شبكة ذي قار
عـاجـل










أن احد اهم جوانب حرب كيبور عام ١٩٧٣ هي انها قد رسمت وبشكل مفاجئ طريقا لعبور الغطرسة الإسرائيلية المهووسة الى الحزن والكآبة واللامبالاة.

فبعد نصرهم العسكري المتميز عام ١٩٧٣، طور الإسرائيليون موقفا متعجرفا وغير محترم أزاء العرب وقدراتهم العسكرية.وقد تنبأت المخابرات الإسرائيلية بأن الجيوش العربية تحتاج لسنوات لتتعافى.لكن لم يتصور العسكريون الإسرائيليون ان الجندي العربي لدية القدرة على مزيد من القتال بل والأكثر ، القدرة على الانتصار.

ففي يوم السادس من أكتوبر ١٩٧٣، تلقى الإسرائيليون مفاجأة ساحقة.هذه المرة، كان الجندي العربي مختلفا جدا.خلال ساعات، بدت الاستراتيجية الإسرائيلية المعتمدة على التفوق الجوي وعلى المناورات الأرضية السريعة المدعومة بالدبابات غير فعالة.فقد استطاعت مصر وسوريه واعتمادا على الصواريخ الجديدة المضادة للدبابات الى تفتيت قوة إسرائيل.وهو الامر الذي أدخل اليأس الى نفوس قادتها السياسيين وقيادتها العسكرية العليا.بالرغم من ان هذا الحدث ليس أمرا نادرا في التاريخ اليهودي.

ان الفضيحة العسكرية الإسرائيلية خلال المرحلة الأولى من الحرب كانت تكرار لملازمة مأساوية قديمة قدم اليهود انفسهم.هذه السيناريوهات المتكررة للكبرياء اللامتناهي للجماعة اليهودية المدفوعة بقوة شعور الاستثثناء او ) الشعب المختار ( هي التي أعطت نتائج مخيفة.وهذا ما اسميه “بمتلازمة يوم خيبر”.

في سنوات العشرين في برلين ، كانت النخبة اليهودية تتفاخر بسلطتها.وكان بعض اليهود مقتنعين بأن المانيا وعاصمتها هو مكان لعبهما.في ذلك الوقت كان بعض اليهود يهيمنون على القطاع البنكي ويؤثرون على السياسة والاعلام الألماني.في حين ان مدرسة فرانكفورت ومدارس فكر يهودية أخرى كرست اعمالها وبشكل علني على اقتلاع الثقافة الألمانية باسم التقدم والمنهج النفسي والايروتيزم والظاهراتية والثقافة الماركسية.وفيما بعد ، فجأة ومن لا مكان ظهرت مشاعر هائلة ضد اليهود وباقي ما حصل معروف.

لكن هل كان هناك حقا تغيير في الوعي الألماني بشك مفاجئ ؟ هل لمعاداة السامية في سنوات الثلاثينيات ان تكون مفاجئة؟ لا ابدا.كل الإشارات كانت موجودة منذ وقت.في الحقيقة، ان أوائل الصهاينة مثل ” هرتزل” و “نوردو” قد تنبئا وكانا على صواب بصعودها الحتمي في اوربا خلال القرن التاسع عشر.انها متلازمة يوم خيبر، نفس العجرفة اللامتناهية التي منعت النخبة اليهودية في برلين من تقييم المعارضة المتزايدة حولها.

ما نراه اليوم في إسرائيل هو بالطبع ظاهرة مأساوية لنفس متلازمة خيبر.مرة أخرى، اخذ الإسرائيليون على حين غرة.مرة أخرى حلت كآبة الحزن محل جنون القوة المهووسة.مرة اخري لم يتمكن الإسرائيليون من تقدير قدرات حماس العسكرية.لم يعرفوا كمية يأس العرب الإسرائيليين وقبول احتمالية تحول مشاعر اليأس الى قتال ومعارك شوارع وحتى الى حرب أهلية.لقد أستسلم الإسرائيليون الى الفكرة الجنونية من ان القضية الفلسطينية قد تبخرت.لقد اقتنعوا ان قمع حركة المقاطعة BDS وتجويع الغزاويين قد فكك امال الفلسطينيين.ومع ذلك، فأن حماس نجحت في حصد الانتصار الأهم بتوحيد الفلسطينيين في فلسطين وفي المخيمات وفي الخارج جنبا الى جنب مع المسلمين في انحاء العالم.هذه الوحدة المهمة حصلت في وقت تنقسم فيه اسرائيل وتتجه لخامس انتخابات.

من جديد ، تفسح العجرفة الاسرائيلية المكان لحزن عميق.يمكن لإسرائيل ان تطرح بعض الأسئلة الضرورية : ما الذي نقوم به من امر سيء؟ لماذا يتكرر تاريخنا؟ هل هناك من شيء يمكننا به ان نغير قدرنا؟ بدل ان تقوم إسرائيل بعمل هذا الحساب ، فإنها في الحقيقة تقوم بعمل العكس.وبدل من تشريح الازمة الحالية بضوء الاحداث المشابهة في الماضي، تكرر إسرائيل نفس الأخطاء.انها تصف الازمة الحالية “بموجة عنف جديدة ” وتدرس الاحتماليات الاستراتيجية والتكتيكية التي تسمح لها “بفرض وقف اطلاق للنار مع حماس”.إسرائيل تضارب إسرائيل باقتراف المجازر لكي تجبر العرب على الخنوع.

تعرف إسرائيل نفسها كدولة يهودية وهذا بالطبع سبب اخطائها المأساوية.واذا كان يوم خيبر هو يوم يهودي للحساب، فأن متلازمة يوم خيبر هي النتيجة المباشرة لعدم القدرة الكاملة على التفكير حول الانا.مع ذلك، الا يمكن ان نتساءل هل بإمكان اليهودي ان يتحرر من قدره اليهودي ومن متلازمة خيبر بالأخص؟ اعتقد مثل الصهيوني الأول برنار لازار ، انه يجب الابتعاد فقط عن الاستثنائية التي لن تبق لليهودي شيئا كبيرا سوى الهوية المعاصرة.

هنا نمس الجانب الوجودي الأكثر عصفا لمتلازمة يوم خيبر، ليس هناك مخارج ايدلوجية جماعية لليهودي.نحن بالأساس نواجه مآزق ثقافية وروحية.

شخصيا، ارى ان المخرج الوحيد من متلازمة يوم خيبر هو مخرج فردي : المنفى الاختياري.مغادرة الغيتو ليلا، تسلق الجدار، او حفر نفق تحت الجدار العازل.بمجرد وصولك الى ارض الحرية، أنطلق بهدوء وتواضع بحثا عن الانسان وعن الكون.

جيلعاد ازمون
ترجمة عن الفرنسية





الاثنين ١٢ شــوال ١٤٤٢ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٢٤ / أيــار / ٢٠٢١ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مكتب الثقافة والإعلام القومي - لقاءُ القُوى الوَطَنيّة والقَوميّة التَقدُّميّة الديمُقراطِيّة ضَرورة حَتميّة للخَلاص مِن حالَةِ الضَعفِ العَرَبي د. عامر الدليمي في ظل الاستهداف المنقطع النظير الذي تتعرض له أمتنا العربية في أغلب أقطارها، وفي ظل غياب أية حدود أو سقف للبشاعة التي يتم فيها تنفيذ حلقات المؤامرة، وليس آخرها محرقة رفح، والمجزرة البشعة التي يتعرض لها شعبنا العربي في فلسطين، والتي وصلت إلى إحراق الخيام بقاطنيها حيث تم استهداف النازحين قسرًا شمال غرب رفح. تلك المجزرة التي خلّفت عشرات الشهداء الذين تحولت أجسادهم إلى أشلاء، بالإضافة إلى عشرات الجرحى معظمهم من الأطفال والنساء، مع استهداف الاحتلال الصهيوني للمنظومة الصحية وإخراجها من الخدمة، كل ذلك على مرأى ومسمع من العالم أجمع العاجز عن كبح جماح جرائم العدو الصهيوني. في ظل هذا الواقع المأساوي، وعجز الأنظمة العربية عن وقف عجلة التدهور وبشاعته، يصبح من أعلى الأولويات والواجبات الحتمية، أن تلتقط القوى السياسية الوطنية والقومية زمام المبادرة، نحو بلورة مشروع يرقى إلى مستوى التحديات الوجودية الجسيمة التي تستهدف الأمة في وجودها. ويتقدم تلك الأولويات فهم الواقع الذي تمرُ به الأمة العربية في هذه الظروف وتحليلها بقدرٍ عالٍ من المسؤولية الوطنية والقومية والوقوف بواقعية وموضوعية على أسباب الانكسارات والتراجعات والاستسلام للقوى المعادية، حيث يتقدم تلك الأسباب الانقسام والتشظي العربي بسبب تناقضات ثانوية تاركين التحديات الأساسية والمصيرية تحرق الأمة وتنهي هويتها ووجودها. وفي مقدمة متطلبات تحقيق ذلك، والذي يعد من الضرورة القومية الحاسمة أن تكون هناك نظرة وفعل حقيقي جاد لتجديد الخطاب القومي العربي وتحديث مشروعه النهضوي التحرري التقدمي. ومن هنا فإن لقاء القوى السياسية المخلصة للوطن والأمة العربية، والعمل ضمن قواعد عمل مشتركة للتوصل إلى مشروع يمكِّن الأمة من مواجهة التحديات الوجودية الجسيمة التي تتعرض لها، ويعيد لها كرامتها، ويؤكد بأنها أمة جديرة بالحياة، من خلال إيجاد تفاهمات سياسية على قاعدة جماهيرية تكون أساساً لقوتها، وتستطيع من خلال ذلك وغيره التخلص من الضعف والتخلف والتقهقر الذي أصابها. إن ذلك من شأنه أن يرسم الخطوات الأولى التي تخطوها القوى الوطنية والقومية لقيادة الأمة نحو مرحلة جديدة لتكون أمة مجاهدة تسعى نحو التثوير والتنوير والتغيير والتقدم بكل جوانبه. كما وتشكِّل أساساً لإطلاق الحريات الفكرية والسياسية التي تعد الدعامة الرئيسية لمجتمع حضاري جديد، وتحقيق نهضة عروبية تقدمية ديمقراطية في الساحة السياسية كما في الساحة الفكرية. إن كل ذلك يقتضي تجاوز الحالات التي تعرضت لها من مناكفات وخصومات بينية أوصلتها إلى الاحتراب الفعلي فأضعفت نفسها، وجعلت القوى المعادية تتحكم بمصيرها. وليس أدل على ذلك ما وصلت إليه بعض الأنظمة العربية في الاستسلام والضعف أمام العدو الصهيوني، وتمدد استعماري للمشروع الفارسي في أقطار أمتنا العربية بدءاً من المشرق واندفاعاً نحو أقطارها في شمال افريقيا. إن الضرورة الوجودية والحتمية في تاريخنا الحالي تقتضي عودة التيار القومي العربي التحرري والمنظمات القومية لممارسة دورها الفعلي في الساحة العربية بقوة وثقة عالية، متحصِّنة بالإيمان المطلق بقدرها، وبمسؤوليتها التاريخية في قيادة الأمة لتحقيق أمل الجماهير في خلاصها من الاستعباد والاستبداد والهزيمة والتشظّي. ومن أولويات هذه المهمة النضالية الكبيرة هي أن ينهض المثقفون والمفكرون والكتاب العرب الذين يؤمنون برسالة الأمة كرسالة إنسانية خالدة لممارسة دورهم الريادي في بلورة الطموحات المأمولة، وتحديد معالم الطريق العملية والواقعية لتحقيقها، بعيداً عن الإنشاء أو العواطف أو التنظير العقيم. على أن مثل هذا التفاعل وتلاقح الأفكار يتطلب من الجميع العمل من أجل هذا المشروع بروح ديمقراطية متجددة، كشرط أساسي لنجاحه كي يعيد للأمة العربية مجدها وكرامتها وحقها في الحياة.
مواضيع الكاتب ولاء سعيد السامرائي نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة
مكتب الثقافة والإعلام القومي - لقاءُ القُوى الوَطَنيّة والقَوميّة التَقدُّميّة الديمُقراطِيّة ضَرورة حَتميّة للخَلاص مِن حالَةِ الضَعفِ العَرَبي د. عامر الدليمي في ظل الاستهداف المنقطع النظير الذي تتعرض له أمتنا العربية في أغلب أقطارها، وفي ظل غياب أية حدود أو سقف للبشاعة التي يتم فيها تنفيذ حلقات المؤامرة، وليس آخرها محرقة رفح، والمجزرة البشعة التي يتعرض لها شعبنا العربي في فلسطين، والتي وصلت إلى إحراق الخيام بقاطنيها حيث تم استهداف النازحين قسرًا شمال غرب رفح. تلك المجزرة التي خلّفت عشرات الشهداء الذين تحولت أجسادهم إلى أشلاء، بالإضافة إلى عشرات الجرحى معظمهم من الأطفال والنساء، مع استهداف الاحتلال الصهيوني للمنظومة الصحية وإخراجها من الخدمة، كل ذلك على مرأى ومسمع من العالم أجمع العاجز عن كبح جماح جرائم العدو الصهيوني. في ظل هذا الواقع المأساوي، وعجز الأنظمة العربية عن وقف عجلة التدهور وبشاعته، يصبح من أعلى الأولويات والواجبات الحتمية، أن تلتقط القوى السياسية الوطنية والقومية زمام المبادرة، نحو بلورة مشروع يرقى إلى مستوى التحديات الوجودية الجسيمة التي تستهدف الأمة في وجودها. ويتقدم تلك الأولويات فهم الواقع الذي تمرُ به الأمة العربية في هذه الظروف وتحليلها بقدرٍ عالٍ من المسؤولية الوطنية والقومية والوقوف بواقعية وموضوعية على أسباب الانكسارات والتراجعات والاستسلام للقوى المعادية، حيث يتقدم تلك الأسباب الانقسام والتشظي العربي بسبب تناقضات ثانوية تاركين التحديات الأساسية والمصيرية تحرق الأمة وتنهي هويتها ووجودها. وفي مقدمة متطلبات تحقيق ذلك، والذي يعد من الضرورة القومية الحاسمة أن تكون هناك نظرة وفعل حقيقي جاد لتجديد الخطاب القومي العربي وتحديث مشروعه النهضوي التحرري التقدمي. ومن هنا فإن لقاء القوى السياسية المخلصة للوطن والأمة العربية، والعمل ضمن قواعد عمل مشتركة للتوصل إلى مشروع يمكِّن الأمة من مواجهة التحديات الوجودية الجسيمة التي تتعرض لها، ويعيد لها كرامتها، ويؤكد بأنها أمة جديرة بالحياة، من خلال إيجاد تفاهمات سياسية على قاعدة جماهيرية تكون أساساً لقوتها، وتستطيع من خلال ذلك وغيره التخلص من الضعف والتخلف والتقهقر الذي أصابها. إن ذلك من شأنه أن يرسم الخطوات الأولى التي تخطوها القوى الوطنية والقومية لقيادة الأمة نحو مرحلة جديدة لتكون أمة مجاهدة تسعى نحو التثوير والتنوير والتغيير والتقدم بكل جوانبه. كما وتشكِّل أساساً لإطلاق الحريات الفكرية والسياسية التي تعد الدعامة الرئيسية لمجتمع حضاري جديد، وتحقيق نهضة عروبية تقدمية ديمقراطية في الساحة السياسية كما في الساحة الفكرية. إن كل ذلك يقتضي تجاوز الحالات التي تعرضت لها من مناكفات وخصومات بينية أوصلتها إلى الاحتراب الفعلي فأضعفت نفسها، وجعلت القوى المعادية تتحكم بمصيرها. وليس أدل على ذلك ما وصلت إليه بعض الأنظمة العربية في الاستسلام والضعف أمام العدو الصهيوني، وتمدد استعماري للمشروع الفارسي في أقطار أمتنا العربية بدءاً من المشرق واندفاعاً نحو أقطارها في شمال افريقيا. إن الضرورة الوجودية والحتمية في تاريخنا الحالي تقتضي عودة التيار القومي العربي التحرري والمنظمات القومية لممارسة دورها الفعلي في الساحة العربية بقوة وثقة عالية، متحصِّنة بالإيمان المطلق بقدرها، وبمسؤوليتها التاريخية في قيادة الأمة لتحقيق أمل الجماهير في خلاصها من الاستعباد والاستبداد والهزيمة والتشظّي. ومن أولويات هذه المهمة النضالية الكبيرة هي أن ينهض المثقفون والمفكرون والكتاب العرب الذين يؤمنون برسالة الأمة كرسالة إنسانية خالدة لممارسة دورهم الريادي في بلورة الطموحات المأمولة، وتحديد معالم الطريق العملية والواقعية لتحقيقها، بعيداً عن الإنشاء أو العواطف أو التنظير العقيم. على أن مثل هذا التفاعل وتلاقح الأفكار يتطلب من الجميع العمل من أجل هذا المشروع بروح ديمقراطية متجددة، كشرط أساسي لنجاحه كي يعيد للأمة العربية مجدها وكرامتها وحقها في الحياة.