شبكة ذي قار
عـاجـل













ان النهج السياسي الذي باتت تستخدمه الولايات المتحدة الامريكية تجاه دول العالم، من الحليفة والصديقة ومن المعادية لها على السواء، لم يعد مجرّد "سياسة" بل بات مقترنا بمواقف وإجراءات عسكرية، أو على الأقل التهديد بذلك، وبما تسمّيه –على غرار ما يجري في مدرسة ابتدائية- بالعقوبات، الاقتصادية والمالية، ولم يعد يوضع ما "تريده أمريكا" موضع نقاش وتفاوض، بل يراد تنفيذه بأسلوب الإملاء تحت طائلة التهديد، وعندما يقترن ذلك باحتكار القوة العسكرية وتقنياتها الحديثة، والسيطرة على قسط كبير من موارد الثروة البشرية واستغلالها وتوزيعها، لا بد من التساؤل إلى أين يمكن أن يوصل هذا التطوّر الخطير في حياة البشرية في المستقبل المنظور؟ وما مدى تاثير ذلك على الوطن العربي حاضرا ومستقبلنا.؟. الأسلوب الاستعلائي المتعجرف، وسياسات الإملاء المباشر على الآخرين، والوصول بذلك الآن إلى مستوى استخدام السلاح أو التهديد باستخدامه ضدّ أيّ دولة لا تنصاع للهيمنة الأمريكية العلنية، جميع ذلك ليس وليد الساعة، ولا يصحّ تبسيطه بتصويره وكأنّه نتيجة مباشرة للتفجيرات في ايلول عام 2001م، إنّما هو حلقة في سلسلة طويلة تشمل مختلف الميادين الفكرية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، وتتميّز في الحقبة الراهنة بسرعة توسيع نطاقها جغرافيا بما يتّفق مع سرعة انتشار "العولمة" وأمركتها، وتصعيد مضمونها نوعيا بما يتّفق وسرعة تطوّر مفعول التقنيات الحديثة وتسخيرها لخدمة الآلة العسكرية –في مختلف الميادين- أي بما يخدم رغبات من يسيطر عليها ومطامعهم على مستوى عالمي. لقد سقط البعد الأخلاقي الذي تدعيه السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط سواء في فلسطين أو لبنان أو العراق أو أفغانستان أو السودان والصومال .. الخ .


ففرية شرق أوسط جديد ينعم بالأمن والاستقرار والسلام والتنمية والحرية والديمقراطية تسعى إليه السياسة الخارجية الأمريكية ما هو إلا شعار زائف يغطي على الأهداف الحقيقية التي ترمي وتسعى إليها السياسة الخارجية الأمريكية فماذا فعلت الديمقراطية الزائفة في العراق وشعبه الذي يعاني من هول ذلك.


إن الولايات المتحدة لا تؤمن بالصداقات إنما تؤمن بالمصالح ، ولا تحترم الأخلاق أو القانون الدولي ، وإنما تؤمن بالقوة وتقدسها ، إن السياسة الخارجية الأمريكية تهدف إلى تأمين سيطرة الولايات المتحدة على منطقة الشرق الأوسط لذاتها ولما تمثله تجاه العالم أجمع ، لذاتها لما تحويه من خزان للطاقة ولما لموقعها من أهمية استراتيجية ، فإن إحكام قبضة الولايات المتحدة على مصادر الطاقة فيه سوف يمكنها من التحكم في إمدادات الطاقة اللازمة لجميع اقتصاديات الدول المنافسة لها وخصوصاً الصين واليابان وأوروبا كقوى اقتصادية منافسة لها على المستوى العالمي ، ذلك ما سيمكن الولايات المتحدة أن تجنب نفسها مستقبلاً الدخول في مواجهات اقتصادية وسياسية وربما عسكرية مباشرة مع تلك القوى الدولية التي تتحدى أحاديتها القطبية فذلك يؤّمن لها إبقائها تحت رحمة تحكمها في خزان الطاقة العالمي في الشرق الأوسط ، وإبقاء تلك القوى في مستوى متدني عن تهديد سيطرتها الأحادية على الكون أجمع. لذلك تسعى الولايات المتحدة من خلال سياستها التي تبدو مضطربة في الشرق الأوسط إلى إدامة قضاياه ومشاكله وأزماته ذلك ما يوفر لها الظرف المناسب لإحكام سيطرتها عليه والإبقاء على تدخلها السافر في شؤونه العامة الداخلية والخارجية. وبعد أن انتهت الولايات المتحدة الأمريكية من الشرق الآوروبي، وتقسيم يوغسلافيا التي كانت قبل سنوات تحولت الان الى : صربيا ، كرواتيا ، البوسنة ، سلوفينيا ، مقدونيا ، الجبل الاسود ، و كوسوفو ، توجهت بأنظارها الى العالم العربي لتنهي كل الأنظمة الراديكالية التي نشأت في ظل الحرب الباردة والتي كانت ممالئة للإتحاد السوفياتي. وتكلست تلك الأنظمة العربية التقليدية ( الجمهورية) والتي كانت تلبس عباءة الملكية حول كراسي السلطة . وكانت تهدف امريكا الى تقسيم العالم العربي الذي كان مقسماً طولياً وعرضياً اصلاً لتقسمه الى مربعات كيانات عرقية وطائفية على ضوء الرؤية الأمريكية ك(كورقة المربعات). وسربت خرائط جديدة للعالم العربي تشمل كل التجمعات العربية الكبيرة كالعراق وسوريا ومصر والسعودية وذلك لإعادة تقسيمه وتقطيعه ليتوائم مع مصلحتها ومصلحة الكيان الصهيوني وليتقارب مع حجمه ولكي تظل هذه الكيانات العربية المتشرذمة تحت سوطه ورقابها تحت الوصاية الامريكية التي تفرض السكين على رقاب هذه الكيانات الهزيله . استخدمت في ذلك سلاح التبشير ب(الديمقراطية) التي يفتقر اليها عالمنا العربي . وكانت البداية من العراق وذلك باستخدام القوة الخشنة والحرب الضروس في تحد للقرارات الدولية يساندها بعض من أذنابها في اوروبا (ما يسمى بحلف الناتو) وبعض القوى الإقليمية المجاورة الطامعة. فألقت بحممها على الشعب العراقي أطنانا من القذائف واستخدمت آخر ما توصلت اليه من تقنية حربية وأذاقت الشعب العراقي صنوفاً متعددة من الويلات والمصائب والتهجير، وأحرقت الأخضر واليابس، واستطاعت التخلص من الحكم الوطني في العراق الذي اختار المواجهة رغماً عنه . وأدارت أمريكا البلاد بأسلوب وعقيدة أدت الى تقسيمه ديمغرافياً عرقياً طائفياً، مما سيؤدي في النهاية الى تقسيم العراق جيو سياسياً الى ثلاثة كيانات على اساس عرقي وطائفي. متبعة نفس اسلوبها في الشرق الآوروبي. وكان يفترض في الخطة الأمريكية أن تتجه الى سوريا للإطاحة بالنظام الحاكم والعمل على تقسيم سوريا على غرار العراق وذلك بعد انتهاء مهمتها في العراق، ولكن حدث ما لم يكن بالحسبان، ولم تكن الحسابات والتوقعات دقيقة، ف(قوبلت بمقاومة عراقية عنيفة للإحتلال) من شرفاء العراق القومي العربي. وبدأ الإقتصاد الأمريكي ينهار ويتآكل. واستطاعت كل هذه العوامل كبح جماحها عن اكمال خطتها باتجاه سوريا باستخدام القوى الخشنة للتغيير. وبعد حساب الأرباح والخسائر في ميزانية الحرب على العراق وجدت الولايات المتحدة أن خسائرها من الحرب تفوق ارباحها بكثير ، فبعد أن كانت تدير عملية الإحتواء المزدوج بين العراق وإيران بحرب ذاتية بين القوتين بصفتهما قوتين رئيسيتين بالمنطقة على بحر من النفط، تمردت عليها ايران في ظل الإلتهاء عنها ابان ادارة الحرب على العراق، وأعادت بناء قوتها وأخذت تقاسمها النفوذ بالمنطقة وتؤثر على سيادتها وقراراتها وتلوي ذراعها لتستعيد دور الشرطي بالمنطقة. حيث أتاحت لها دخول الساحة العراقية من أبواب واسعة تتحكم ب(الحكومة العراقية الكارتونية) وتفرض عليها شروطها.وصارت واشنطن تسترضي ايران على حساب حلفائها في اطار نظرية (المصالح والنفوذ وتبادل المنافع). لقد أثبتت الوقائع وتصريحات المسؤولين الإيرانيين أنهم شركاء فاعلين في احتلال العراق وأن علاقاتهم مع الولايات المتحدة وبريطانيا مؤسساتياً أقوى وأعمق من كل ما تتصور أطراف إقليمية فاعلة، ونشير هنا إلى ملاحظة مهمة توضح نوع العلاقة (الاستراتيجية) بين أمريكا وإيران وهي العلاقة التي جعلت من إيران تعيد بناء كل قدراتها العسكرية وبالذات إنجاز المفاعلات النووية تحت مرأى ومسمع المسؤولين الأمريكيين ولم تحرك الإدارات الأمريكية ساكناً لمنع النظام الإيراني من إكمال كل مشاريعه العسكرية إلى أن وصلت المرحلة الخطيرة التي تمكنت فيها إيران من تخصيب اليورانيوم، بشكل أصبح الرجوع فيه عن مشروعها النووي شبه مستحيل، وعلى صعيد الساحة العراقية فقد استباحت إيران عسكرياً واستخبارياً مساحات واسعة من العراق منذ احتلاله تحت مرأى ومسمع القوات الأمريكية التي تعد المسؤولة الأولى بموجب قرارات مجلس الأمن عن حماية كل أراضي العراق ومواطنيه.


إن المتابعة الدقيقة لأحداث السنوات القريبة الماضية تبين أن حجم التوافق بين المصالح الأمريكية والإيرانية في العراق (وما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط) أكبر بكثير من حجم التناقض بينهما لذا لا يتوقع الباحث أن تسير العلاقة في منحنى صراعي بل إن المسار التعاوني هو الذي سيحكم مستقبل تلك العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران حيث يتبادل الطرفان حالات الاستقواء، ويتقاسمان المصالح والغنائم على حساب القوى الإقليمية والعربية الأخرى.


وإذا كانت المصالح الإيرانية تتلخص بإيجاد متكئٍ مذهبي يحمي تواجدها الآمن في العتبات الشيعية المقدسة – فإيران دولة لن تخرج من شرنقتها الشيعية – كما يحمي أوراق القوة الضاغطة على دول الجوار العربي، ويعطيها امتيازات للمساومة السياسية مع الدول الغربية ذات المصالح في العراق وغيره من أقطار الخليج العربي وإماراته، فإن المصالح الأمريكية واضحة خاصة في أبعادها الاستراتيجية (نفطا وفرضا لنمط الحياة الأمريكي ومحاربة ما تسمية الإرهاب) وعلى وقع استمرار ذلك التوافق في المصالح الأمريكية والإيرانية تستمر العلاقة في حدود سقفها وحدها الأعلى وهو أن تكون المعادلة التي تحكم ذلك الصراع – تجاوزا – مكسبا ، مع محاولات الولايات المتحدة المستمرة لخفض سقف التوقعات وحتى الطموحات الإيرانية للدور الذي يمكن أن تلعبه في تلك الدائرة الواسعة لما تسميه الولايات المتحدة الشرق الأوسط الكبير، وبالعودة الى مايحدث الان على الساحة العربية من ثورات واحتجاجات وتظاهرات نقول ان ( تصنيع ) مثل هذه الثورات تم لاول مرة في (يوغسلافيا) حيث تم تاسيس جماعة انفصالية بقيادة ( براينمير لينكوفيتش) وعندما انتهى من مهمتة عثر علية مقتولا في زوايا أحد الشوارع ، ومن خلف هذه الثورة والجماعة أهم مراكز الاستخبارات الامريكية ومن اجل تصنيع هذه الثورات فانها أرتات أستخدام الانتفاضة السلمية في الدول التي رغبت باشعال الثورات فيها. التنظيم الذي هدم يوغسلافيا قاده ( السفير الامريكي ريتشارد يليز ) وقيادة هذا التنظيم تم تدريبهم من قبل جنرلات متقاعدة في المخابرات الامريكية. وهؤلاء اخذوا فكرة المعارضة البرئية من رجل البنتاغون( جيني شارب) والذي كان يتبنى فكرة ( ان المظاهرات السلمية الخالية من العنف هي التي ستؤدي الى النتائج المرجوه).

 

وفي واحد من اهم المراكز التابعة للمخابرات الامريكية ويسمى (كانفاس) وهو متخصص بالثورات السلمية ،كان يعمل على تأهيل معارضون سلميون لثورات سلمية تصب في مصلحة الولايات المتحدة .هذا المركز كان مقره في بلغراد وكان على راس من تدرب هناك أغنى متمردي العالم (أيفان مارفيتش)و(سيردجايوموفيتش) الذين كانا العقل المدبر للمعارضة في مصر وتونس وليبيا وسوريا، وكانوا يدربونهم على وسائل ومراحل التاثير في التظاهرات ومراحل اسقاط الانظمة من خلال الثورات السلمية. الثورات التي شهدتها الساحة العربية تم تدريب قياداتها في مراكز مثل( هوتفورد وكانفاس) حيث تم تدريب نحبة من الشباب في امريكا (هوتفورد) عام 2008 وفي بلغراد ( كانفاس ) عام 2009 .حيث تم تدريبهم على كيفية ادارة العصيان المدني غير المسلح السلمي ،وعن كيفية استغلال صلاة الجمعة واقامتها في الشوارع ، وعن كيفية الالتفاف بالاعلام ، وبعدها تنظيف الشوارع من اجل ابراز مدى سلمية تلك المتظاهرات والاعتصامات . وحتى لا نبخس حق الشعب العربي الثائر على الانظمة الاستبدادية التي اذاقته شتى انواع العذاب والذل ، ولكن التساؤل المطروح هنا ،في جميع تلك التظاهرات لم نجد أي شعار معادي للامبريالية أو الصهيونية أو الغرب.؟

 

مثلما لانجد اي شعارات ضد التدخل الامريكي أو حلف الناتو في الشرق الاوسط .؟ كما لاتوجد أي دلالة من هذه في اللافتات التي رفعت في تلك المظاهرات ، وظل شعار واحد هو السائد والذي يقول( الشعب يريد اسقاط النظام)، نعم المنطق والعقل الثوري العربي مع الثورات الصادقة في انقاذ الجماهير من ظلم الانظمة الحاكمة ،ولكن لايمكن باي حال من الاحوال الركون الى المخططات التي ترسم حركة هذه الاحتجاجات او الثوارات ، من منطلق ( اذا انت لم تأت للديمقراطية –فالديمقراطية هي التي ستأتي اليك) ، الشباب الذي ملؤا الساحات كان تجمعهم على ( الفيس بوك ) وصفحات الانترنت والتي تتحكم بها جهات ماوراء الحدود معروف ارتباطات القائمين على تلك الصفحات ، فبعد ان تلقوا المتدربون في مركز (كانفاس) على مختلف الاعمال والافعال وحتى الالوان الملابس التي كانت تلبس من قبل شبان وشابات الاعتصامات والتظاهرات ، استطاعوا ان يجمعوا حشود من الناس من اجل بلوغ الهدف الذي حدد مسبقا في دهاليز تلك المراكز ، ومع انجلاء غبار التظاهرات والاعتصامات اصبح جميع من كان محرضا لهذه المظاهرات ( اصبحوا من الاغنياء) والمشكك عليه المتابعه. وللحديث بقية
 

 

 





الاحد٠٨ محــرم ١٤٣٣ هـ   ۞۞۞  الموافق ٠٤ / كانون الاول / ٢٠١١م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب داود الجنابي نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة