شبكة ذي قار
عـاجـل










بعد ظهر يوم السبت الواقع في 12/ 12/ 2015، دعت قيادة فرع بيروت لحزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي لعقد ندوة لمناقشة كتاب ( تهافت الأصوليات الإمبراطورية، وأو شروق العصر القومي العربي ) ، للباحث حسن خليل غريب.

في مستهل الجلسة شكر الرفيق غريب قيادة الفرع على دعوتها له، كما أنه ثمَّن مشاركة الرفيقات والرفاق في فرع بيروت، بشكل أساسي في كل نشاطات الحراك الشعبي المطلبي الذي تشهده العاصمة بيروت. ودعاهم في الوقت ذاته إلى تعميق ثقافتهم الفكرية بالإضافة إلى انخراطهم في الحراك الشعبي لتتكامل بين النضالين رسالتهم الحزبية.

عرض محتويات الكتاب وأهدافه
ومن بعدها انتقل إلى عرض الهدف من وراء وضعه الكتاب المذكور، وهذا نص التقديم :

بدأ المؤ لف بتعريف المصطلحات التي يحملها عنوان الكتاب :

- تعريف التهافت : تَهَافَتَتِ الآراءُ : نَقَضَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِتِبْيَانِ ضَعْفِهَا.

- تعريف الأصوليات : الأصوليَّة : التمسُّك بكلّ اتِّجاه فكريّ أودينيّ قديم.

- الإيديولوجيا : أيديولوجي، أي مذهبي ويكون على العموم رافضاً التوصل إلى الحلول الوسطى أو العمل مع الآخرين الذين يحملون آراء مخالفة لآرائه .

- تعريف الإمبراطوري : الإمبراطورية نِظَامٌ مِنْ أنْظِمَةِ الحُكْمِ القَدِيمَةِ. وهي دولة كبيرة تشتمل على أمم وشعوب من أجناس وثقافات مختلفة، وتتكوّن بالغزو والفتح.

- تعريف الأصوليات الإمبراطورية : هي كل اتجاه فكري، سياسي أو اقتصادي أو ديني، يتمسك بعقائد سياسية أو اقتصادية أو دينية سابقة، ويعمل على تطبيقها في الزمن الحاضر عن طريق غزو دول أخرى وبسط سلطاتها عليها. وفي عصرنا العربي الراهن نواجه تحدي أصوليتين تعملان على بسط نفوذهما على الوطن العربي، وهما : الإيديولوجيا الاستعمارية الأميركية، والإيديولوجيا الدينية التي تتمثل بحركتين، وهما : حركة الإخوان المسلمين، وحركة ولاية الفقيه.

- تعريف الإيديولوجية القومية : تعني القومية أنها مجتمع طبيعي من البشر يرتبط ببعضه البعض بوحدة الأرض والأصل والعادات واللغة من جراء الاشتراك في الحياة وفي الشعور الاجتماعي وجغرافية مشتركة ومصير مشترك ومصلحة اقتصادية مادية مشتركة وثقافة مشتركة.

جئنا بهذه التعريفات لكي نقرِّب من الأفهام مقاصد الكتاب وأهدافه، ولهذا قبل الخوض ببعض التفاصيل، نورد المقارنة التالية بين الإيديولوجيا الإمبراطورية والإيديولوجيا القومية، فنجد التناقضات التالية :

- الأيديولوجيا الإمبراطورية قائمة على التوسع بالقوة على حساب الشعوب الأخرى، وهذا ما يتناقض مع التشريعات الأممية التي نصَّت عليها مواثيق الأمم المتحدة. وإذا كانت النزعة الإمبراطورية الأميركية هي الأكثر تغوُّلاً، فهذا ما يثير الاستغراب والدهشة في أن تمارس ما يتناقض مع المبادئ الأربعة عشر التي أعلنها الرئيس الأميركي وودور ولسن في العام 1918، والتي من أهمها الاعتراف بحق الشعوب بتقرير مصيرها بنفسها. وأما هذا التناقض بين ما جاء في مبادئ ولسن وما تمارسه أميركا فعائد إلى تكوين الإيديولوجيا الرأسمالية الأميركية وقد أفردنا الفصل الأول لكشف القناع عن الأصول الفكرية للطبقات الرأسمالية الحاكمة في الولايات المتحدة الأميركية.

وهنا فإن ما ينطبق على الإيديولوجيا الإمبرطورية الأميركية يصح تطبيقه على الأيديولوجيا الدينية التي تتبناها حركة اليمين الأميركي المتصهين من جهة، والإيديولوجيا التي تتبناها حركتا الإخوان المسلمين وولاية الفقيه من جهة أخرى.
وعن أهداف النزعة الإمبراطورية عند حركات الإسلام السياسي فقد أفردنا الفصل الرابع من كتابنا المذكور الذي بحثنا فيه الأصول الفكرية لهاتين الحركتين وتوصلنا منها إلى نتائج تؤكد أنهما معاً، مترابطان أم منفصلان، يعملان من أجل تقويض الفكر القومي العربي ليبنيا على أنقاضه دويلات دينية. ومن المعروف أن الدويلات الدينية مشروعات دائمة للحروب المقدسة. وهي ما أطلق عليها المشروع الأميركي الخاص بالشرق الأوسط الجديد بـ ( حدود الدم ) . وما نشاهده الآن فيما يُسمى بـ ( الربيع العربي ) لهو أكبر دليل يؤكد نتائج الأبحاث النظرية.

- أما الإيديولوجيا القومية فقائمة على أسس مبدأ حق الشعوب بتقرير مصيرها. لذلك نرى أن الإيديولوجيا القومية العربية بعيدة كل البعد عن أهداف التوسع على حساب الشعوب الأخرى. واستطراداً نقول : إن أيديولوجيا ولاية الفقيه، وكذلك أيديولوجيا حركة الإخوان المسلمين، تقوم على نهج التوسع وبناء الإمبراطوريات الدينية على حساب حدود الدول المعترف بها دولياً. ونستنتج بالتالي أن حركات الإسلام السياسي على عداء مع الفكر القومي العربي، وأن كلاً من الحركتين ضالعتان في مؤامرة تمزيق الأقطار العربية إلى دويلات دينية.

لقد كشفنا في كتابنا المذكور، وبالبحث العلمي الموضوعي، مدى خطورة المشاريع الإمبراطورية على الكيانات القومية، ويأتي الكيان القومي العربي في المقدمة منها. وكشفنا عن مدى تناقضها مع الشرائع الإنسانية والأممية.

كما أننا بإلقائنا الضوء على الأهداف القومية العربية، والبرهان على أنها الحل الوحيد الذي يكفل حقوق الشعوب، ومنها الشعب العربي، نكون بذلك قد قمنا بالبرهان على أنه ليس هناك حل لمشاكلنا القومية سوى بمحاربة كل الدعوات الأممية، وضعية كانت أم دينية. وإن الخلاص لن يتم من دون مواجهتهما معاً.

إن أهداف النزعات الإمبراطوريات تتلاقى مع بعضها البعض الآخر، وهذا ما جاءت الأحداث التي أعقبت احتلال العراق لتؤكدها، بحيث نرى العلاقات الوثيقة التي تربط الولايات المتحدة الأميركية مع النظام الإيراني من جهة، ومع حركة الإخوان المسلمين من جهة أخرى.

وأما لماذا قمنا بإعطاء عنوان للكتاب بـ ( تهافت الأصوليات الإمبراطورية ) فلأننا تأكدنا من ذلك عبر سقوط مشروع الاحتلال الأميركي للعراق بعد هزيمة جيش الاحتلال الأميركي، بحيث سقطت معها الأحلام الإمبراطورية الأميركية التي عبَّر عنها اليمين الأميركي المتطرف بـ ( نحو قرن أميركي جديد ) .

كما أثبتت الأحداث لاحقاً تهافت الأصوليتين الدينيتين، ولاية الفقيه وحركة الإخوان المسلمين، وما جرى من إسقاط لهما في تونس ومصر إلاَّ برهان على أنهما سقطا بسرعة أكثر مما كنا نتصور.

لا يعني هزيمة النزعة الإمبراطورية الأميركية، وكذلك سقوط تجربة الإخوان المسلمين في تونس ومصر نهاية للمطاف، بل إن التحالف الأصولي الإمبراطوري ما زال يراهن على أنه باستمرار الحروب الأهلية في أكثر من قطر عربي سيستعيد ألقه في النهاية ويستأنف مشروعه التقسيمي.

وفي مثل هذه الحالة، كيف تكون المواجهة؟
خصصنا الفصول الخامس والسادس والسابع لوضع تصور، موجزه التالي :

- أولاً : إعطاء الأولوية لمعركة التحرر الوطني العربي من الاحتلال المباشر، وإحباط مشاريع الاحتلال الأخرى التي تأخذ غطاء خادعاً معلناً بـ ( إسقاط الأنظمة الديكتاتورية ) .

- ثانياً : إعادة التركيز على الثقافة القومية كونها الثقافة الأم، والكشف عن زيف الدعوات الدينية السياسية وشعاراتها البراقة من خارج، والتي تحمل أهدافاً خطيرة تعمل على اجتثاث الفكر القومي العربي.

- ثالثاً : من موقف مدروس علمياً، أكدنا أن أهداف حزب البعث العربي الاشتراكي هي الأهداف التي تحمل الخلاص من كل المؤامرات التي تحاك ضد الأمة العربية. وذلك لأنه يتميز :

1 - بفكر جديد كلياً عن الأفكار السابقة فهو فكر قومي قبل أي شيء آخر يستفيد من الفكر الديني ومنه الفكر الإسلامي بكل ما له علاقة بالثوابت الإنسانية، ويرفض منه كل ما يتناقض مع تلك اثوابت.

2 - ولأنه فكر يعمل على انتزاع الحقوق القومية التي تعترف بها كل التشريعات الإنسانية والأممية،

3 - ولأنه فكر إنساني يرفض الاعتداء على حقوق الأمم الأخرى. أو أن يعمل على تحقيق مصالح أمة على أنقاض مصالح أمة أخرى.

وفي نهاية التقديم، طلب المؤلف من الحضور أن يدلوا بأسئلتهم واقتراحاتهم وتصويباتهم، واعتبر أن فصل المناقشة سيكون له أهمية قصوى في تعميق وسائل الحوار، واعتباره من أهم واجبات القارئ وحقوقه في مشاركة المؤلف، بحيث تضفي المناقشة جدية للوصول إلى أقرب ما يمكن من الحقيقة حول النتائج التي توصَّل إليها الكتاب.

وعلى هذا الأساس شارك معظم الحاضرين بحيوية في توجيه أسئلتهم، وتقديم اقتراحاتهم، وتوجيه تصويباتهم لمحتويات الكتاب.





الاثنين ٣ ربيع الاول ١٤٣٧ هـ   ۞۞۞  الموافق  ١٤ / كانون الاول / ٢٠١٥ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مكتب الثقافة والإعلام القومي - لقاءُ القُوى الوَطَنيّة والقَوميّة التَقدُّميّة الديمُقراطِيّة ضَرورة حَتميّة للخَلاص مِن حالَةِ الضَعفِ العَرَبي د. عامر الدليمي في ظل الاستهداف المنقطع النظير الذي تتعرض له أمتنا العربية في أغلب أقطارها، وفي ظل غياب أية حدود أو سقف للبشاعة التي يتم فيها تنفيذ حلقات المؤامرة، وليس آخرها محرقة رفح، والمجزرة البشعة التي يتعرض لها شعبنا العربي في فلسطين، والتي وصلت إلى إحراق الخيام بقاطنيها حيث تم استهداف النازحين قسرًا شمال غرب رفح. تلك المجزرة التي خلّفت عشرات الشهداء الذين تحولت أجسادهم إلى أشلاء، بالإضافة إلى عشرات الجرحى معظمهم من الأطفال والنساء، مع استهداف الاحتلال الصهيوني للمنظومة الصحية وإخراجها من الخدمة، كل ذلك على مرأى ومسمع من العالم أجمع العاجز عن كبح جماح جرائم العدو الصهيوني. في ظل هذا الواقع المأساوي، وعجز الأنظمة العربية عن وقف عجلة التدهور وبشاعته، يصبح من أعلى الأولويات والواجبات الحتمية، أن تلتقط القوى السياسية الوطنية والقومية زمام المبادرة، نحو بلورة مشروع يرقى إلى مستوى التحديات الوجودية الجسيمة التي تستهدف الأمة في وجودها. ويتقدم تلك الأولويات فهم الواقع الذي تمرُ به الأمة العربية في هذه الظروف وتحليلها بقدرٍ عالٍ من المسؤولية الوطنية والقومية والوقوف بواقعية وموضوعية على أسباب الانكسارات والتراجعات والاستسلام للقوى المعادية، حيث يتقدم تلك الأسباب الانقسام والتشظي العربي بسبب تناقضات ثانوية تاركين التحديات الأساسية والمصيرية تحرق الأمة وتنهي هويتها ووجودها. وفي مقدمة متطلبات تحقيق ذلك، والذي يعد من الضرورة القومية الحاسمة أن تكون هناك نظرة وفعل حقيقي جاد لتجديد الخطاب القومي العربي وتحديث مشروعه النهضوي التحرري التقدمي. ومن هنا فإن لقاء القوى السياسية المخلصة للوطن والأمة العربية، والعمل ضمن قواعد عمل مشتركة للتوصل إلى مشروع يمكِّن الأمة من مواجهة التحديات الوجودية الجسيمة التي تتعرض لها، ويعيد لها كرامتها، ويؤكد بأنها أمة جديرة بالحياة، من خلال إيجاد تفاهمات سياسية على قاعدة جماهيرية تكون أساساً لقوتها، وتستطيع من خلال ذلك وغيره التخلص من الضعف والتخلف والتقهقر الذي أصابها. إن ذلك من شأنه أن يرسم الخطوات الأولى التي تخطوها القوى الوطنية والقومية لقيادة الأمة نحو مرحلة جديدة لتكون أمة مجاهدة تسعى نحو التثوير والتنوير والتغيير والتقدم بكل جوانبه. كما وتشكِّل أساساً لإطلاق الحريات الفكرية والسياسية التي تعد الدعامة الرئيسية لمجتمع حضاري جديد، وتحقيق نهضة عروبية تقدمية ديمقراطية في الساحة السياسية كما في الساحة الفكرية. إن كل ذلك يقتضي تجاوز الحالات التي تعرضت لها من مناكفات وخصومات بينية أوصلتها إلى الاحتراب الفعلي فأضعفت نفسها، وجعلت القوى المعادية تتحكم بمصيرها. وليس أدل على ذلك ما وصلت إليه بعض الأنظمة العربية في الاستسلام والضعف أمام العدو الصهيوني، وتمدد استعماري للمشروع الفارسي في أقطار أمتنا العربية بدءاً من المشرق واندفاعاً نحو أقطارها في شمال افريقيا. إن الضرورة الوجودية والحتمية في تاريخنا الحالي تقتضي عودة التيار القومي العربي التحرري والمنظمات القومية لممارسة دورها الفعلي في الساحة العربية بقوة وثقة عالية، متحصِّنة بالإيمان المطلق بقدرها، وبمسؤوليتها التاريخية في قيادة الأمة لتحقيق أمل الجماهير في خلاصها من الاستعباد والاستبداد والهزيمة والتشظّي. ومن أولويات هذه المهمة النضالية الكبيرة هي أن ينهض المثقفون والمفكرون والكتاب العرب الذين يؤمنون برسالة الأمة كرسالة إنسانية خالدة لممارسة دورهم الريادي في بلورة الطموحات المأمولة، وتحديد معالم الطريق العملية والواقعية لتحقيقها، بعيداً عن الإنشاء أو العواطف أو التنظير العقيم. على أن مثل هذا التفاعل وتلاقح الأفكار يتطلب من الجميع العمل من أجل هذا المشروع بروح ديمقراطية متجددة، كشرط أساسي لنجاحه كي يعيد للأمة العربية مجدها وكرامتها وحقها في الحياة.
مواضيع الكاتب حسن خليل غريب نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة
مكتب الثقافة والإعلام القومي - لقاءُ القُوى الوَطَنيّة والقَوميّة التَقدُّميّة الديمُقراطِيّة ضَرورة حَتميّة للخَلاص مِن حالَةِ الضَعفِ العَرَبي د. عامر الدليمي في ظل الاستهداف المنقطع النظير الذي تتعرض له أمتنا العربية في أغلب أقطارها، وفي ظل غياب أية حدود أو سقف للبشاعة التي يتم فيها تنفيذ حلقات المؤامرة، وليس آخرها محرقة رفح، والمجزرة البشعة التي يتعرض لها شعبنا العربي في فلسطين، والتي وصلت إلى إحراق الخيام بقاطنيها حيث تم استهداف النازحين قسرًا شمال غرب رفح. تلك المجزرة التي خلّفت عشرات الشهداء الذين تحولت أجسادهم إلى أشلاء، بالإضافة إلى عشرات الجرحى معظمهم من الأطفال والنساء، مع استهداف الاحتلال الصهيوني للمنظومة الصحية وإخراجها من الخدمة، كل ذلك على مرأى ومسمع من العالم أجمع العاجز عن كبح جماح جرائم العدو الصهيوني. في ظل هذا الواقع المأساوي، وعجز الأنظمة العربية عن وقف عجلة التدهور وبشاعته، يصبح من أعلى الأولويات والواجبات الحتمية، أن تلتقط القوى السياسية الوطنية والقومية زمام المبادرة، نحو بلورة مشروع يرقى إلى مستوى التحديات الوجودية الجسيمة التي تستهدف الأمة في وجودها. ويتقدم تلك الأولويات فهم الواقع الذي تمرُ به الأمة العربية في هذه الظروف وتحليلها بقدرٍ عالٍ من المسؤولية الوطنية والقومية والوقوف بواقعية وموضوعية على أسباب الانكسارات والتراجعات والاستسلام للقوى المعادية، حيث يتقدم تلك الأسباب الانقسام والتشظي العربي بسبب تناقضات ثانوية تاركين التحديات الأساسية والمصيرية تحرق الأمة وتنهي هويتها ووجودها. وفي مقدمة متطلبات تحقيق ذلك، والذي يعد من الضرورة القومية الحاسمة أن تكون هناك نظرة وفعل حقيقي جاد لتجديد الخطاب القومي العربي وتحديث مشروعه النهضوي التحرري التقدمي. ومن هنا فإن لقاء القوى السياسية المخلصة للوطن والأمة العربية، والعمل ضمن قواعد عمل مشتركة للتوصل إلى مشروع يمكِّن الأمة من مواجهة التحديات الوجودية الجسيمة التي تتعرض لها، ويعيد لها كرامتها، ويؤكد بأنها أمة جديرة بالحياة، من خلال إيجاد تفاهمات سياسية على قاعدة جماهيرية تكون أساساً لقوتها، وتستطيع من خلال ذلك وغيره التخلص من الضعف والتخلف والتقهقر الذي أصابها. إن ذلك من شأنه أن يرسم الخطوات الأولى التي تخطوها القوى الوطنية والقومية لقيادة الأمة نحو مرحلة جديدة لتكون أمة مجاهدة تسعى نحو التثوير والتنوير والتغيير والتقدم بكل جوانبه. كما وتشكِّل أساساً لإطلاق الحريات الفكرية والسياسية التي تعد الدعامة الرئيسية لمجتمع حضاري جديد، وتحقيق نهضة عروبية تقدمية ديمقراطية في الساحة السياسية كما في الساحة الفكرية. إن كل ذلك يقتضي تجاوز الحالات التي تعرضت لها من مناكفات وخصومات بينية أوصلتها إلى الاحتراب الفعلي فأضعفت نفسها، وجعلت القوى المعادية تتحكم بمصيرها. وليس أدل على ذلك ما وصلت إليه بعض الأنظمة العربية في الاستسلام والضعف أمام العدو الصهيوني، وتمدد استعماري للمشروع الفارسي في أقطار أمتنا العربية بدءاً من المشرق واندفاعاً نحو أقطارها في شمال افريقيا. إن الضرورة الوجودية والحتمية في تاريخنا الحالي تقتضي عودة التيار القومي العربي التحرري والمنظمات القومية لممارسة دورها الفعلي في الساحة العربية بقوة وثقة عالية، متحصِّنة بالإيمان المطلق بقدرها، وبمسؤوليتها التاريخية في قيادة الأمة لتحقيق أمل الجماهير في خلاصها من الاستعباد والاستبداد والهزيمة والتشظّي. ومن أولويات هذه المهمة النضالية الكبيرة هي أن ينهض المثقفون والمفكرون والكتاب العرب الذين يؤمنون برسالة الأمة كرسالة إنسانية خالدة لممارسة دورهم الريادي في بلورة الطموحات المأمولة، وتحديد معالم الطريق العملية والواقعية لتحقيقها، بعيداً عن الإنشاء أو العواطف أو التنظير العقيم. على أن مثل هذا التفاعل وتلاقح الأفكار يتطلب من الجميع العمل من أجل هذا المشروع بروح ديمقراطية متجددة، كشرط أساسي لنجاحه كي يعيد للأمة العربية مجدها وكرامتها وحقها في الحياة.