنظمه عربية واسلامية ديمقراطية أم أن الديمقراطية هي الفخ الذي تنصبه أمريكا للدول العربية للوقوع في شباك الفوضى الخلاقة؟ هو ما رد عليه الأمريكي ديفيد وارمرز، المستشار والمسؤول عن قسم الشرق الأوسط في فريق ديك تشيني "النائب السابق للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش"، قائلاً: من ضمن خطتنا في المنطقه لا بد أن نتبه للاعلام، الإعلاميون العرب كلهم أعداء وكلهم ضد السامية وكلهم يمكن أن يشكلوا معسكر الخصم، لابد أن نجد إسطبلاً من الاعلاميين العرب يشبه سفينه نوح، الأحصنه في هذا الاسطبل وظيفتهم أن يقولوا دائماً ما نريد، أما الحمير فهم من يصدقوننا بأننا نريد الديمقراطية، أما حظيره الخنازير الذين يقتاتون على فضلاتنا فمهمتهم كلما أعددنا مؤامره أن يقولوا أين هي المؤامرة!". منذ التسعينات الميلادية ونظرية الفوضى الخلاقة تحوم بشكل أقرب في المنطقة الشرق أوسطية لذلك كان لابد من إيجاد الأسس الفكرية والسياسية وزرعها بشكل جيد وهذا ما يفسر ضرورة خلق محاور رئيسة للبدء بتنفيذ الفوضى الخلاقة من قبل الغرب،

- المحور الأول إيجاد دولة في المنطقة لتكون الراعي الفكري من خلال إنشاء مسارات إعلامية وأكاديمية تمهد للفوضى الخلاقة، وهنا تم اختار (( ايران )) لتكون هي الدولة الراعية .

- المحور الثاني اختيار التنظيم السياسي المناسب لتنفيذ الشق الأهم وهو تنفيذ الفوضى الخلاقة، وتم اختيار ( داعش ) ليكون التنفيذ.

-المحور الثالث التهيئة الدولية إعلامياً وسياسياً لإطلاق فكرة الشرق الأوسط الجديد ونشر هذه الفكرة بين الشعوب عبر استغلال التحول الديمقراطي. وهذا ما تقوم به كل وسائل الاعلام اليوم.

اليوم وبعد أكثر من عقد من الزمن في محاولة تنفيذ مصطلح الفوضى الخلاقة يجد العرب أنفسهم أمام أزمات فكرية وسياسية وثقافية ساهم فيها "الربيع العربي" كما يسميه العرب ونظرية الشرق الأوسط الجديد كما يسميه الغرب، ولعل السؤال المهم كيف استطاع الغرب تمرير هذه الفكرة الاستعمارية، في الحقيقة إن الواقع السياسي للعالم العربي مقارنة بالغرب يعتبر محفزاً رئيساً للشعوب للمغامرة تحت أي نظرية يمكن أن تساهم في إحداث التغيير في تلك الدول، ولأن الوعي الفكري والثقافي عملية شبه مفقودة في عالمنا العربي فإنه أصبح من السهل إيهام الشعب العربي بأن شكلاً ديمقراطياً يشبه الغرب يمكن أن يقوم في المنطقة العربية بمجرد إحداث الفوضى وتغيير القيادات السياسية... وهو ما حدث بالفعل وسنتناوله بالتفصيل في الحلقات المقبلة.
 





الجمعة ٣٠ صفر ١٤٣٧ هـ   ۞۞۞  الموافق  ١١ / كانون الاول / ٢٠١٥ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب داود الجنابي نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة