شبكة ذي قار
عـاجـل













كانت أمهاتنا حينما كنّا صغاراً وهُنَّ يحاولن أن يخلدننا للنوم يدندنَّ بترنيمة حزينة وتسمى أيضا ( تهويدة، وهدهدة، وتهليلة ) ( دللّول يالولد يابني دللّول ) ، وأحيانا يضِفْنَ :

عدوك عليل وساكن الجول يا بني أنا لا ريد من جِدرَك غموس ولا ريد من جيبك فلوس رِدْتَك أنا هَيبة وناموس يقول الدكتور الحسين الطاهر أن "دللول" : هي فاتحة نشيد ترنيمة الأم العراقية لولدها قبل النوم.وقد يكون معناها بالسومرية : حبيبي أو عزيزي الوحيد ( دلي لولال ) ، أو : أحميك من كل شيء ( دال اولا ).

علما بأن ( ايلولو ) السومرية تعني ( أغنية ) أو هي اسم لنوع من الأغاني ( ربما هي : " ( ١ ) Dili , lulal , dal , u - la ).يلولي، العراقية العامية.

وتعتبر دللّول من أشهر ما غنته الأمهات في العراق لأطفالهن – في الوسط والجنوب، أما الأم الكردية فتردد ترنيمتها الشهيرة : ( لايه لايه لايه رولي شيرينم لايه ) ، واشتهرت تنويعات غنائية كثيرة على هاتين الترنيمتين، وإذا نظرنا في أصولهما فسنجد أن دللّول تشترك مع جذر الكلمة الكردية دل، وتعني القلب، ومقابل هذه الترنيمة لدينا في اللهجة البهدينانية اللازمة الغنائية الشهيرة دلو دلو، وهي في المعنى نفسه ( القلب ) ، كما وتشترك مع اللهجة الكردية اللورية والفيلية في تعبير - للو – التي تستخدم بمعنى "نم" للطفل وتستخدم في عبارة – للو بكه – بمعنى "نم" وتقال للأطفال فقط بصيغة الأمر، ودخلت كلمة دل في الغناء العراقي العربي بشكل واسع، ففي المقامات العراقية تتردد كلمة دلم – قلبي – في افتتاحية المقام – التحرير – ويحدث فيها أحياناً تحوير ملائم للمقام أو الغناء مثل دلي دلي، وهي بألوانها تنويع على كلمة دل الكردي" ( ١ ).

ومعنى ( عليل وساكن الجول ) أي إن عدوك ومن يريد الشر بك أو يحسدك مريض وعاجز وساكن في المناطق المقفرة.

لقد كانت هذه المفردات تعبير عن حالة الأمومة وقوة العاطفة ورابطتهما الجدلية تجاه الأبناء، كما أنها بمثابة نعي أو تنفيس عن حال الأم يعكس سوء العلاقة مع الزوج أو الأشقاء أو الأقارب وحتى المعارف، أو من جراء الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة آنذاك، وهكذا.
اليوم أتوجه لأبنائنا الشباب في أكثر من رجاء :

الأول بروا بوالديكم وأحسنوا إليهم، خصوصاً ونحن نصطدم اليوم بالكثير من حالات العقوق لهما بفعل عوامل مختلفة، منها الاستخدام السيء والفهم الخاطئ لوسائل الإعلام وبرامج التواصل الاجتماعي، أو بسبب قصر النظر وضعف البصيرة والرفقة السيئة، أو لانصياع الأبناء لآراء زوجاتهم على حساب آراء والديهم، أو بفعل عوامل اقتصادية، ومنها البطالة وتردي الأوضاع المعيشية.

أما الثاني فلا توجعوا أفئدة أول من تلقفكم وآواكم في الحياة الدنيا بـ ( دللّول ) ، وذلك من خلال إقدامكم على فاجعة الانتحار عبر وسائل مختلفة، واعلموا أن من أعظم المنكرات قتل النفس والجناية عليها، "وَلَا تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ "،

فلا تقتلوا أنفسكم خشية املاق، ولا تقنطوا من رحمة الله، ودوام الحال من المحال.

بلا شك فإن سياسة الدولة هي المسؤولة بالدرجة الأولى على حفظ النسيج الاجتماعي، ويجب أن تكون هناك سياسة رشيدة في كل مجالات الحياة مبنية على ( مخافة الله ) ، عندها سيتعافى المجتمع ويعيش حياة حرة كريمة بسلام.
يا فلذات أكبادنا .. أذكركم بالإحسان للوالدين، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

أنا اليوم في الثانية بعد العقد السادس من سني عمري، وما زلت أتذكر أبواي، وأتوق لهما، وأشعر بمرارة اليتم لرحيلهما عني، وأخشى أنني ربما قد قلت لهما يوما ما أُفٍّ – لا قدر الله - من دون وعي أو دراية، وأتمنى لو يعود الزمان يوماً فأتوسطهما وأقبل جبينيهما وأيديهما، ولكن هيهات أن يعود الزمان إذا مر كلمح البرق، ويا ليت شبابنا يعلمون بمكانتهم وتمددهم عبر شغاف قلوب آبائهم وأمهاتهم.

إلهي ارحمهما كما ربياني صغيرا .. و ( دللّول يالولد يابني دللّول ) !

١ - الحسين طاهر، كلمات سومرية حية.
https://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=407441، 26-3-2014
٢ - بتصرف وتعريق، دللول يالولد يا ابني دللول، عراق أنا، يناير ١٨ , ٢٠١٧




الثلاثاء ٨ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٢٤ / تشرين الثاني / ٢٠٢٠ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب أ.د. عبد الكريم الوزان نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة