شبكة ذي قار
عـاجـل













تعرض العراقُ خلال القرن المنصرم للعديد من النكبات والمصائب، والأزمنة المظلمة، عانى خلالها العراق أرضاً وشعباً ويلات القتل والتدمير والظلم والقهر.

فما تعرض له العراق في فترة حكم عبد الكريم قاسم في ستينات القرن المنصرم مشابه تماماً لما أصاب العراق بعد ٢٠٠٣، إن اختلفت المسميات والشخوص والأهداف، وكلا الفترتين تتشابهان بالتسلط والقتل والظلم، ففي زمن حكم عبد الكريم قاسم تعرض الشعب العراقي إلى التضييق وتسلط الأجهزة الأمنية التابعة للنظام، كما تعرض حزب البعث العربي إلى حملات شرسة من قبل الأجهزة الأمنية القاسمية شملت مداهمة أوكاره واعتقال العديد من كوادره وأعضائه مع أنه ليس حزباً ممنوعاً في العراق.

كان زمن عبد لكريم قاسم يتسم بالتخبط والفردية والجرائم التي ارتكبها ومنها إعدام القادة والوطنيين، وأعمال العنف التي قامت بها المليشيات الشيوعية المتحالفة مع قاسم، ودعمه لقُوى الانفصال في سوريا التي كانت تخطط للقيام بانقلاب لغرض انفصال الشطر السوري الذي كان متوحداً مع مصر في إطار الجمهورية العربية المتحدة.

لقد أثارت تصرفات وأعمال نظام عبد الكريم قاسم السخط العارم لدى الشعب العراقي ومنها محاولة عبد الكريم قاسم وحكومته وحلفائه من الشيوعيين إلى إبعاد جميع الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في الشارع عن الواجهة السياسية بتلفيق التهم لها أو إبعادها عن المسرح السياسي بنقلها إلى وحدات عسكرية بعيدة عن بغداد كما حدث لقادة تنظيم الضباط الوطنيين.

وكان عبد الكريم قاسم قد فسح المجال للحزب الشيوعي وميليشياته بالعبث بأمن الدولة والمواطنين وتمكينهم من المناصب الهامة في الوزارة والجيش ومستشاريه لآخر يوم في نظام حكمه، وقامت المليشيات الشيوعية المسماة بالمقاومة الشعبية بارتكاب أعمال عنف مؤسفة كقتل وتعذيب معارضيهم بالشوارع وتعليق الكثيرين منهم على أعمدة الكهرباء، والقيام بمداهمة واحتلال المنازل والمؤسسات الحكومية والمعسكرات والعبث بها بمساعدة العامة من الدهماء كما حدث من مجازر وتجاوزات على حقوق الإنسان في الموصل وكركوك.

كما لعبوا بسياسة الدولة الداخلية والخارجية ومنعوا أي تقارب مع الدول العربية أو تحقيق أي وحدة عربية والتي كانت حلم الجماهير التي تعتبرها ضرورة للوقوف بوجه القوى الكبرى للنيل من الثورة.

إن سياسة العراق في زمن حكم عبد الكريم قاسم عزلت العراق عن محيطة الإقليمي العربي بسبب عدم إيمانه بالوحدة العربية ووقوفه ضد الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة بعد زيارة وفد من التنظيمات الشعبية للجمهورية العربية المتحدة برئاسة أعضاء من حزب البعث للتهنئة بالثورة ودعوة قيادة العراق للانضمام للوحدة، وقد ازدادت علاقات العراق مع الدول العربية سوءاً حيث قطع العراق علاقاته الدبلوماسية مع العديد من الدول العربية مثل مصر وسوريا والكويت والسعودية والأردن، وانتهى به الأمر إلى إلغاء عضوية العراق من الجامعة العربية أواخر عام ١٩٦١.

وقد واجهت سياسة نظام عبد الكريم قاسم معارضة من القوى القومية العربية وحزب البعث، كما واجه قاسم انتقادات من المراجع الدينية المحافظة التي لم تكن مع بعض القرارات التي كانت تُعتبر تغيرات جذرية سريعة نحو العلمانية في دولة لا تزال تتمسك بالعرف الديني والعشائري.
كذلك فهو لم يؤمم نفط العراق في ظروف مواتية بعد تعالي الصيحات المنادية بالتأميم وذلك بعد تأميم إيران "مصدق" للنفط ومصر "عبد الناصر" لقناة السويس.

كما تميز عبد الكريم قاسم بميوله الطائفية والعرقية بتفضيل طائفة على أخرى وقومية على أخرى، كما ألب العشائر العربية في الموصل وكركوك لاضطهاد الأكراد على إثر عدم اتفاقهم معه وأرسل القطع العسكرية للنيل منهم، فارتكبت المجازر التي يندى لها جبين الإنسانية.

وإذا حاولنا إسقاط الواقع الذي كان سائداً في زمن عبد الكريم قاسم على الواقع العراقي بعد ٢٠٠٣ن فإننا نجد الكثير من التقاطعات بينهما، فحقبة عبد الكريم قاسم اتسمت كما أسلفنا آنفا بتسلط الأجهزة الأمنية والميليشيات على رقاب الشعب، وهو ما فعلته وتفعله الأجهزة الأمنية والميليشيات العميلة مع الشعب العراقي الذي يعاني من ظلم وقهر واستبداد لا مثيل له في العالم، كما أن ابتعاد العراق عن القضايا العربية المصيرية وانسلاخه عن المحيط العربي لصالح تمكين إيران من العراق وتسليطها مع أحزابها وميليشياتها للعبث بالعراق ومقدراته واضطهاد شعبه والنيل من القوى الوطنية والقومية ذات التوجه العربي، هذا الحال مطابق لما حدث في زمن عبد الكريم قاسم الذي ابتعد عن أي تقارب عربي مترافقاً مع اضطهاد واعتقال الوطنيين والقوميين والمناضلين الشرفاء، فأصبح العراق في أيدٍ فاسدة مجرمة جعلت العراق مستباحاً لكل الأطراف الخارجية التجسسية والداخلية العميلة.

فكما واجه نظام عبد الكريم قاسم الشعب والقوة الوطنية بالعنف والاغتيال والاعتقال، فقد مارست الحكومات الاحتلالية بعد ٢٠٠٣ ذات النهج والممارسات فصممت على تكميم الأصوات المطالبة بالحرية والعدالة والمساواة والساعية إلى تحسين الواقع المعيشي للمواطن العراقي، وهو ما مارسته الأحزاب والحكومات والميليشيات ضد الشعب العراقي الذي خرج احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية، وانتشار الفساد الإداري والبطالة، والتهميش الذي يعيشه المواطن العراقي البسيط، الذي أيقن أن ما يعانيه العراق هو بسبب الأحزاب والميليشيات والحكومات التي جعلت من العراق الحديقة الخلفية لإيران تفعل به ما تشاء، وهو ما جعل الشعب الثائر في تشرين يطالب ولأول مرة منذ ٢٠٠٣ بإسقاط النظام الحاكم الذي أنتجته العملية الاحتلالية الأمريكية الإيرانية، كما ندد ثوار تشرين بالتدخل الإيراني في العراق وحرقوا العلم الإيراني، فكان ذلك رسالة صريحة وواضحة لإيران وعملائها بأنهم العدو الأول للشعب العراقي.

إن ما تعرض له الشعب العراقي في زمن عبد الكريم قاسم من عنف واعتقال وصل حد القتل، هو ذاته ما تعرض له الشعب العراقي في زمن الاحتلال والحكومات العميلة، فامتلأت السجون وانتشرت المقابر الجماعية وانتشر القتل على أساس طائفي كما انتشرت عمليات الخطف والتغييب القسري والتهجير، وهو ما زاد درجة الاحتقان ضد الاحتلال وزبانيته، وهو ما عبر عنه ثوار تشرين الرافضين للطائفية والتهجير والتفرقة، فواجهتهم القوات الأمنية بعنف شديد واستعملت قوات الأمن صنف القناصة واستُهدِف المتظاهرين بالرصاص الحي، وتجاوز عدد الشهداء الألف، وأُصيب الآلاف بجروح، فضلاً على اختطاف واعتقال وتغييب العديد من الثوار، وتعتبر هذه الانتهاكات ضد الثورة الأكثر فتكاً في العراق.

إن الواقع الذي عاشه العراق في زمن عبد الكريم قاسم ما كان له أن يستمر، وكان لا بد من تغييره والقضاء عليه، وهو ما جعل ثورة ٨ شباط ١٩٦٣ ضرورة لا بد منها، من أجل انقاذ العراق من الواقع والمآل المجهول الذي ينتظره في ظل حكم فردي شعوبي متسلط، فكانت ثورة الثامن من شباط لحظة الخلاص التي ينشدها الشعب العراقي وهو ما وضع مسؤولية كبيرة على عاتق حزب البعث العربي الاشتراكي بضرورة القضاء على الظلم والاستبداد والديكتاتورية القاسمية، فكان البعث على قدر المسؤولية وعند ثقة جماهير العراق والأمة، فصنع ثورة ما زالت تسمى رغم مرور ثمانية وخمسين عاماً بعروس الثورات.

كما كان الواقع المزري والمأساوي الذي يعيشه العراق وشعبه الأبي تحت الاحتلال المزدوج الأمريكي الإيراني والأحزاب والميليشيات الذيلية دافعاً للشعب العراقي ليصنع ثورته المتفردة بسلميتها وشبابها الغيور البطل الذي واجه بصدره العاري رصاص القتلة من أجهزة أمنية وميليشيات وأحزاب رهنت نفسها للخارج.

فأيقن شباب العراق أن ما يعيشه العراق في ظل السلطة العميلة من انعدام الأمن وانتشار البطالة والعوز والجوع وانعدام الخدمات واستشراء الفساد وتوقف التنمية وضياع الثروات هدراً لإيران وغيرها، وفقدان الوزن بين الدول، له حل واحد هو تقويض وإسقاط العملية السياسية التي فرضها الغزاة المحتلون.

فخرجت الحشود المليونية التي تداعت إلى ميادين العراق للمطالبة بحقوقها المشروعة، وتطهير الوطن من رجس الفاسدين والعملاء والاحتلال، فكان واجب كل شريف حر أن يقف في جانب الثورة دائماً، لأنها تضيف إلى وجوده عزةً وكرامة، وتمنحه أرضاً صلبة يقف عليها، وتسلب الأرض من تحت العملاء والخونة والفاسدين وأسيادهم، وتقطع شجرة العائلة التي ينتمون إليها.

وكانت رسالة ثوار تشرين هي ذات الرسالة التي عبرت عنها ثورة الثامن من شباط :
قُضي الأمر أيها العبيد، وأصبح القرارُ بيد سادة العراق، بيد شرفاء العراق، شباب الأمة وعنوان كرامتها، أصبح الأمرُ بيد صاحب الأمر سبحانه وتعالى ناصر الحق ومشتت الظالمين وقاهر الفرس المجوس.

أيها القتلةُ الفاسدون، ستشرقُ شمسُ العراق متحدية ظلامكم وظلمتكم، متحدية سوداويتكم المقيتة، لتعلنَ بزوغ فجر الحرية والكرامة والعزة.

تحية لأبطال ثورة الثامن من شباط، ولأحفادهم أبطال وثوار ثورة تشرين، وطوبى لأرواح الشهداء الغر الميامين، والبقاء الأزلي للعراق السيد الحر المستقل.





الجمعة ١٤ رجــب ١٤٤٢ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٢٦ / شبــاط / ٢٠٢١ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب ناصر الحريري نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة